تفاصيل المقال

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (1 – 2) – بقلم عالم الاجتماع الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

الصوم: حقيقته، وتاريخه - (1 – 2) – بقلم عالم الاجتماع الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

 

1- نشأة الصيام، وأنواعه:

لا نعلم على وجه اليقين متى نشأت فكرة الصوم في المجتمعات الإنسانية، ولا نكاد نعرف شيئًا يُعتد به عن الأسباب الأولى التي دعت إليه، كما أن ما وصل إلى علمنا عن النُّظُم الدينية للأمم الغابرة لا يرشدنا إلى أول شريعة جاءت به، ولا يقفنا على أول شعب ظهر فيه، وكل ما يذهب إليه بعض الباحثين في صدد هذه الأمور يتألف من آراء خطيرة تعتمد في بعض نواحيها على الحدس والتخمين، وفي نواحٍ أخرى على استنباطات ضعيفة قلقة لا يطمئن إلى مثلها منهج سليم ...

 

غير أنه مما لا شك فيه أنَّ الصوم من أقدم العبادات الإنسانية، ومن أكثرها انتشارًا، فلم يكد يخلو منه دين من الأديان التي أخذت بها المجتمعات، ولم تتجرد منه شعائر شعب من شعوب العالم قديمة وحديثة ..

 

جاء في (مِلَل التوتميين) والمجوس والوثنيين والصابئين والمانوية والبوذيين وعبدة الكواكب والحيوان، كما جاء بشرائع اليهود والنصارى والمسلمين ..

 

وقد اختلفت أشكاله باختلاف الأمم والشرائع، وتعددت أنواعه بتعدد الظروف المحيطة به والأسباب الداعية إليه، فمنه ما يكون بالكف عن الأكل والشراب والاتصال الجنسي والكلام، ومنه ما يكون بالكف عن واحد من هذه الأمور، أو عن بعضها ..

 

ولعلَّ الكَفّ عن الكلام هو أغرب أنواع الصيام، وهو منتشر لدى كثير من الأمم البدائية وغيرها؛ فقد ذكر الأستاذان سبنسر وجيلين (B.Spencer and Gillan)  في كتابهما عن سكان أستراليا الوسطى حالات كثيرة من هذا القبيل، منها أن المتوفى عنها زوجها يجب عليها أن تظل مدة طويلة، تبلغ أحيانًا عامًا كاملًا، صائمة عن الكلام، ويظهر أن شيئًا من هذا كان مُتبعًا في ديانة اليهود، بدليل قوله تعالى على لسان مريم: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) [سورة مريم: 26]  .. (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) [سورة مريم: 29] ، إلخ ..

 

والإمساك عن الأكل والشرب في الصيام يقع على وجوه كثيرة:

فمنه: المطلق الذي يشتمل جميع المأكولات والمشروبات: كصيام (المسلمين، والصابئين، والمانوية)، ومنه: المقيد الذي يتم بالكف عن بعض أنواعها: كبعض أنواع الصيام عند (المسيحيين) ..

 

وقوام الصيام، كما يظهر من مُلاحظة الأشياء التي يقتضي الكف عنها، هو حرمان الجسم والنفس من بعض حاجاتها الضرورية المحببة ..

 

ومن أنواع الصيام: ما يقتضي الإمساك عن هذه الأمور اليوم كله، نهاره وليله، ومنه: ما لا يقتضي الإمساك إلا نهارًا، أو شطرًا من النهار، ومنه: ما يبدأ بغروب الشمس ويستغرق اليل كله، أو شطرًا منه ..

 

ومن أنواع الصيام: ما يكون مُتتابعًا يجري في أيام متتالية، ومنه: ما يكون مقصورًا على يوم واحد، أو ليلة واحدة، أو جُزء من يوم أو ليلة، ومنه: ما شُرع في أيام غير مُتتابعة، يفصلها بعض فترات مُعينة ..

 

ومن أنواع الصيام: ما هو واجب على جميع الطبقات، أو على بعضها بشروط خاصة، ومنه: ما هو مُستحب يندب إليه جميع الأفراد، أو بعض طوائف منه ...

 

2 - مُقتضيات الصيام، ومُناسباته:

هذا وترجع أهم الحالات والمناسبات التي تقتضي الصوم على وجه الوجوب أو الندب في مختلف الشرائع الإنسانية إلى الأمور الآتية:

(1) -  حلول مواقيت عادية دورية؛ كحلول فصل مُعين من فصول السنة، أو شهر من شهورها، أو يوم من أيام الأسبوع، أو بلوغ كوكب منزلة خاصة من منازله... وما إلى ذلك، وكثيرًا ما يكون الميقات تاريخًا لحدث اجتماعي خطير وقع فيه، فيتجه الصيام أولًا، وبالذات إلى هذا الحدث، أو إلى أمور تتصل به: كشهر الصيام مثلًا عند المسلمين؛ فإنه تاريخ لنزول كتابهم الكريم، وهو القرآن، وكاليوم السابع عشر من الشهر العبري عند اليهود، وهو أحد أيام صيامهم؛ فإنَّه تاريخ لسقوط أورشليم عاصمة مُلكهم القديم ..

 

2 - حلول ظواهر فلكية غير عادية؛ كالكسوف والخسوف.

3 -  حوادث الوفاة.

4 - بلوغ الشخص سنًّا معينة، أو مُجاوزته مرحلة من مراحل حياته.

5 -  التكفير عن بعض الذنوب المقصودة وغير المقصودة، أو التحلل من بعض الواجبات والالتزامات الدينية، وغيره ..

 

6 - وقد يتَّخذ الصوم وسيلة للحصول على أغراض نفعية إيجابية: (بلوغ منزلة خاصة من المنازل اللاهوتية، صفاء الروح، إشراق الحقائق على النفس وإلهامها المعلومات، الاطلاع على الغيب، الاتصال بعالم السماء، القدرة على الإتيان بأمور خارقة للعادة، تسخير بعض القوى غير المرئية وإرغامها على سلوك معين، إنزال المطر، أو إرغام الهواء على الهبوب...وهلم جرًّا) ..

 

7 - وقد يُلجأ إلى الصوم لدفع ضرر فردي أو جمعي: (مرض أو وباء أو طوفان أو قحط... وما إلى ذلك) ..

 

8 -  وقد يُتخذ الصوم تمهيدًا لعبادة أخرى، أو وسيلة لجعلها مقبولة، أو عنصرًا هامًّا من عناصرها، ومن ذلك الصوم الذي يسبق أو يصاحب تقديم القُربان أو الوفاء بالنذور، أو إتيان الزكاة، أو إخراج الصدقات، أو الاعتكاف، أو الصلاة...وما إلى ذلك.

 

ولعل أهم أنواع الصيام وأكثرها انتشارًا في مُختلف الديانات هو النوع الأول، وهو الصيام في مواقيت مُعينة تتكرر كل سنة، أو كل شهر، أو كل أسبوع، وهو الصيام الذي يرتبط في الغالب بتاريخ أحداث اجتماعية خطيرة ..

 

ومن أشهر الديانات التي وَجَّهت إلى هذا النوع من الصيام عناية كبيرة، وكثرت فيها مناسباته، وأنزلته منزلة الفروض العينية: ديانات الصابئين، والمانويين، والبوهميين، والبوذيين، واليهود، والمسلمين ..

 

وسنقصر كلامنا فيما يلي على بيان مظهر هذا النوع من الصيام في بعض هذه الشرائع، والبحث عن الدعائم التي يقوم عليها ..

 

3 - الصيام ذو المواقيت الدورية في الديانة اليهودية:

وفي الديانة اليهودية لهذا النوع من الصيام أمثلة كثيرة، من أهمها صيام اليوم العاشر من الشهر السابع العبري (يوم كبور، أو يوم الكفارة)، وقد كتب هذا الصوم على اليهود للاستغفار، وطلب العفو عن الخطايا بنصوص صريحة من التوراة نفسها ..

 

ويظهر أن اليهود في عصرهم القديم كانوا يصومون (السبت) من كل أسبوع، و(اليوم الأول) من كل شهر قمري، فضلًا عن كفهم عن مزاولة الأعمال فيهما، ثم قصر الأمر فيما بعد على الكف فيهما عن مُزاولة الأعمال، وهذا ما يُستفاد ضمنًا من الآيات التي نُهُوا فيها نهيًا صريحًا عن صيامهما؛ إذ النهي عن صيام هذين اليومين بالذات: دليل على أنهم كانوا يصومونهما فيما سبق؛ وذلك أنَّ الحظر في الشرائع لا ينصبُّ في الغالب إلا على شيء كان مُتَّبعًا معمولًا به ..

 

ولصيام هذين اليومين صلة وثيقة بحركات القمر، أمَّا صيام (اليوم الأول) فصِلَتُه بذلك واضحة كل الوضوح، وأمَّا صيام (يوم السبت) فقد قامت أدلة على أن خواتيم الأسابيع كانت تُوافق في عصورهم القديمة دخول القمر في منازله، فكانت مواقيتهم الفلكية، على ما يظهر، تُقسم الشهر القمري أربعة أقسام، يُمثل كل قسم منها منزلة من منازل القمر الأربع، وكان كل قسم من هذه الأقسام يُسمى أسبوعًا، ويختتم بيوم السبت، على أن التفكير في تقسيم الزمن إلى أسابيع ترجع نشأته الأولى في الإنسانية إلى تعاقب منازل القمر، واستغراق كل منزلة منها نحو سبعة أيام، وبذلك يَتَّصل صيام اليهود القديم في سبتهم بالظواهر نفسها التي يتصل بها صيام البوذيين أربعة أيام من كل شهر قمري كما تقدم ..

 

وورد في الآيات الثانية، والثالثة، والعاشرة من الإصحاح الثامن بسِفْر نحميا (وهو من الأسفار التاريخية من العهد القديم) ما يدل على أنَّ كثيرًا من اليهود كانوا يصومون اليوم الأول من الشهر السابع، وعلى أن (نحميا) نفسه أقرهم على ذلك، وأمر أفراد الشعب بأن يبعثوا إلى الصائمين منهم في هذا اليوم بطعام إفطارهم ..

 

وورد كذلك في الآية الأولى من الإصحاح التاسع بسِفر (نحميا) ما يدل على أنَّ اليهود قد صاموا اليوم الرابع والعشرين من الشهر السابع: (في اليوم الرابع والعشرين من الشهر السابع اجتمع بنو إسرائيل مُرتدين المسوح ومُعفرين جسومهم بالرمال للاحتفال بيوم الصوم) ..

 

ويُفهم مما ورد في سِفْر (زكريا) أنَّهم بعد الجلاء إلى بابل كانوا يصومون أيامًا أخرى كثيرة دورية لذكرى حوادث مُؤلمة في تاريخهم، وأنَّهم كانوا يُسمون كُلًّا منها برقم الشهر العبري الذي وقعت فيه الحادثة، فمن ذلك (الصوم الرابع) الذي كان يقع في السابع عشر من الشهر الرابع (تموز، يوليه) لذكرى سقوط أورشليم، و(الصوم الخامس) الذي كان يقع في التاسع عشر من الشهر الخامس (آب، أغسطس) لذكرى خراب أورشليم والهيكل، و(الصوم السادس) وهو صوم (أستير) الذي كان يقع في الثالث عشر من الشهر السادس (آذار، مارس) لذكرى حادثة هامان وأستير، و(الصوم السابع) في الثالث من الشهر السابع (تشري، سبتمبر) لذكرى قتل (جداليا) آخر رئيس على اليهود بعد السبي، (والصوم العاشر) الذي كان يقع في العاشر من الشهر (طيبت، كانون الثاني، يناير) لذكرى حصار أورشليم ..

 

ولديهم كذلك أنواع أخرى مُستحبة من الصيام تقع في مواقيت دورية، ويقومون بها لذكرى وفاة عظمائهم كموسى، وهارون، والشُّهداء، وحوادث أخرى في تاريخهم، ويبلغ عددها خمسًا وعشرين ..

 

ويصوم بعض أتقيائهم اختيارًا (الاثنين والخميس) من كل أسبوع؛ حزنًا على سقوط أورشليم والهيكل، وأول وثاني (اثنين) وأول (خميس) من شهري: (أيار، مايو)، و(حزيران، أكتوبر) بعد عيد الفُصح، والمظال كفارة عن خطاياهم في الأعياد، وقد جرت العادة لديهم كذلك أن يصوم (البِكر) من كل عائلة اليوم السابق لعيد الفُصح لذكرى حادثة قتل (الأبكار) قبل الخروج من مصر ..

 

4 - الصوم ذو المواقيت الدَّورية عند المسلمين:

شرع الدين الإسلامي أنواعًا كثيرة من الصيام في مواقيت دورية:

بعضها يعود مرة كل سنة، وبعضها مرة كل شهر، وبعضها مرة كل أسبوع، ومن هذه الأنواع: ما هو فرض وهو (صيام رمضان)، ومنها: ما هو مُستحب، كصيام (التاسع والعاشر من المحرم)، و (ستة أيام مُتتالية من شوال) تبدأ من اليوم الثاني منه، قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ؛ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ))[1]، والتاسع من ذي الحجة (وهو يوم عرفة)، و (الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر) من كل شهر قَمَريّ؛ لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((مَنْ صَامَ مِن كُلِّ شَهْر ثَلاَثُة: أيَّام الثَّالث عَشَر، والرَّابع عَشَر، والخَامِس عَشَر؛ فَكَأَنَّما صَامَ السَّنَةَ كُلَّهَا))[2]، وتُسَمَّى هذه الأيام (بالأيام البيض)؛ لبُلوغ القمر في لياليها إلى كماله، وصيام (الاثنين والخميس) من كل أسبوع..  وهلم جرًّا ..

 

وتُحافظ بعض فِرَق المسلمين على أنواع من الصِّيام، ترتبط مواقيتها بأحداث اجتماعية ذات بال في تاريخها الخاص؛ كإحياء بعض فِرَق الشِّيعة للأيام العشرة الأُولى من المحرم بالصيام والقيام وترتيل الأوراد؛ تخليدًا لذكرى من استشهد من آل البيت رضي الله عنهم أجمعين في هذه الأيام ..

____________

* - المقال بقلم: عالم الاجتماع الكبير، الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي (رحمه الله) ..

* - وقد نُشر في [مجلة (حضارة الإسلام)، العدد السابع، السنة الثالثة (رمضان 1382 هـ - شُباط (فبراير) 1963م)] ..

 ________________

[1] - [صحيح مُسلم؛ برقم: (1164)].

[2] - [صحيح البخاري؛ برقم: (1874)، وصحيح مسلم؛ برقم: (1159)]، ولفظه في صحيح البخاري: عن أَبِي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً، قَالَ: فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام، قَالَ: نِصْفَ الدَّهْرِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ..



مقالات ذات صلة