تفاصيل المقال

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(12-7)-  لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(12-7)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

 

 
وظاهر قوله: (الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) أنَّ المُخاطبين يعلمون أن نُزول القرآن وقع في شهر رمضان؛ لأنَّ الغالب في صلة الموصول، أن يكون السامع عالماً باختصاصها بمن أجري عليه الموصول، ولأنَّ مثل هذا الحدث الديني من شأنه ألاَّ يخفى عليهم، فيكون الكلام تذكيراً بهذا الفضل العظيم، ويجوز أيضاً أن يكون إعلاماً بهذا الفضل، وأجري الكلام على طريقة الوصف بالموصول للتنبيه على أن الموصوف مُختص بمضمون هذه الصلة بحيث تجعل طريقاً لمعرفته، ولا نسلم لزوم علم المخاطب باتصاف ذي الصلة بمضمونها في التعريف بالموصولية، بل ذلك غرض أغلبي كما يشهد به تتبع كلامهم، وليس المقصود الإخبار عن شهر رمضان بأنه أنزل فيه القرآن؛ لأن تركيب الكلام لا يسمح باعتباره خبراً؛ لأن لفظ شهر رمضان خبر وليس هو مبتدأ ..

 

 

والمراد (بإنزال القرآن): ابتداء إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّ فيه ابتداء النزول من عام واحد وأربعين من الفيل، فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأنَّ ذلك القدر المنزل مُقدر إلحاق تكملته به، كما جاء في كثير من الآيات، مثل قوله: (وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)، وذلك قبل إكمال نزوله، فيشمل كل ما يلحق به من بعد، وقد تقدم قوله: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) ..

 

 

ومعنى (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)، أنزل في مثله؛ لأنَّ الشَّهر الذي أُنزل فيه القرآن قد انقضى قبل نزول آية الصوم بعدة سنين، فإنَّ صيام رمضان فُرض في السنة الثانية للهجرة، فبيَّن فرض الصيام والشَّهر الذي أُنزل فيه القُرآن حقيقة -عدة سنين-، فيتعين بالقرينة أنَّ المراد أنزل في مثله؛ أي: في نظيره من عام آخر ..

 


فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتباراً يُشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد، وإنَّما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدار، كما قال تعالى: (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ)، فخلع الله على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل، أنَّ جعل لتلك المواقيت فضلاً مُستمراً تَنْويهاً بكونها تذكرة لأمر عظيم، ولعلَّ هذا هو الذي جعل الله لأجله سُنَّة الهَدْي في الحج؛ لأنَّ في مثل ذلك الوقت ابتلى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل، وأظهر عزم إبراهيم وطاعته ربه، ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين، وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم من الأُمراء والقضاة والأئمة ..

 


وهذا يَدُلُّ على أنَّ مُراد الله تعالى من الأُمة صوم ثلاثين يوماً مُتتابعة مضبوطة المبدأ والنهاية مُتحدة لجميع المسلمين..

 
ولمَّا كان ذلك هو المراد وقت بشهر مُعين قمرياً، لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير، واختير شهر رمضان من بين الأشهر؛ لأنَّه قد شرف بنزول القرآن فيه، فإنَّ نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهُداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة الملكية واقعاً فيه، والأغلب على ظني أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أيام تَحَنُّثُه في غار حراء، قبل أن يَنْزل عليه الوحي إلهاماً من الله تعالى، وتلقيناً لبقيِّة من المِلَّة الحَنِفِيَّة، فلما أنزل عليه الوحي في شهر رمضان أمر الله الأمة الإسلامية بالصوم في ذلك الشهر ..

 

 

روى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جَاوَرتُ بِحِرَاءِ شَهْرَ رَمَضَان"، وقال ابن سعد: "جاء الوحي وهو في غار حراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان"..

 

 
وقوله: (هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ) حالان من القُرآن إشارة بهما إلى وجه تفضيل الشهر بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان ..

 


والمراد بالهدى الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تُنافي العامة، و(بالبَيِّنَاتِ مِنَ الهُدَى): ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي يُنكره كثير من الناس، مثل أدلة التوحيد، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الحجج القرآنية ..

 

 

و(الفُرْقَان) مصدر فرق، وقد شاع في الفرق بين الحق والباطل؛ أي: إعلان التفرقة بين الحقِّ الذي جاءهم من الله، وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام، فالمراد بالهُدَى الأَوَّل: ضرب من الهُدى غير المراد من الهُدَى الثَّاني، فلا تكرار ..

 

_______________

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

من تفسير " التحرير والتنوير"؛ لإمام أهل المغرب، العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

 

 



مقالات ذات صلة