تفاصيل المقال

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(12-8)-  لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(12-8)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

 

قال تعالى:

(فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [سورة البقرة: (85)] ..

 

تفريع على قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) الذي هو بيان لقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) كما تقدم، فهو رجوع إلى التبيين بعد الفصل بما عقب به قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) من استيناس وتنويه بفضل الصيام، وما يُرجى من عوده على نفوس الصائمين بالتقوى، وما حف الله به فرضه على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام ..


وضمير (مِنكُمُ) عائد إلى الذين آمنوا مثل الضمائر التي قبله؛ أي: كل من حضر الشهر فليصمه، و (شَهِدَ) يجوز أن يكون بمعنى (حضر) كما يُقال: إنَّ فلاناً شهد بدراَ، وشهد أُحدًا، وشهد العقبة، أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: حضرها، فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل شهد؛ أي: حضر، في الشهر؛ أي: لم يكن مُسافراً، وهو المناسب، لقوله بعده: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) إلخ .. أي: فمن حضر في الشَّهر فَلْيَصُمْهُ كله، ويُفهم أنَّ من حضر بعضه يصوم أيام حضوره .. ويجوز أن يكون (شَهِدَ) بمعنى علم؛ كقوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، فيكون انتصاب الشَّهر على المفعول به بتقدير مضاف؛ أي: علم بحلول الشهر، وليس (شَهِدَ) بمعنى رأى؛ لأَنَّه، لا يُقال: (شَهِدَ) بمعنى رأى، وإنَّما يُقال شاهد، ولا الشهر هُنا بمعنى هلاله بناء على أنَّ الشَّهر يُطلق على الهلال، كما حكوه عن الزَّجاج، وأنشد في الأساس قول ذي الرمة:

 فَأَصْبَح أَجْلَى الطَّرْف مَا يَسْتَزِيدُه *** يَرَى الشَّهْر قَبْلَ النَّاس وَهُوَ نَحِيل

 

أي: يرى هلال الشهر؛ لأنَّ الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل (شَهِدَ) بمعنى حضر، ومن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأً بَيِّناً، وهُو يُفضي إلى أنَّ كُل فرد من الأمة مُعلق وجوب صومه على مُشاهدته هلال رمضان فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم، وهذا باطل، ولهذا فليس في الآية تصريح على طريق ثبوت الشهر، وإنَّما بينته السُّنَّة بحديث: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له)) .. وفي معنى الإقدار له محامل ليست من تفسير الآية ..

 
وقرأ الجمهور: (القُرْآَنُ) بهمزة مفتوحة، بعد الراء الساكنة، وبعد الهمزة ألف، وقرأه ابن كثير براء مفتوحة، بعدها ألف على نقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة لقصد التخفيف ..

 

وقوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ) قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا) إنه لمَّا كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى، وهي (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إلخ، وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها، فلمَّا نُسخ حكم تلك الآية بقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ) الآية، وصار الصوم واجباً على التعيين خيف أن يظن النَّاس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نسخ، فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر، فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهو بناء على كون هاته الآية ناسخة للتي قبلها، فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا)؛ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأمَّا ما تقدَّم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقا بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إذا كان (شَهِدَ) بمعنى تحقق وعلم، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة، ولزيادة بيان معنى قوله: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) استئناف بياني كالعلة لقوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا) إلخ، بَيَّن به حكمة الرخصة؛ أي: شرع لكم القضاء؛ لأنه يُريد بكم اليُسر عند المشقة ..

 
وقوله: (وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) نفي لضد اليسر، وقد كان يقوم مقام هاتين الجملتين جملة قصر؛ نحو أن يقول: ما يريد بكم إلا اليُسر، لكنَّه عدل عن جملة القصر إلى جُملتي إثبات ونفي؛ لأن المقصود ابتداء هو جملة الإثبات لتكون تعليلاً للرخصة، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيداً لها، ويجوز أن يكون قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) تعليلاً لجميع ما تَقَدَّم من قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إلى هُنا، فيكون إيماء إلى أنَّ مشروعية الصيام، وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر، فإنَّ في طيها من المصالح ما يدل على أنّ الله أراد بها اليُسر أي:  تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم ..

 

وقرأ الجمهور: اليُسر والعُسر بسكون السين فيهما، وقرأه أبو جعفر بضم السين ضمة إتباع ..

(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) عطف على جملة (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) إلخ؛ إذ هي في موقع العلَّة كما علمت؛ فإنَّ مجموع هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: ((فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ) إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، و(اللَّام) في قوله: (وَلِتُكَبِّرُوا) تُسمى شبه الزائدة، وهي (اللَّام) التي يَكْثُر وقوعها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر؛ أي: مادة أمر؛ اللذين مفعولهما أن المصدرية مع فعلها، فحق ذلك المفعول أن يتعدى إليه فعل الإرادة وفعل مادة الأمر بنفسه دون حرف الجر، ولكن كثر في الكلام تعديته (باللَّام) نحو قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) قال في الكشاف: أصله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا)، ومنه قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) والفعل الذي بعد اللَّام منصوب بأن ظاهرة أو مُقدرة ..


والمعنى: يُريد الله أن تُكملوا العدة، وأن تُكَبِّرُوا الله، وإكمال العدة يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها من وجب عليه الصوم، ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة؛ فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف ..


وقرأ الجمهور: (وَلِتُكْمِلُوا) بسكون الكاف، وتخفيف الميم، مضارع أكمل، وقرأه أبو بكر، عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف، وتشديد الميم مضارع كمل ..

____________

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

من تفسير " التحرير والتنوير"؛ لإمام أهل المغرب، العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..



مقالات ذات صلة