تفاصيل المقال

صيام الست من شوال .. فضائله وفوائده وبعض المسائل المتعلقة به – بقلم د. أبو سعيد ..

صيام الست من شوال .. فضائله وفوائده وبعض المسائل المتعلقة به – بقلم د. أبو سعيد ..

عمل المسلم للآخرة عمل دائبٌ مُستمر في اليوم واللَّيلة لا يكاد ينتهي في حياة الإنسان، فعلى مدار اليوم يتقرب المسلم إلى ربِّه تبارك وتعالى بأعمال بين فرائض وسُنن وأعمال مُستحبة من الأقوال والأعمال التي شرعها الله جلّ وعلا، وهذه الأعمال والطاعات لا تنتهي إلاَّ بالموت، وهذا ما أراده الله سبحانه وتعالى من رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول جلَّ شأنه: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99]، واليقين هو الموت، والله جلَّ وعلا يُخاطب عباده المؤمنين بمثل هذا، فيقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] .. قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ): "أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر" ..

 

وقوله: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإنَّ الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك". [تفسير الطبري] ..

 

 والمسلم الصالح الذي يسعى لمرضاة الله جلّ وعلا هو من يسأل الله على الدّوام أن يُوفِّقَهُ ويُعينه على ذكره وشُكره وحُسن عبادته؛ مُقتدياً بالنَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم؛ في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه كما رواها الإمام أبو داوود في "السُّنن" بسند صحيح عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) [سنن أبي داوود؛ برقم: (1522)]، لذا شرع الله الفرائض والواجبات، والسُّنن والنوافل بعد الفرائض جبراً لنُقصانها وتكثيراً لثوابها، لينتقل المسلم من طاعة إلى طاعة، ومن عبادة إلى عبادة؛ لتظل مواسم الطاعات والعبادات مُستمرة مُتصلة، فما إن ينتهي موسم إلاَّ ويستقبل المسلمون موسماً آخر، والآن وقد انقضى شهر رمضان، بعد أن صام المسلمون نهاره وقاموا ليله إيماناً واحتساباً للأجر عند الله جلّ وعلا، ها هم يستقبلون موسماً آخر من مواسم الطاعة والعبادة ألا وهو موسم الحج الذي جعل الله أول شهوره؛ شهر (شوّال) الذي يأتي بعد رمضان مُباشرة، ولمَّا كانت السُّنن والنَّوافل المستحبَّة تأتي مع الفرائض جبراً لنُقصانها، وزيادة في الأجر والثَّواب لفاعليها؛ رأينا ذلك في الصلاَّة فرائض وسُنن، وفي الزكاة فريضة من الله، وشَرع بجانبها صدقات مسنونة مُستحبَّة يُحبها الله، ففي الصيام كذلك جاء شهر رمضان الذي فرض الله صيامه، وشَرع بجانبه الصيام المسنون والمستحب وهو كثير، ومن هذا الصيام المسنون الذي يُحبُّه الله جلَّ وعلا: صيام السِّتّ من شوَّال: ((فَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) [صحيح مسلم؛ برقم (1984)] ..

 

ومن الصيام المسنون الذي رغَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه: صيام الاثنين والخميس من كُلِّ أسبوع، وقال: ((إِنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ فِيهِمَا عَلَى اللهِ)) [جامع الترمذي: "كتاب الصيام"؛ برقم: (678)] ..

وحثَّ صلى الله عليه وسلم على العمل الصالح في عشر ذي الحجة، ومنه الصيام، فقد روى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، عنه صلى الله عليه وسلم: ((أنَّهُ  كَانَ لاَ يَدَع صِيَامَهَا)) [سنن النسائي: "كتاب الصيام"؛ برقم: (2332)] ..

ورغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في صيام يوم عرفة لغير الحاج؛ وقال صلى الله عليه وسلم: ((يُكَفّر سَنَتَيْنِ مَاضِيَة وَمُسْتَقْبَلة)) [صحيح مسلم؛ برقم (1977)، مسند أحمد؛ برقم: (21496)].. وقال صلى الله عليه وسلم: ((أفضلُ الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرّم)) [صحيح مسلم؛ برقم: (1982)] ..

وَأوصى صلى الله عليه وسلم أبا هريرة وأبا ذَرّ وأبا الدرداء رضي الله عنهم أجمعين، بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر"؛ قال أبو هُريرة رضي الله عنه: ((أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ)) [صحيح البخاري: برقم (1845)، وصحيح مسلم؛ برقم: (1182)] ..

 

 وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ((أَوْصَانِي حَبِيبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ))[صحيح مسلم؛ برقم: (1183)] ..

 

 وقال صلى الله عليه وسلم: ((صَوْمُ ثَلاَثَة أيامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ: صَوْم الدَّهْرَ كُلَّهُ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1840)] ..

وفي استحباب صيام شعبان، قالت أُمُّنا عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ)).[صحيح البخاري؛ برقم: (1863)] ..

وفي صحيح مسلم عن أُمُّنا عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلا)).[صحيح مسلم؛ برقم: 1165)] ..

وفيما يلي بيان لحكم صيام الست من شوال، وشيء من فضائله وثمراته وفوائده، وبعض الأحكام والمسائل المتعلقة به، وبالله التوفيق ..

 

أولاً: حُكم صيام الست من شوال:

صيام الستة من شوال، سُنَّةٌ مُستحبَّة؛ وهو من فضائل الأعمال التي يُثاب عليها المُسلم، وقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السُّنة المُباركة، ورغَّب فيها، وحثَّ المسلمين على اتباعها، والتمسك بها، لِمَا فيها من خير كثير وفضل كبير. فالصَّوم في عمومه عبادة عظيمة وطاعة جليلة، تعود على المسلم بما لا يُحصى من الفوائد والثمرات الإيمانية والتربوية والصِّحية وغيرها في رمضان وفي غير رمضان؛ لما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) [صحيح مسلم؛ برقم: (1164)] ..

فقد استحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء، منهم: ابن عباس رضي الله عنهما وطاوس والشعبي وميمون بن مهران، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق -رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين-. [لطائف المعارف؛ للإمام ابن الجوزي: (ص 218)] ..

 

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني: "صوم ستة أيام من شوال مُستحب عند كثير من أهل العلم" [المغني: (ج4/ص438)] ..

وجاء في الموسوعة الفقهية: "ذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومُتأخرو الحنفية- إلى أنَّه يسن صوم ستة أيام من شوال بعد صوم رمضان ...

ونُقِل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كراهة صوم ستة من شوال، مُتفرقاً كان أو مُتتابعاً. وعن أبي يوسف: كراهته مُتتابعاً، لا مُتفرقاً. لكنَّ عامة المتأخرين من الحنفية لم يروا به بأساً ..

قال العلاَّمة "ابن عابدين" رحمه الله، نقلاً عن صاحب "الهداية" في كتابه "التجنيس": "والمختار أنَّه لا بأس به؛ لأنَّ الكراهة إنَّما كانت لأنَّه لا يُؤْمَن من أن يُعَدُّ ذلك من رمضان، فيكون تشبهاً بالنصارى، والآن زال ذلك المعنى، واعتبر "الكاساني" محل الكراهة: أن يصوم يوم الفطر، ويصوم بعده خمسة أيام، فأمَّا إذا أفطر يوم العيد، ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه، بل هو مُستحب وسنة" ..

 

وكره المالكية صومها لمقتدىٍ به، ولمن خِيف عليه اعتقاد وجوبها، إن صامها مُتصلة برمضان مُتتابعة وأظهرها، أو كان يعتقد سُنِّيَّة اتصالها، فإن انتفت هذه القيود استحب صيامها ..

قال الحطاب: قال في "المقدمات": كره مالك رحمه الله تعالى ذلك مخافة أن يلحق برمضان ما ليس منه من أهل الجهالة والجفاء، وأمَّا الرجل في خاصَّة نفسه فلا يكره له صيامها". [الموسوعة الفقهية: (ج28/ص92)] ..

 

وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: في الاعتذار لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله ورضي عنه: "لم يبلغ مالكاً حديث أبي أيوب .. ولو علمه لقال به"، وقال: "وأمَّا صيام الستة الأيام من شوال على طلب الفضل وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان رضي الله عنه؛ فإنَّ مالكاً –رحمه الله- لا يكره ذلك إن شاء الله؛ لأنَّ الصوم جُنَّة، وفضله معلوم لمن رَدَّ طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، وهو عمل بر وخير، وقد قال الله عز وجل: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ)[الحج: 77]، ومالك –رحمه الله- لا يجهل شيئاً من هذا، ولم يكره من ذلك إلاَّ ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك، وخشي أن يعدوه من فرائض الصيام مُضَافاً إلى رمضان". [الاستذكار، للإمام ابن عبد البر: (ج3/ص380)] ..

وقال الإمام القُرطبي المالكي رحمه الله: "يُسْتَحَبُّ له أن يصوم من شوَّال ستة أيام". [تفسير الإمام القُرطبي: (ج2/ص331)] ..

 

وقال الإمام النووي رحمه الله: "وإذا ثبتت السنة لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بعض الناس، أَوْ أَكْثَرِهِمْ، أَوْ كُلِّهِمْ". [صحيح مسلم: (ج8/ص238)] ..

 

وخلاصة القول: إنَّ صيام ست من شوال بعد عيد الفطر سُنّة مُستحبة لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه –الذي تقدم معنا- بحيث يفصل إفطار يوم العيد بين صام رمضان، وصيام الست من شوال، سواءً أكانت هذه الأيام الست مُتتابعة أم مُتفرقة، ويُكره الوصل في الصِّيام بين رمضان وشوال دون إفطار يوم العيد، وهذا ما عليه جماهير الفقهاء، والعلم عند الله تعالى ..  

 

ثانياً: فضائل وفوائد صيام الست من شوال:

لِصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان فضائل كثيرة وفوائد عديدة من أهمها:

1 – أنَّ أجر من صام الست من شوَّال كان كصيام الدَّهر: لما رواه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)) [صحيح مسلم؛ برقم: (1164) .. قال الإمام ابن المُلقن في البدر المنير: "هذا الحديث صحيح حفيل جليل .. وقد روى هذا الحديث عن سعد بن سعيد تسعة وعشرون رَجُلاً أكثرهم ثقات حفاظ أثبات .." [البدر المنير: (ج5/ص752)] ..

 

وأيضاً لما رواه ثوبانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رضي الله تعالى عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((صيامُ شَهرِ رَمَضانَ بِعَشرةِ أشهُرٍ، وسِتَّةُ أيَّامٍ بَعْدهُنَّ بِشَهرينِ، فذلك تمامُ سَنَةٍ)) [مسند أحمد؛ برقم: (21906)، والدارمي؛ برقم: (1755)؛ وفي صحيح الجامع الصغير؛ برقم: (3851)] ..

 

وعند ابن ماجة بلفظ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) [سنن ابن ماجة؛ برقم: (1715)] ..

وأخرجه ابن خُزيمة في صحيحه؛ بلفظ: ((صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ السِّتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ "، يَعْنِي رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَهُ ")) [صحيح ابن خُزيمة؛ برقم: (2115)] ..

وقال الإمام "أحمد": "ليس في حديث الرازي أصح منه، وتوقف فيه في رواية أخرى, ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين، أو تسعاً وعشرين".[لطائف المعارف؛ للإمام ابن الجوزي: (ص 220)] ..

يقول الإمام "النووي" رحمه الله: "قال العلماء: وإنَّما كان كصيام الدهر؛ لأن ((الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا))، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين..." ..

وقال الإمام "ابن رجب" رحمه الله في "لطائف المعارف": وفي مُعَاودة الصِّيام بعد رمضان فوائد عديدة، وذكر منها ما يلي:

منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله كما سبق.

 

2 – أنَّ صيام الستة أيام من شوال تكملة لما نقص في رمضان: ذلك "أنَّ صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل". [لطائف المعارف: (ص220)] ..

وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما صَحَّ من حديث الترمذي: ((... قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ)).[جامع الترمذي؛ برقم: (413)، وقال حديث: حسن]..

وقال الإمام "ابن القيم" رحمه الله في "المنار المنيف": "وَفِي كَوْنِهَا -أي السِّت- (مِنْ شَوَالَ) سِرٌّ لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْجُبْرَانِ لِرَمَضَانَ، وَتَقْضِي مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الصَّوْمِ، فَتَجْرِي مَجْرَى سُنَّةِ الصَّلاةِ بَعْدَهَا، وَمَجْرَى سَجْدَتَيِّ السَّهْوِ وَلِهَذَا قَالَ: (وَأَتْبَعَهُ) أَيْ: أَلْحَقَهَا بِهِ". [المنار المنيف؛ للإمام ابن القيم: (ج1/98)] ..
3 – وأنّ صيام الست من شوَّال علامة على قبول صوم رمضان؛ ذلك "أَنَّ مُعاودة الصِّيَام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان؛ فإنَّ الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده؛ كما قال بعضهم: "ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة، ثُمَّ أتبعها بعد بحسنة، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأُولى، كما أنَّ من عمل حسنة، ثُمَّ أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها" ..

 

4 – أنَّ صيام السِّت من شوَّال يأتي شُّكْراً على نعمة صوم رمضان: ذلك أنَّ صيام رمضان يُوجب مغفرة ما تقدم من الذُّنوب، وأنَّ الصائمين لرمضان يُوفُون أُجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز، فيكون مُعاودة الصِّيَام بعد الفطر شُكرًا لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب. ((كانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورم قدماه، فيُقال له: أتفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أَفَلاَ أكُونُ عَبْداً شَكُورًا")) ..

فمن جُملة شُكر العبد لربه على توقيفه لصيام رمضان، وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شُكْراً عقب ذلك. كان "بعض السلف" إذا وُفِّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائماً، ويجعل صيامه شُكْراً للتَّوفيق للقيام" ..

وكان "وهب بن الورد" رحمه الله، يُسْألُ عن ثواب شيء من الأعمال كالطَّواف ونحوه؟، فيقول: "لا تسألوا عن ثوابه، ولكن اسألوا ما الذي على من وُفِّق لهذا العمل من الشُّكر للتوفيق والإعانة عليه" ..

5 –  أنَّ الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربِّه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًّا، فالعائد إلى الصِّيَّام بعد فطره يوم الفطر، يدل عوده على رغبته في الصِّيام، وأنَّهُ لم يَمُلَّه، وَلَمْ يَسْتَثْقِلْهُ، ولا تَكَرَّه به" ...باختصار. [لطائف المعارف: (ص: 220 – 221)] ..

 

ثالثاً: أحكام ومسائل مُتعلقة بصيام السِّت من شوَّال:   

فهذه لمحة مختصرة عن بعض الأحكام والمسائل المتعلقة بصيام السِّت من شوال:

1 - يَحْرُمُ صَوْم يوم العيد (الأول من شوال)، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ: أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الْأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ)). [صحيح البخاري؛ برقم: (5251)] ..

 

2 -  يُستحب البدء بها بعد العيد مُباشرة؛ لأن ذلك من باب المسارعة إلى الخير؛ لقول الله تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]، وقوله جلَّ شأنه: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21]، وقوله تعالى على لسان كليمه موسى عليه السَّلام: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ). [طه: 84] ..

 

3 -  يجوز البدءُ بصيام السِّت من شوَّال، من اليوم الثاني من شوال؛ لأن عيد الفطر الشَّرعي يوم واحد فقط ..

4 - يجوز صيام هذه الأيام الست مُتتابعة، أو مُتفرقة، دون كراهة.
5 - يجوز أن يبدأ بصيام الست من شوال من يوم الجمعة أو يوم السبت، ولا كراهة في ذلك؛ لأنَّ الصائم لا يقصد تخصيص يوم الجمعة، أو يوم السبت بصيام..

6 – الأَوْلَى والأَفْضَل لمن عليه قضاء من رمضان بسبب السَّفر أو المرض أو غيرها، أن يبدأ به أولاً قبل صيام السِّت من شوال؛ لأنَّه أبرأ لذمته؛ ولأنَّ الفَرْضَ مُقَدَّم على النافلة ..

7 – لا يجوز الجمع بين قضاء رمضان والست من شوَّال، أو أي تطوع آخر بنية واحدة ..

هذا وبالله التوفيق، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

بقلم: د. أبو سعيد



مقالات ذات صلة