تفاصيل المقال

عظمة وإعجاز القُرآن الكريم على مر الزمان  - (1 - 3)   بقلم:  أ. د  كارم السيد غنيم

عظمة وإعجاز القُرآن الكريم على مر الزمان - (1 - 3) بقلم: أ. د كارم السيد غنيم


شغلت قضية "الإعجاز القرآني" مساحة كبيرة من الفكر الإسلامي والإنساني على مر العصور، ولا تزال تشغله حتى عصرنا الحاضر، ولقد تدارسها كثير من العلماء والفلاسفة وأصحاب الكلام، وكان لكل منهم رأي ووجهة نظر، وتصدى لدراستها أيضاً علماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم ونحلهم، وأفردوا لها عشرات البحوث والرسائل والكتب والمصنفات، وتعمقوا في دراسة القرآن دراسة موضوعية شاملة، لعلهم يصلون إلى تحديد كنه الإعجاز ووجوهه[1] ..

 ولكن لماذا تكلم المسلمون في إعجاز القرآن؟، ولماذا اتجه علماؤهم إلى دراسة هذا الموضوع، حتى تخصص نفر منهم في هذا الحقل الخصيب من الدراسات والبحوث؟.

يجيب الدكتور أحمد العمري عن هذا السؤال بقوله: حين دخل الناس في دين أفواجاً، وكان من بين الداخلين أناس من الفرس والروم وغيرهم ممن كانوا في الأمصار المفتوحة، أدى ذلك إلى امتزاج ثقافة الأمة العربية بغيرها من الأمم .. حينئذ أخذ الإسلام يتعرض لحركة طعن وتشكيك من الشُّعوبيين (المتشيعين لشعوبهم وجنسياتهم) وأصحاب الديانات القديمة، وكان طبيعياً أن يتجه هم الطاعنين إلى ذلك الكتاب الذي أحدث تلك النهضة العربية، وأدال من دولهم وأديانهم، وأحبوا أن ينقضوا معجزة هذا الدين ... ومن ثم راح الملحدون يلتوون بمعانيه، ويحكمون عليه بالتناقض واللحن وفساد النّظم .. وشحن الجو الإسلامي بما أثاروه من شُكوك، وخاصة بغداد -عاصمة الدولة الإسلامية- وملتقى التيارات الثقافية الوافدة على الفكر العربي آنذاك .. فأخذ المسلمون يبحثون ويدرسون، واختلفت آراؤهم وتضاربت، كل منهم يرى للإعجاز القرآني وجهاً أو وجوهاً.. وقد حفزهم إلى ذلك حافزان:

أولهما: الدفاع عن القرآن العظيم.

وثانيهما: معرفة كنه هذا الإعجاز القرآني وسماته وخصائصه وأبرز وجوهه[2].

 

وإننا لنؤكد دوماً أن للإعجاز القرآني في كل عصر وجه ينكشف للناس، ودليل جديد على صدق معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم .. والآن نتعرف على آراء أبرز العلماء المسلمين القُدامى والمُحْدَثِين منهم، فيما يتعلق بالإعجاز القرآني، وذلك على النحو التالي:

 

* الإمام المحدث، أبو سليمان، حَمْد بن مُحمد الخطّابي –رحمه الله- (319 - 388هـ):

وهو صاحب كتاب "بيان إعجاز القُرآن"، وقد ناقش الخطّابي آراء السابقين في هذه القضية، وفنّد بعضها، وأكد الأخرى، مثل تأكيده لمعجزة القرآن المتمثلة في امتناعه على الناس الإتيان بمثله، ومثل الإعجاز في ذات القرآن. ولكنه دحض فكرة الإعجاز بالصرفة (وهي التي قال بها كبير المعتزلة أبو إسحاق النّظام، وهي: أن الله صرف همة الناس عن معارضة القرآن، على الرغم من مقدرتهم على معارضته، ولكن العائق هو صرف الله لهم عن ذلك)، وكذلك فقد أكد الخطّابي الإعجاز القرآني بالإخبار عن المغيبات السابقة واللاحقة، ولم يشك في ذلك.

كما أنه عوّل على بلاغة القرآن تعويلاً كبيراً، وجعل ذلك من أهم وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، ولكنه جاء بوجه جديد ومُهم جداً من وجوه الإعجاز، وهو الذي يتصل بالوجدان والقلب والتأثير في النفوس.

 

* النّحوي المُتكلم، أبو الحسن بن علي الرُّمَّاني –رحمه الله- ( 296 - 386هـ):

وهو صاحب كتاب "النُّكت في إعجاز القُرآن"، وقد عرض الرُّمَّانيّ وجهة نظره في وجوه الإعجاز التي يختص بها القرآن الكريم، وحصرها في البلاغة القرآنية، من إيجاز وتشبيه واستعارة وتلازم، وفواصل وتجانس وتصريف وتضمين ومبالغة وحسن بيان، وكذلك تكلم في تحدي القرآن لكافة الناس أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة.

 

* الإمام القاضي أبوبكر، محمد بن الطيّب الباقلانيّ –رحمه الله- (338 - 403هـ):

هو صاحب المؤلَّف الشهير (إعجاز القرآن)، وقد حدد الإعجاز القرآني في ثلاثة وجوه: الإخبار عن المغيبات، وأمية الرسول صلى الله عليه وسلم، والنّظم. ولقد أرجع الباقلاني جمال النّظم القرآني إلى عشرة وجوه متكاملة تتسم بالدقة والعمق معاً، وتدل على ترابط الجزئيات وتكاملها.

* القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، المعتزليّ –رحمه الله- (ت415هـ):

أوضح القاضي عبد الجبار رأيه في الإعجاز في الفصل السادس عشر من كتابه (المغني في أبواب التوحيد والعدل)، وأنه ينحصر في جزالة اللفظ، وحسن المعنى إلى درجة لم تبلغها بلاغة البلغاء أو فصاحة الفصحاء.

 

* الإمام أبو بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرجاني –رحمه الله- ( ت 471هـ):

كان من العلماء الذين تناولوا إبراز وجوه الإعجاز في القرآن تناولاً دقيقاً، وهذا واضح في كتابه (دلائل الإعجاز)، وكتابه (الرسالة الشافية)، ولكنه ركّز في بحثه للموضوع على خاصية (النّظم)، وجعلها الوجه المشرق الوحيد للإعجاز القرآني.

 

* القاضي الإمام، أبو الفضل، عياض بن موسى –رحمه الله- (476 - 544هـ):

حين ألف القاضي عياض كتابه الشهير (الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم)، عقد فيه فصلاً عن إعجاز القرآن، وحصر أوجهه في أربعة:

حسن التأليف والفصاحة والبلاغة الخارقة، النّظم العجيب، الإخبار بالمغيبات السابقة، الإنباء بالأخبار القادمة.

وفي موضع آخر من كتابه أضاف أوجهاً أخرى لإعجاز القرآن منها: تحديه للبلغاء وأهل الفصاحة أن يأتوا ولو بثلاث آيات من مثله، تأثيره النفسي في قارئيه وسامعيه ومتدبّريه، وبقائه على مر الزمان دون أن يخلق على كثرة الرد.

* الإمام، أبو حامد الغزالي –رحمه الله- (450 - 505هـ):

يُعد الإمام أبو حامد الغزالي (رحمه الله) من أقدر رواد هذا الاتجاه، وقد بث أفكاره، وعرض آراءه في كتابه (إحياء عُلوم الدين) و (جواهر القُرآن)، فهو يقول في (الإحياء) بعد أن بَيّن انشعاب العلوم الدينية: "العلوم الدنيوية كلها مُتشعبة في القرآن".

ويقول أيضاً:  "كل ما أشكل فهمه على النُّظّار، واختلف فيه الخلائق من النظريات والمقولات، في القرآن إليه رموز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بإدراكها".

ويستشهد الإمام الغزالي لاشتمال القرآن على جميع العلوم، بقول ابن مسعود رضي الله عنه: ((من أراد علم الأولين والآخرين؛ فليتدبر القرآن)).

ويذكر الغزالي في كتابه (جواهر القرآن): أن علوم الطب والنجوم وهيئة العالم، وهيئة بدن الحيوان، وتشريح أعضائه، وعلم السحر، وعلم الطلسمات، وغير ذلك، يُشير إليه القرآن بقول الله سبحانه: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[الشعراء: 80]. ويشير إلى علم الطب المتضمن لأسباب المرض ووسائل الشفاء، وقوله سبحانه:(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)[الرحمن: 5].ونحوه مما يشير إلى علم الهيئة (أي: الفلك)، وتركيب السماوات والأرض (الكوزمولوجيا والجيولوجيا).

وهو -رحمه الله- يرى: أن جميع العلوم المعروفة والتي سيسفر عنها الزمان مع تعاقب العصور، موجودة في القرآن، لا بالتصريح، وإنما (بالقوة)، أو كما يقول: فإن جميع العلوم التي عرفها البشر، والتي هم في الطريق إلى معرفتها ليست في أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مُغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى، وهو بحر الأفعال".

 

*  عالم العربية والأدب، أبو يعقوب، يوسف بن أبي بكر السكاكي –رحمه الله- (555 - 626هـ):

بحث السكاكي الموضوع في كتابه (مِفتاح العلوم)، ومال إلى القول بالنّظم، وجعل الإعجاز لا يُدرك إلا بالذوق، وطول خدمة البلاغة، وممارسة الكلام البليغ.

 

* الإمام، فخر الدين الرّازي، أبو عبد الله، محمد بن عُمر (543 - 606هـ):

صاحب كتاب (التفسير الكبير) أو (مفاتيح الغيب)، حيث يرى وجود جميع العلوم في القرآن بالقوة، كوجود الشجرة في النواة (البذرة)، وقد عرض في (التفسير الكبير) مباحث كثيرة -حسب ثقافة عصره وما بلغته العلوم في زمانه -في شتّى نواحي العلوم الطبيعية والمعارف الكونية، وللرازي أيضاً كتاب في هذا المجال هو (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز).

 

* الشاعر الأديب، عبد العظيم بن عبد الواحد، ابن أبي الأصبع العدواني، البغدادي، ثُمّ المصري –رحمه الله- (595 - 654هـ):

أكد ابن أبي الأصبع الإعجاز البياني للقرآن الكريم، وقد تبعه في هذا الرأي يحي بن حمزة العلوي اليمني (669 -  749هـ) صاحب كتاب (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعُلوم حقائق الإعجاز)، ولم يخرج كل من شمس الدين الأصفهاني (647 -  749 هـ )، و بدر الدين الزركشي ( 745 - 794هـ) عما قال أسلافهم من العلماء رحمهم الله جميعاً، ورضي عنهم ..

 

* الإمام شرف الدين، أبو عبد الله محمد بن عبد الله، بن أبي الفضل،  السُّلَميّ المَرْسي –رحمه الله- (570 - 655 هـ):

وله تفسير، ولكنه غير موجود، وقد أكثر من النّقل عنه  الإمام أبو حيان في (البحر المحيط)، يقول أبو الفضل المرسي –رحمه الله-: "جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط به علماً إلا المتكلم به، ثم قال: أما الطب فمداره على حفظ نظام الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعيل الكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة هي قول الله تعالى: (وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)[الفرقان: 67]، ثم قرر مثل ذلك في علوم الهيئة (الفلك) والهندسة والجبر والمقابلة" ..

 

* الإمام الحافظ، أبو الفضل، جلال الدين السيوطي –رحمه الله- (849 - 911هـ):

ويرى الإمام السيوطي –رحمه الله- ما يراه كل من الغزالي والرازي، ويستدل لذلك بقول الله تعالى:(مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[الأنعام: 38]، ويستدل بأحاديث نبوية –أيضاً-، منها:

ما أخرجه أبو الشيخ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لو أغفل شيئاً لأغفل الذَّرّة والخردلة والبعوضة)).

ومن الآثار الدالة على ذلك: قول ابن مسعود رضي الله عنه: ((أنزل في القرآن كل علم، وبُيّن لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن)).

ويقول السيوطي في كتابه المشهور: (الإتقان في علوم القرآن): "اشتمل الكتاب العزيز على كل شيء.

أما أنواع العلوم، فليس منها باب ولا مسألة هي أصل، إلا وفي القرآن ما يدل عليها، وفيه عجائب المخلوقات، وملكوت السماوات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى .. إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات".

 

* العلامة شيخ أهل العراق، أبو الثناء، شهاب الدين الألوسي –رحمه الله- ( 1217- 1270هـ :

عرض العلامة الألوسي في تفسيره (روح المعاني) لآراء من سبقه من الأعلام، وارتضى رأياً مفاده: "أن القرآن مُعجز بجملته وأبعاضه، حتى أقصر سورة منه، مُعجز بالنظر إلى نَظْمه وبلاغته، وإخباره بالغيب، ومُوافقته لقضية العقل، ودقيق المعنى، وقد تستتر كلها في آية، وقد يستتر البعض، كالإخبار عن الغيب.

 

* الأستاذ عبد الرحمن الكواكبي –رحمه الله- (1271 – 1320هـ):

المفكر السوري المعروف، وهو في مُقدمة المُحْدَثين الذين نادوا باستعمال معطيات العلم الحديث في شرح آيات القرآن التي تتحدث عن الكون والطبيعة والأنفس وما شابه ذلك.

يقول الكواكبي في كتابه المعروف (طبائع الاستبداد): إن القرآن الكريم شمس العلوم، وكنز الحكم، وهو يرى أن العلماء إنما امتنعوا عن التفسير العلمي تخوفاً من مخالفة رأي السلف القاصرين في العلم، فيكفرون فيقتلون.

وهو يعرض أيضاً في كتابه هذا ما يؤيد أهمية اتجاه التفسير العلمي للقرآن الكريم.

يقول الكواكبي: "إن مسألة إعجاز القرآن لم يستطع أن يوقّها حقها العلماء غير المجتهدين، الذي اقتصروا على ما قاله السلف من أن إعجازه في فصاحته وبلاغته، أو إخباره عن أن الروم بعد غلبهم سيغلبون .. ولو أطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي والتأليف، كما أطلق لأهل التأويل والخرافات، لرأوا في ألوف من آيات القرآن ألوف الآيات من الإعجاز، ولرأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تُبرهن على إعجازه بصدق قوله تعالى: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)[الأنعام: 59].

ومثال ذلك: "أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة ورد التصريح أو التلميح بأكثرها في القرآن، وما بقيت مستورة إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن شاهدة بأنه كلام رب العالمين، لا يعلم الغيب سواه" ..

 

* مُحام القُرآن مصطفى صادق الرافعي –رحمه الله- (1298 -  1356هـ):

الأديب المعروف، الذي وضع كتابه المشهور (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) وذهب فيه إلى أن القرآن بآثاره النامية، مُعجزة أصلية في تاريخ العلم كله على بسيط هذه الأرض، من لدن ظهور الإسلام إلى ما شاء الله، كما أنه يقول: "استخرج بعض علمائنا من القرآن ما يُشير إلى مُستحدثات الاختراع، وما يُحقق بعض غوامض العلوم الطبيعية، وبسطوا كل ذلك بسطاً".

يشرح الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) مسائل عديدة في الإعجاز القرآني، ويخلص إلى أن لقرآن مُعجزة بالمعنى الذي يُفهم من لفظ (الإعجاز) على إطلاقه حين ينفي الإمكان بالعجز عن غير الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغاً، وليس إلى ذلك مأتى ولا وجهة، وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية ليشاركها في إعجاز الصفة، وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مُفرغة إفراغاً من ذوب تلك المواد كلها، وما نظنه إلا الصورة الروحية للعالم كله .. فالقرآن مُعجزة في تاريخه دون سائر الكتب ومُعجز في أثره النفسي، ومُعجز كذلك في حقائقه.

 

* الشيخ محمد عبده –رحمه الله- (1266 – 1323هـ):

الإمام المصلح الشيخ محمد عبده، له كتاب ( رسالة التوحيد )، وهو من المهتمين بإبراز أوجه الإعجاز في القرآن، ويرى أن القرآن معجز من عند الله، لأنه صدر عن نبي أمي، ولأنه يخبر عن الغيب، ولتقاصر القوى البشرية دون مكانته... لقد كانت للشيخ آراء تصحيحية غير قليلة، وكان من المهتمين بإبراز الإشارات العلمية الواردة بالقرآن، لكنه لم يكن متضلعاً بالعلوم الكونية، ولم يمارس البحوث التجريبية، ولم يدرس الجوانب الطبيعية أو الطبية، إنما كان ينقل من أهل التخصصات ليشرح ما يراه مناسباً لبعض الآيات. ويأخذ بعض العلماء على الشيخ محمد عبده إغراقه في التفسيرات العلمية التي أوقعته في عدد من الأخطاء، مثل ما وقع فيه عندما افترض أن ( نظرية التطور ) لداروين في أصل الإنسان يمكن أن يوجد لها تفسيراً قرآنياً، وعندما اعتبر الحجارة التي ألقتها الطير الأبابيل نوع من الميكروبات.... ويرى هؤلاء العلماء أن هذا وذاك وما شابهه يخالف الحقيقة القرآنية[3].

 

* الشيخ محمد ماضي أبو العزائم –رحمه الله- (1286- 1356هـ):

تبدو النزعة العلمية، أو ما يمكن أن نسميه (الإعجاز العلمي) واضحة في وقفات الشيخ أبو العزائم –رحمه الله- عند الآيات الكونية، ولقد نالت آيات خلق الإنسان، وآيات الفلك والكونيات، وآيات علوم الأرض والنباتات والحيوانات والمعادن، وعلاقة الأجرام السماوية بالكائنات الأرضية، منه إشارات عظيمة في كتابه (أسرار القرآن).

 

* الشيخ طنطاوي جوهري –رحمه الله- (1287 – 1359هـ):

كان أستاذاً بدار العلوم بمصر، اشتهر في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري بتفسيره (الجواهر في تفسير القرآن الكريم)، وكذلك بكتاب (القرآن والعلوم العصرية).

ولقد مهد لتفسير الجواهر بعدة مؤلفات ساعدت على توضيح هدفه في إبراز الجوانب العلمية للآيات الكونية في القرآن الكريم، ومن هذه المؤلفات: (جواهر العلوم)، (التاج المرصع)، و(جمال العالم).

وقد كانت هذه المؤلفات وغيرها من كتابات العلامة طنطاوي جوهري –رحمه الله-، إرهاصات لوضع تفسير كامل للقرآن الكريم يحتوي من آيات العلوم على ما يزيد على خمسين وسبع مئة آية، على حين لا تزيد آيات علم الفقه الصريحة على مئة وخمسين آية.

وكان يرنو من وراء هذا إلى حث الشباب المسلم على دراسة العلوم الكونية، وفي نفس الوقت فهم الآيات القرآنية فهماً قويماً حتى يَعُدّوا العُدة لاسترجاع، واستعادة توطين الحضارة في أرض السلام مرة أخرى بعد أن هاجرت منها.

 

* الشيخ أ. د عبد الحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر –رحمه الله- (1328 – 1397هـ):

وهو الإمام القدوة رحمه الله، الذي جمع بين علوم الشريعة والحقيقة معاً، غزير الإنتاج المطبوع والمسموع، قال –رحمه الله- في كتاب له عنوانه: (موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة): "قد يتساءل إنسان عن نوعية العلم الذي يدعو إليه الإسلام .. إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هم العلم بالطبيعة والأحياء والكيمياء والطب، وغير ذلك من العلوم المادية، وهو بالضرورة أيضاً علم الدين، من تفسير وحديث وفقه .. إن الآية الكريمة: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]،إنما وردت في معرض الحديث عن الكونيات المادية.. إن هؤلاء الذين يتصلون مثلاً بعلم التشريح من قريب أو يتخصصون فيه، يرون من الإحكام المحكم، ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسمية، وفي مفردات هذه الأجهزة، ما يضطرهم اضطراراً إلى السجود لرب هذا التنسيق والترتيب والإبداع ..

 وليس علم التشريح وحده الذي يُبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يُبهر علم الفلك العالم الفلكي، وعالم الإحياء وهو يتأمل عوالمه، ويُفاجأ كل يوم بجديد وغريب وبديع فيها ..

إن هؤلاء جميعاً وغيرهم يجدون أنفسهم لا محالة أمام صُنع الله الذي أتقن كل شيء صنعاً، فيقولون مع القرآن الكريم: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4))[سورة الملك][4].

 

* العالم الموسوعي محمد فريد وجدي –رحمه الله-  (1295 – 1373هـ):

الكاتب الإسلامي المعروف، ونلاحظ اهتمامه -رحمه الله- بهذا المجال من خلال ما علّق به على كتاب (الإسلام والطب الحديث) لصاحبه الدكتور عبد العزيز إسماعيل عند ظهوره في مجلة الأزهر التي كان يرأس تحريرها الأستاذ محمد فريد وجدي؛ إذ يقول –رحمه الله-:

"وهذا الكتاب يفتح للمتدبرين في آيات القرآن مجالاً فسيحاً لفهم آياته المشيرة إلى الكائنات الأرضية بما يسيغه العلم الحديث، ويستهوي عقول الذين يُقدّسونه، فما أجدر أن يُنشر بين طلبة الجامعات ليكون باعثاً لهم على تلاوة القرآن والاستهداء بنوره، وما أخْلقه أيضاً أن يُذاع بين طلاب العلم الديني ليُجيب إليهم، ويُثبت لهم أنه أصبح أداة لإظهار مكنونات الكتاب وإذاعة آياته وإثبات إعجازه.

 

* - وللموضوع صلة بمشيئة الله تعالى - في جزء ثان - 

 

 

* - بقلم: أ. د كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم، جامعة الأزهر الشريف، والأمين العام لجمعية الإعجاز العلمي في القُرآن والسنّة بمصر.

 


 [1]– العمر ي، د. أحمد جمال: (مفهوم الإعجاز القرآني حتى القرن السادس الهجري)، دار المعارف بمصر، ط1، سنة 1984م..

[2]– العمري، د. أحمد جمال: المرجع السابق.

[3]– محمود، د. منيع عبد الحليم: (التفسير العلمي للقرآن بين المؤيدين والمعارضين، تحقيق بمجلة  المسلمون: (1402هـ/ 1981م).

[4]– مجلة الأزهر: عدد رجب، (1397هـ/ 1977م).

 



مقالات ذات صلة