تفاصيل المقال

منهج دراسة الآيات القُرآن الكريم – (3)  بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر

منهج دراسة الآيات القُرآن الكريم – (3) بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر

 

منهج دراسة الآيات القُرآن الكريم – (3) 

بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر

 

من شواهد الإعجاز العلمي القُرآني في علوم الجغرافيا والبحار والرياح:

 

 

(1) - قول الله سبحانه وتعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) [سورة الروم: 2 - 3] .. نقول في معناه ما يلي:

التفسير: غَلبت فارس الروم في أقرب الأراضي من العرب، وهي من أطراف الشام، وتكون (أَدْنَى) بمعنى (أقرب)، وإذا كانت (أَدْنَى) بمعنى الواطي والمنخفض، والتي هي نقيض الأعلى، تكون بها إشارة علمية، حيث إنه قد ثبت من الدراسات التاريخية والجغرافية أن المعركة الحاسمة التي كانت في الشام كانت في أكثر الأماكن انخفاضاً عن سطح البحر، وهي واقعة بالقرب من البحر الميت – والمعروف عنه الانخفاض الشديد عن سطح الأرض ..

 

 

(2) - قول الله سبحانه وتعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) [سورة الطور: 6]، وفيه يصرف المفسرون الآية إلى أحداث يوم القيامة، وقالوا: البحر الملتهب، كما أنهم صرفوها إلى أحداث الدنيا، وقالوا: البحر الممتلئ بالماء .. والصواب هو أنَّ الآية عن أحداث الدنيا؛ لأن الآيات التي سبقتها كلها عن أشياء في الدنيا قبل الآخرة: فطُور سيناء – والقرآن – والبيت المعمور في السماء – وسقف السماء المرفوع، الواردة بالآيات الخمسة السابقة لتلك الآية، كلها موجودة حالياً، فإذا أخذنا بتفسير (البحر الملتهب) وذلك لمن جعل (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) بمعنى الملتهب، يكون بالآية إشارة علمية إلى حقيقة كونية لم تُعرف إلاَّ حديثاً (وهي المياه الملتهبة في قاع المحيطات)، ولم يبدأ العلماء في دراسة قاع المحيطات إلاَّ منذ عام 1920م بعد اختراع أجهزة الغطس، ولم يتمكنوا من دراسة قاع المحيطات العريقة إلاَّ في أوائل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، بعد اختراع أجهزة التصوير في أعماق البحار، ولقد وجدوا بقاع كثيرة من المحيطات العميقة عبارة عن براكين متفجرة باللهب، وإذا استبعدنا المعارف البشرية لهذه الظاهرة البحرية المتمثلة في البحار الملتهبة تصبح هذه المعلومات من مصدر غير بشري، ولا تكون إلا وَحْياً من الله سبحانه وتعالى أنزله بعلمه في القرآن الكريم .. وفي هذا دليل على إعجازه العلمي ..

 

 

وهنا نلفت النظر إلى الفارق بين آية (الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) بسورة الطور، وآية (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [سورة التكوير: 6]؛ فالآية الأولى تتحدث عن "بحر مسجور" في الوقت الحالي، وقد جاءت في سياق آيات تتحدث عن أمور موجودة في الدنيا، أما الآية الثانية فتتحدث عن حالة تقع للبحار بين يدي يوم القيامة وليست في الوقت الحالي، وقد جاءت الآية في سياق آيات تتحدث عن أحداث يوم القيامة؛ ولهذا فلا يجوز أن تفسر إحدى الآيتين الأخرى ويجري بينهما تطابق، فالأولى كما قلنا عن الأحداث التي نعيشها في دنيانا، والثانية من أحداث نهاية العالم، ويؤخذ بهذه الضابطة عند البحث عن الإشارات العلمية في الآيات القرآنية، دون التعجل في صرف آيات القرآن الكونية إلى أحداث يوم القيامة في مسألة ما إذا كان المفهوم العلمي لهذه الآيات غير معروف، وكانت الموضوعات غير معقولة بسبب الجهل العلمي بها، ونقول للمتخوفين والمتحفظين، تأمّلوا أعمال المشتغلين بدراسة الإعجاز العلمي تتعرفوا منهجهم وضوابطهم..

 

 

(3) - قول الله سبحانه وتعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [سورة النور: 40] جاء في معرض الهداية لبيان حالة الكفار الذين يعيشون في ظلمات الكفر، وكان الحديث يصف بدقة أموراً كونية لا يعرفها إلا من عاش في مناطق المحيطات العميقة .. كما تحمل الآية إشارات علمية لحقائق كونية كانت مجهولة للعلماء إلى وقت قريب؛ فالموجات المائية تحت سطح البحر، والموجات التي يعلو بعضها البعض لم تكن معروفة لأحد ولم تُكتشف إلا قريباً، وكان المعروف فقط للناس جميعاً هو الموجات المائية السطحية ..

 

 

أما اجتماع الظواهر الكونية الثلاثة، وهي: الموجات المركّبة تحت سطح البحار، والسحب الكثيفة التي تحجب بشدة ضوء الشمس، والظلمة المتناهية تحت سطح البحر، والتي تحول دون رؤية الإنسان ليده، فإنه لا يتحقق إلا في مناطق المحيطات ذات الأعماق، وهي واقعة فعلاً بهذه الصورة الدقيقة التي وصفها القرآن الكريم..

 وحيث أن ذلك كله لم يكن معلوماً لأحد من عامة الناس، أو من العلماء إلى عهد قريب، فإن المعطيات العلمية للقرآن الكريم في هذا الموضوع يكون مصدرها الوحي الإلهي، وهذا يبين ويؤكد الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وأنه من عند الله الخالق العليم .. أليس في ذلك دليل يُقنع المنكرين للإعجاز العلمي ..

 

 

(4)  - قول الله سبحانه وتعالى:( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) [سورة الرحمن: 19 - 20]، يقول فيه المفسرون: أرسل الله سبحانه وتعالى البحر المالح والعذب متجاوران، ويلتقيان ولا يمتزجان بسبب حاجز بينهما من صنع الله سبحانه وتعالى ..

 

 

وقد تم اكتشاف الحواجز بين البحار المالحة عند الالتقاء، وكذلك عند منطقة التقاء البحر المالحة مع مياه الأنهار العذبة، وأصبحت تلك الحواجز حقيقة علمية جرى تحديدها وتصويرها ومعرفة طبيعتها، وتبيّن أنها عبارة عن حاجز مائي يتكون من اختلاط ماء البحرين عند الالتقاء، وهو الحافز الذي يقوم بمنع امتزاج ماء البحرين، سواء كان بحراً مالحاً يلتقي مع بحر مالح، أم كان بحراً عذباً يلتقي مع بحر مالح ..

 

أليس ذلك من عجائب الإعجاز العلمي للقرآن الكريم .. وماذا يقول المنكرون للإعجاز العلمي عن هذا الدليل وغيره من الأدلة التي سبق ذكرها ؟! ونقول للمتخوّفين: أليس في منهاج دراسة العلماء للإعجاز العلمي وما يقدمونه من دراسات: ما يطمئنكم ويقنعكم بأنهم يضيفون الجديد في فهم الآيات القرآنية ؟..

 

 

(5) - يقول الله سبحانه وتعالى:(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) [سورة الحجر: 22]، فيه إشارة علمية إلى تدخُّل الرياح في تلقيح الزروع، وذلك يكون بنقل حبوب اللقاح إلى الأعضاء المؤنثة في الأزهار، ولم يفطن أحد من المفسرين إلى دور الرياح في تلقيح السحب لإنزال المطر كما لم يعرف ذلك على وجه الحقيقة العلمية إلا حديثاً ..

 

 

وقد اكتشف العلماء دور الرياح في تلقيح السحب بأنوية التكاثر من الغبار أو الملح أو قطرات ماء البحار، والجمع بين السحاب وكهربائيته السالبة وكهربائيته الموجبة، فيما يشبه التلقيح، وكل ذلك يترتب عليه سقوط المطر .. ولهذا فتقليح السحب هو الأقرب إلى فهم المقصود في قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ)، وليس تلقيح الزروع كما كان يظن المفسرون القدامى، والسياق في النص يؤكده ذلك المعنى، فالتلقيح هنا يتبعه نزول المطر من السماء، أي أن التلقيح هنا للسحب وليس للأزهار والأشجار، كما أن تاء السببية في كلمة (فَأَنزَلْنَا) دليل آخر على ذلك المعنى ..

 

 

وهنا نتساءل: لماذا غفل العلماء والمفسرون عن هذا المعنى مع أنه يحتاج فقط إلى المعرفة اللغوية وإلى حكمة السياق في النص، وهما المفتاح الذي يفهم به المعنى الصحيح للنص القرآني، وبه يسهل إدراك تلك الإشارة والحقيقة العلمية بالآية القرآنية، والتي لم يكتشفها علماء الكونيات إلاَّ في أوائل القرن العشرين الميلادي وكان الأحرى بالمفسرين القدامى أن يفطنوا إلى ذلك، ولكن ترددهم في توسيع المنظور العلمي لفهم وتفسير آيات القرآن الكريم أضاع عليهم فرصاً كثيرة وجعلهم بموقفهم هذا يحجبون عن علماء زمانهم تلك المفاهيم العلمية، وهذه الإشارات الكونية .. لذلك نطالب بالانتهاء عن هذا التردد، وندعو المفسرين المعاصرين إلى أن يتنبهوا لهذه السلبيات، وأن يقبلوا على فهم وتفسير الآيات القرآن الكونية، بأسلوب متجدد وبفكر أكثر إطلالاً على المعارف الكونية، ونضع ذلك أمانة في أعناقهم ونحملّهم المسؤولية عن أي تقصير في دراسة الإعجاز العلمي بسبب المواقف السلبية منه .. ونقول لهم غوصوا بفهم عقلاني في أوجه الإعجاز البياني، وقدموا لعلماء الكونيات الجديد من المفاهيم والمعاني للآيات الكونية بالقرآن الكريم، حتى يقوموا بدورهم في الدراسة والبحث والاكتشاف، أو يقوموا بنقل المعارف والحقائق العلمية – التي يكتشفها العلماء من بحوثهم في الكون وسنن الفطرة – إلى مجال التفسير من أجل توضيح الآيات الكونية بالقرآن ..

 

* - بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر- أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القُرآن والسنة بالقاهرة ..



مقالات ذات صلة