تفاصيل المقال

ترجمة معاني القرآن الكريم .. والتحديات المعاصرة - (1 - 4) ..  بقلم: البروفيسور الطبيب، د. نديم عطا إلياس

ترجمة معاني القرآن الكريم .. والتحديات المعاصرة - (1 - 4) .. بقلم: البروفيسور الطبيب، د. نديم عطا إلياس

إن الابتلاء سنة من سنن اللَّه التي خلت في عباده الصالحين، وفي أمم الأولين والآخرين، وفي سائر الأنبياء والمرسلين. ولو كان الابتلاء شراً محضاً وسوءاً خالصاً لما كتبه اللَّه على أوليائه وأحبائه ممن شرَّف واصطفى. ففي الابتلاء تمحيص واختبار، وتصفية وتمييز، وتقوية وتثبيت ..

وفيه استخراج لما كمن من طاقات وما احتجب من حُجج وبينات، ما كان لكثير منها أن ينطلق ويظهر لولا تحدي الباطل للحق والظلم للعدل: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186]. وإن كان الابتلاء في الأموال والأنفس شديد الوطء عظيم الإيلام، فإن الإيذاء بالقول والافتراء باللسان لا يقل وطئاً وإيلاماً ..

سلاح اللسان موجه ضد كل دعوة

 

كانت دعوة نبي الله نوح عليه السلام قومه لخير الدنيا والآخرة: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا *وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا*)[ نوح: 10 - 12]، وقد رد عليه قومه، بقولهم:

* (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)[هود: 27]

* (قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الأعراف: 60]

* (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر: 9]، وما تركوا غِيّهم وإيذاءهم وهم يرون هلاك اللَّه مُحدقاً بهم (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ*) [هود: 38 - 39].

 

وهذا هود يرد عليه قومه: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [الأعراف: 66]، (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءَالِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ..) [هود : 53 - 54].

وصالح يرد عليه قومه: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) [الشعراء: 153].

وفرعون يُعلّم قومه: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: 27].

وهذا سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء والمرسلين:

* (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً) [الفرقان: 41]. 

* (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) [سورة ص: 4].

* (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً *) [الفرقان: 4 - 5].

معركة ما انقطعت جولاتها منذ ابتعاث النبيين بالحق ومنذ استكبار الباطل عليهم. معركة كانت الغلبة فيها دوماً للحق (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47]، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18]. معركة كان سلاح المؤمنين فيها الحُجّة والبيان والمنطق والفهم، وما أقواها من أسلحة أمام الادعاءات والمفتريات والأقاويل والأباطيل.

 

وهكذا كان توجيه اللَّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يُواجه قومه بكتابه الذي صرّفه وبيّنه ليتذكر الناس، وليجاهد به الدعاة في هذه المعركة الفكرية : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: 50 - 52]. فكان القرآن الرد المستمر الداحض لافتراءات المشركين المتكررة: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: 33].

 وكان القرآن هو العُدة الروحية التي كانت تمد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالثبات واليقين والسكينة في المعركة المفعمة بالسباب والكذب والافتراء، وفي مواجهة المعرضين المكذبين: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً*)[الفرقان: 30 - 32].

 

البيان بكل لغة ولسان

وإن بلغ البيان ذروة الكمال كما هو في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وإن وصلت الحجة والمنطق إلى ما لا يمكن رده عقلاً وعدلاً، إلا أن الاهتداء والتسليم يتعذران إذا سُكّرت الأبصار، وغُلّقت القلوب، واستكبرت النفوس عن قبول الحق: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ..) [آل عمران: 7].

 وهذا الموقف الرافض لا يرفع مسؤولية الدعاة في التبليغ والبيان، بل يُضاعف واجبهم تجاه كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ لنشره وتفسيره وتنزيل أحكامه على الواقع والرد به على الأقاويل والأباطيل.

 

وهذه المهمة وإن شَقّت على البعض إلا أنها أساس من أسس الدعوة إلى اللَّه التي شرّف بها هذه الأمة. وهي واجب بديهي يقوم به كل صاحب قضية وهدف. وقد بلغ عدد اللغات التي ترجم إليها العهد الجديد من الإنجيل (1012) لغة، وتُرجم العهد القديم إلى (392) لغة ، وبلغت عدد الترجمات الجزئية للإنجيل في مطلع العام 2002م (2287) لغة، كان نصيب إفريقيا منها (641) ترجمة [1]. فما أحرى حملة القرآن الكريم وأتباع خاتم النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام بالقيام بواجب الشهادة على الأمم وتبليغ رسالة اللَّه عزَّ وجلَّ.

ولعل الحقيقة التاريخية أن أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية إنما تمت تحت رعاية الأسقف المعروف بـــ "بطرس المكرم" قبل حوالي ثمانمائة وسبع وسبعين عاماً –تقريباً-، وأن أول ترجمة منها للغة الألمانية قام بها "مارتن لوثر" مؤسس المذهب البروتستانتي، والمعروف بحقده العميق على الإسلامن وعدائه المتأصل، وأن هؤلاء جانبوا جميع قواعد الأمانة العلمية والنزاهة في ترجماتهم إساءة وتشويهاً، لعلّ هذه الحقيقة التاريخية تُوضح لنا أهمية ترجمة معاني القرآن ترجمة أمينة للاستفادة منها في مجال الدعوة الحوار [2].

 

صور من التشويه والتضليل

أخذ مسلسل التشويه والافتراء الذي بدأ في عهد النُّبوة صُوراً مُتعددة ومرّ بأطوار مختلفة. حاولت الكنيسة في أوروبا في عصورها الوسطى توثيق صلة أتباعها بها من خلال تشويه صورة الإسلام، وربطه بالأساطير والوثنية الشرقية والافتراء على المسلمين بالوحشية وأكل لحم البشر، وعبادة صنم في الكعبة اسمه اللَّه، وعبادة (نيزك) نزل من السماء اسمه الكعبة. وساعد على قبول هذه الأباطيل عدم توفّر وسائل المعرفة والمواصلات، وافتقاد المنهج العلمي في تربية المثقفين، ناهيك عن العوام.

ومع ازدياد احتكاك الغرب بالشعوب الإسلامية اتخذ المنهج طوراً علمياً ظاهراً تحت اسم  "مدارس الاستشراق الأولى" التي اعتمدت على ترجمات أكثر دقة، ولكنها صاغت سمومها صياغة علمية تلتبس على العامة والخاصة، بل وعلى كثير من المسلمين الذين لا يُدركون الأبعاد والأهداف الكامنة تحت " كلمات حق يراد بها باطل".

ولا تزال صُور متعددة من هذا المنهج قائمة إلى يومنا هذا. مثال ذلك ما كتبه المستشرق الفرنسي "كلود اتيان سافاري" في مقدمة ترجمته لمعاني القرآن؛ إذ يقول: "أسَّس محمد ديانة عالمية تقوم على عقيدة بسيطة لا تتضمن إلا ما يُقره العقل من إيمان بالإله الواحد، الذي يُكافئ على الفضيلة، ويُعاقب على الرذيلة. فالغربي وإن لم يعترف بنبوته، لا يستطيع إلا أن يعُدَّه من أعظم الرجال الذين ظهروا في التاريخ" [3]، ومثل قول المستشرق الإنجليزي  "جب"  في كتابه:  "المذهب المحمدي"؛ فيقول: (إن محمداً ككل شخصية مُبدعة قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة، ثم هو من جهة أخرى قد شق طريقاً جديداً بين الأفكار والعقائد السائدة في زمانه، والدائرة في المكان الذي نشأ فيه .. وبتعبير إنساني: إن محمداً نجح؛ لأنه كان واحداً من المكيين).[4].

إلا أنَّ كثيراً من أقوال المستشرقين كانت واضحة في عدائها، وتجنيها على الإسلام دون سند علمي، مثل قول المستشرق الألماني  "هوبرت جريمي" في كتابه  "محمد": "لم يكن محمد في بادئ الأمر يُبشر بدين جديد، بل إنما كان يدعو إلى نوع من الاشتراكية .. وهو إنما يستخدم فكرة الحساب في اليوم الآخر وسيلة للضغط المعنوي ولتأييد دعوته".[5]، ومثل ادعاء "غولدتسيهر": (فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجاً من معارف وآراء دينية عرفها بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية)[6].

 بل يصل المفكر الفرنسي "غوستاف لوبون" إلى وصفه بالصرع ثم يقول: (ويجب عدُّ محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كأكبر مؤسسي الديانات .. وإنما أولو الهوس هم الذين أقاموا الأديان وهدموا الدول وأثاروا الجموع وقادوا البشر).[7].

 

لقد ترك هذا الفكر الاستشراقي آثاراً عميقة في ثقافة الغرب، وأثر تأثيراً مُباشراً في مواقفه من الإسلام إلى يومنا هذا. يدل على ذلك امتلاء الكتب المدرسية المعاصرة في أوروبا بتشويه لا يُصدقه العقل للإسلام عقيدة وتاريخاً وسلوكاً. ومن أمثلة ما امتلأت به الكتب المدرسية الألمانية: (أن النبي محمداً هو الذي قام بكتابة القرآن باللغة العربية).[8].

وفي كتاب آخر: (كان كثيراً ما يذهب ليلاً إلى مغارة بالقرب من مكة للعبادة، وذات مرة اعتقد أنه يرى الملاك جبريل، الذي اختاره نبياً).[9].  

ويُصور كتاب آخر رسالة الإسلام ودعوته كمناورة سياسية بارعة فشلت في نهاية المطاف: (لقد كان محمد يطمع في إيمان اليهود من سكان المدينة، وادّعى أن الوحي الذي نزل عليه هو من نوع توراة اليهود وإنجيل النصارى. وكانت خيبة أمله كبيرة إذ رفضه اليهود. فاضطر محمد عندئذ إلى إعادة النظر في تفكيره، فادّعى أن وحيه هو الوحي الحق الوحيد، وأن وحي اليهود والنصارى مُزور).[10].

 وتُؤكد بعض الكتب أن الإسلام حركة سياسية محضة، دوافعها التوسع والغلبة، وتهديد اليهود والنصارى: (منذ البداية لم يعد الإسلام مجرد دين، وإنما أيضاً سلطة دينية).[11]. وفي كتاب آخر: (لقد تطور أكثر فأكثر .. فمن نبي إلى قائد، ثم رجل دولة).[12].

 وفي موضع آخر: (لاحق محمد بعض اليهود والنصارى الذين رفضوا اتباعه مُلاحقة دموية. ولكي يصل إلى السلطة والنفوذ هاجم مع أتباعه قوافل المكيين، ووعد الجنود الذين يسقطون في الحرب المقدسة بنعيم الجنة، وهكذا تحول ذلك الذي كان نبياً في مكة إلى رجل دولة وقائد عسكري بالمدينة).[13].

وتصف بعض الكتب الإسلام إلى يومنا هذا بالتوسعية والعدوانية: (إن المجتمع الإسلامي مُلزم بشن الحرب المقدسة. فإذا دعت الضرورة لاستخدام السلاح، جاز ذلك للاستيلاء على العالم كله من أجل الإسلام). [14].

وفي كتاب آخر: (حتى فريضة الحرب المقدسة، فما من شيء تُريده غير إقامة سُلطة اللَّه الشاملة في العالم كله). [15].

 

وجوب البيان من خلال المصادر الأساسية ..

إن أفكار المجتمع الغربي المعاصر بجميع شرائحه من كُتَّاب وصحفيين وعلماء ومُدرسين وقادة وسياسيين إنما هي حصيلة لمناهج تربوية وثقافية عمدت منذ عشرات السنين إلى تأصيل جذور الخلاف والصدام مع الأديان والثقافات والحضارات الأخرى، وذلك إما من خلال إغفالها للحضارات الأخرى وعدم التعريف بها، مما خلف نقصاً تكوينياً يتعذر مع وجوده التبادل الحضاري والحوار الثقافي والتعاون اللازم لضمان السلام العالمي والتطور البشري؛ وإما من خلال تشويه صورة الأديان الأخرى والتحامل على الحضارات المغايرة مما يهيئ النفوس لرفضها، ويسهل على المتطرفين الاعتداء عليها ومقاومتها.

 

ولقد حدد الإسلام موقفه من الأديان والحضارات الأخرى ووضحه توضيحاً لا يقبل لَبْساً أو ريباً - كما سيأتي تفصيله - وذلك منذ أيامه الأولى، وفي مصدره الأساس، مما جمع لهذا الموقف ميزة المبادرة الزمنية، والوضوح البياني، والإلزام الأصولي، والتشريف الأدبي من خلال كلام اللَّه عزَّ وجلَّ.

ولم تصل النصرانية إلى تحديد موقفها من الإسلام إلا بشكل متردد جزئي يفتقر إلى كثير من الوضوح. وقد صدر أول نص من الكنيسة الكاثوليكية الرومية عام 1964م ضمن قرارات مجمع الفاتيكان بالنص الآتي :

( إن خلاص اللَّه يبلغ - كما يبلغ اليهود - أولئك الذين يؤمنون بالخالق - وعلى الخصوص المسلمين من بينهم - الذين يؤمنون بعقيدة إبراهيم ويعبدون مثلنا اللَّه الرحمن الذي سيفصل بين الناس في اليوم الآخر) .. ( تنظر الكنيسة أيضاً باحترام إلى المسلمين الذين يعبدون اللَّه الواحد الحي القيوم الرحيم القدير خالق السموات والأرض الذي كلم الناس. وهم يسعون للاستسلام بكل قلوبهم لمشيئته الحكيمة الخفية كما استسلم إبراهيم لربه، وإبراهيم الذي تتخذه العقيدة الإسلامية مرجعاً لها عن رضا، وعيسى الذي لا يؤمنون به كإله إلا أنهم يُكرمونه كنبيّ، وهم يُكرمون أمه العذراء مريم التي كثيراً ما ينادونها في ورع. وفوق هذا فهم يُؤمنون بيوم القيامة الذي يبعث اللَّه فيه الناس جميعاً ويفصل بينهم. لذلك فهم يسعون إلى مكارم الأخلاق، ويُمجدون اللَّه بالعبادة والصدقات والصيام). [16].

 

ولم تصدر الكنيسة البروتستانتية وثيقة عامة مُماثلة، وقد يرجع ذلك لعدم وجود مرجعية عقدية عالمية لديها كتلك المتمثلة في الفاتيكان. إلا أن الكنيسة البروتستانتية الألمانية عبرت عن موقف مماثل من المسلمين في عدد من إصداراتها ابتداء من عام 1988م، وأكدت ذلك في إطار رسمي بعنوان (التعايش مع المسلمين -من أجل تلاق نصراني إسلامي-) ورد فيه: (مثل ما نؤمن نحن باللَّه، فإن المسلمين يؤمنون أنه لا إله إلا اللَّه الواحد الأحد الحق، وهو اللَّه الذي يدعوه النصارى العرب بنفس هذا الاسم .. ونحن نلتقي في الإسلام - كما نلتقي في أديان أخرى- بأناس هم في حوزة اللَّه). [17].

ويعالج هذا الإصدار ما أغفله الفاتيكان في إصداراته إلى تاريخنا هذا: (إننا نعلم أننا نحن النصارى نحمل على عاتقنا ذنباً تحمَّلْناه منذ الحروب الصليبية، ونأمل ألاَّ يُشَكِّل هذا الذنب حاجزاً لا يتخطى، ونطمع في مغفرة اللَّه التي تشمل الناس كافة، والتي يستمد منها البشر حياتهم).[18].

 

والجدير بالذكر أن البابا يوحنا بولس الثاني لم يذكر الحروب الصليبية، أكبر جريمة قامت بها الكنيسة في تاريخها، ولم يطلب العفو من المسلمين في رسالته (إقرار بذنبي). التي طلب فيها باسم الكنيسة العفو ممن أساءت إليهم الكنيسة في تاريخها). [19].

لم تصل الكنيستان إلى مستوى الاستعداد لإبراز موقفهما الرسمي من الإسلام إلا بعد ثلاثة عشر قرناً من ظهوره. وهذا الموقف الذي عَدَّته النصرانية موقفاً جريئاً وخطوة تاريخية يعج بالنقص والغموض، وتجنب النقاط المحورية التي تحتاج إلى تحديد الموقف بصددها.

فيتجاهل "مجمع الفاتيكان" أن نقطة الخلاف المحورية هي نبوة محمد، فلا يذكره بكلمة واحدة، كما لا يذكر القرآن كذلك. و "المجمع" لا يستثني المسلمين من (خلاص الرب)، وهذا نص نصراني مُرتبط لديهم بتخليص عيسى عليه السلام للبشرية. ويتحدث النص عن معتقدات المسلمين التي لا تخلو من (نور من الحق)، ويُمكن أن يفهم ذلك على نحو عدم خُلوها من جوانب الحق بمقياس النصارى، وبينما تُوصف العقيدة الإسلامية بأنها هي من نور الحق.

ويتحدث النص عن: "التوسل بمريم العذراء، وكأنه من معتقدات المسلمين وعباداتهم" .. ويتحدث "المجمع" عن: "المسلمين أنهم أولئك الذين لم يتقبلوا بعد رسالة يسوع، وتُنظم العلاقة بهم على مستوى الاحترام بناء على ما سبق".. وأي احترام هذا الذي يتجاهل رسول هذا الدين والقرآن الذي أوحاه اللَّه إليه ، والذي يشتمل على تعاليم هذا الدين وشرائعه ، وأهم خصائص عقيدته؟ ..

أما مواقف "الكنيسة البروتستانتية" فهي مواقف وَصْفِيّة، تكتفي بذكر ما يعتقده المسلمون، وما يمارسونه دون تقويم لها أو تحديد موقف منها، وبشكل خاص دون تحديد موقف من النُّبوة والكتاب.

وتخطو الكنيسة البروتستانتية خُطوة مُترددة تُقر فيها أن المسلمين يؤمنون مثلهم باللَّه عزَّ وجلَّ، ولكنها تزج في هذا المجال بصفة (الرب الثالوث) الذي يؤمنون به. وحتى موقفهم بأن إلهنا وإلههم واحد لا يجد إجماعاً لدى جميع فرق الكنيسة البروتستانتية.

* - وللبحث صلة بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم: الأستاذ الدكتور الطبيب، والمفكر الإسلامي نديم عطا إلياس، حفظه الله، مُدير "الوقف الإسلامي" بألمانيا، ومُترجم "تفسير معاني القُرآن الكريم باللغة الألمانية" ..

المصدر: مجلة الرائد الإسلامية – ألمانيا.

_____________

[1] - تقرير الاتحاد العالمي لجمعيات الإنجيل، الصادر في شباط/فبراير 2002م عن صحيفة Ruhrwort في 16/2/2001م.

[2] - د. مراد هوفمان: البحث المقدم في  "ندوة ترجمة معاني القرآن" في المدينة المنورة: (23-25/4/2002م).

[3] –Claude Etienne Savary: Le Coran, Paris 1783

[4] – Gibb: Mohamedanism

[5] – Hubert Grimme: Mohamed 1892 

[6] – العقيدة  والشريعة في الإسلام .Goldzieher

[7] – حضارة العرب G. Le Bon .

[8] –  9 Religion in der Hauptschule

[9] - Zeit der Freude, Grundstufe

[10] – 5/6 Zielfelder

[11] – المصدر السابق.

[12] – Impulse zur Verantwortung.

[13] – Zeit der Freude

[14] – 8/7 Zielfelder.

[15] – 9 Religion am Gymnasim .

[16] – قرارات مجمع الفاتيكان الصادرة في 21/11/1964م .

[17] –Zusammenleben mit Muslimen Deutschland, EKD, Juli 2000

[18] – المصدر السابق.

[19]-Mea Culpa ” 13/3/2000م .

 

 

 



مقالات ذات صلة