تفاصيل المقال

ترجمة معاني القُرآن والتحديات المعاصــرة –  (2 - 4) ..  بقلم: البروفيسور الطبيب د. نديم عطا إلياس

ترجمة معاني القُرآن والتحديات المعاصــرة – (2 - 4) .. بقلم: البروفيسور الطبيب د. نديم عطا إلياس

إظهار الموقف الإسلامي من خلال ترجمة معاني القرآن الكريم

إن مقارنة المواقف المذكورة للكنيستين من الإسلام بالموقف الواضح الصريح الشامل الذي ورد في القرآن الكريم، يُؤكد ضرورة ترجمة معاني القرآن وإبرازها بكل اعتزاز وفخر في محافل الحوار الحضاري والديني ..

إن ترجمة معاني القرآن الكريم كفيلة بإظهار الصورة المقابلة التي نزل بها الوحي قبل أربعة عشر قرناً، والتي تُحدد بوضوح لا يقبل تأويلاً وحدة البشرية في عبوديتها لرب واحد: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً ..) [النساء: 1].

* - والتي تقرر وحدة الإله، آمرة المسلمين بمخاطبة أهل الكتاب: (.. وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46].

* - والتي تُقرر إيمان المسلمين بما أنزل إلى أهل الكتاب: (.. وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ..) [العنكبوت: 46].

 

* - والتي تقرر إيمان المسلمين بالأنبياء الذين أرسلوا إليهم: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ  *وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ  *وَمِنْ ءَابَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) [الأنعام: 83-90].

* - والتي تُقرر العدل والقسط والبر في مُعاملة المشركين فضلاً عن أهل الكتاب: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8].

* - والتي تنهى عن سب معبودات المشركين: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 108].

 

* - والتي تأمر بحسن جدال أهل الكتاب: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46].

* - بل والتي تبُيح معاشرتهم ومؤاكلتهم ومصاهرتهم: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة: 5].

وإن ترجمة معاني القرآن الكريم لكفيلة بإظهار الأُسس المتأصلة في الإسلام واللازمة لكل حوار حضاري في كل زمان ومكان، والتي لم يصل إلى مستواها كثير من المجتمعات في عصرنا هذا، هذا الحوار الذي ينطلق من وضوح الموقف دون مُساومة ولا مُداهنة، ومن إيجابية التعامل بالإضافة إلى الصراحة والوضوح في نقد الموقف الآخر بكل موضوعية وعدل ..

 

* - فهو يؤكد مع إقراره لهم بأصل الإيمان، وأن إلهنا وإلههم واحد، بأنهم كفروا في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73].

ومع تأكيد إيمان المسلمين بنُبوة عيسى عليه السلام، فهو يُؤكد اختلال إيمان النَّصارى بِنَبِيِّهم: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: 72].

* - ومع تقرير إيماننا بما أنزل اللَّه من كتاب عليهم، فهو يُقرر تحريفهم لما أُنزل إليهم، فيقول جلّ شأنه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79].

* - ويُقرر عدم إتباعهم لما جاء في كتبهم من الحق، فيقول سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة: 65 - 66].

 

وإن ترجمة معاني القرآن الكريم لكفيلة بتوضيح الأساس الثالث للحوار - بعد تحديد المنطلقات الذاتية (أساساً أول)، والنقد الموضوعي للموقف الآخر (أساساً ثانياً) - فالأساس الثالث هو: إيجابية الموقف والمُسالمة التي تقرر أن الخلاف الفكري والعقدي لا ينبغي أن يدعو بالضرورة إلى صراع وعنف وحرب: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64].

 

تحريف الكلم عن مواضعه

إن قيام المسلمين بواجب الدعوة، وقيامهم بترجمة أمينة لمعاني القرآن الكريم، وتوضيح الموقف الإسلامي من قضايا العصر الشائكة، لا يعني بالضرورة انتهاء جولات الحوار بقبول الطرف الآخر لهذه الحجج والبينات.

ولو كان الأمر كذلك لتحول جدال مشركي العرب من العداء والتشويه إلى المودة والاحترام: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس: 101]. إلاَّ أن فريقاً من الناس سينتفع لا شك بالذكر والبيان، وسترتفع عن المسلمين لائمة التقصير في حق اللَّه وحق الدعوة.

وسيبقى لدى كثير من الناس تطلع لزيادة التوضيح وتكرار البيان، وسيبقى لدى سواهم استكبار في النفس واستعلاء على الحق مع تيقن نفوسهم وانبهارها بصدق الحق: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ *وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل: 13- 14].

 

تحديات العصر

تحولت معركة اليوم بين الأديان والنُّظم إلى ساحة يُواجه المسلمون فيها تحديات عديدة. وكُلَّما ظهرت أزمة عالمية أو نشبت حرب طاحنة، اشتعل أوار المعركة الفكرية المُوَجَّهة ضد الإسلام والمسلمين، وتكررت الافتراءات المُوَجَّهَة إليهم. وكثيراً ما يُستغل كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ من قبل أعدائه بصور شتى:

       1 -  منها: الاقتباس الجزئي المخل للصورة الشاملة.

       2 – ومنها: نزع آيات من سياقها، أو ذكر جُزء من آية وترك بقيتها.

       3 – ومنها: ترجمة بعض الكلمات ترجمة مُخِلَّة مُغْرِضة.

       4 – ومنها: استنتاج حُكم عام من آيات مُخَصِصَة الحكم.

       5 – ومنها: تجاهل أسباب النزول والناسخ والمنسوخ .

 

.. وغير ذلك من الأساليب التي ترنو إلى إدانة القُرآن العظيم؛ وقد تُوضح الأمثلة المعاصرة الآتية بعض جوانب هذا التحدي المُستميت وأساليبه ووسائله:

1 - في نشرة صادرة عن حزب " الوسط النصراني " [1] في ألمانيا تحت عنوان:  " ماذا يريد الإسلام؟ " [2] يستدل الحزب من القرآن على أن هدف المسلمين هو الاستيلاء على العالم وقهره، بقولهم: "حاربوهم حتى ينتشر دين اللَّه في كل مكان"، مُدّعِياً أنّ هذا هو معنى [الآية (39): من سورة الأنفال]؛ بينما نص الآية الكريمة: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، والسياق بكامله: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ *وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال: 39 - 40].

فليس الأمر بمحاربة النَّاس جميعاً من أجل نشر الإسلام في كل مكان كما يدّعي هؤلاء المغرضون!؛ بل  الأمر - كما يتَّضح من الآيات - بمحاربة الذين كفروا ولم ينتهوا عن عدائهم للمسلمين، وذلك لكي يَكُفُّوا عداءهم وفتنتهم للمسلمين في دينهم وأمنهم. ويرتبط السياق بأمر اللَّه عزَّ وجلَّ بالكَفِّ عنهم إن انتهوا عن فتنتهم للمسلمين، وبوعدهم بمغفرة اللَّه لهم عما سلف إن دخلوا في الإسلام، وكفُّوا فتنتهم، وانتهوا عن غيهم ..

 

2 -  تسوق النشرة: دليلاً آخر على وجوب قتال النَّاس جميعاً يُنسب إلى القرآن بزعمهم: "أمسكوا بهم واقتلوهم في أي مكان تجدونهم فيه"، مُدَّعية أن هذا هو معنى [الآية (91): من سورة النساء]؛ ونص الآية الكريمة: (سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) [النساء: 91]. والآية الكريم تتحدث عن قوم منافقين يتواطؤون مع المشركين على حرب المسلمين، فأذن اللَّه في أَسْرهم، أو قتلهم إذا لم يكفوا بأسهم عن المسلمين، وإذا لم ينتهوا عن قتالهم ..

 

3 - وتُظهر النَّشرة: هدفها واضحاً بسؤال يُوجه للعامة: "هل تقبلون بأَسْلَمة ألمانيا؟" .. مُخوِّفة إياهم بادَّعائها أنَّ عدد المساجد في ألمانيا ازداد من (ثلاثة مساجد) عام 1970م إلى (2200 مسجد) عام 1997م، وأنه يُفتح مسجد جديد كل أسبوع في ألمانيا، وهذه أرقام مغلوطة أصلاً وتفصيلاً.

فقد كان عدد المساجد في ألمانيا عام 1970م حوالي (500 مسجد)، وعدد المساجد عام 1977م كان (1200مسجد)؛ نظراً لقدوم مئات الألوف من العمال الأتراك. ولو صَحَّ ادعاؤهم أنه يُفتح مسجد كل أسبوع، لبلغ عدد المساجد الآن (2500 مسجداً)، بينما عدد المساجد الآن (لا يتجاوز الألفين مسجد) وهو عدد مُستقر منذ سنوات! ... 

 

* - وتدَّعي النشرة: ضمن مُسلسل التخويف والرعب: أن "المجلس الإسلامي العالمي" اتخذ قراراً بالقضاء على جميع النصارى في الدول الإسلامية حتى عام 2000م. فهل سمع أحد بهذا  "المجلس الإسلامي العالمي"، أو بهذا القرار؟! وها نحن في عام 2019م فهل رأى أحد حملة حرق للنصارى في العالم الإسلامي كما شهد العالم محارق اليهود على يد النازيين من قبل؟!، أو كما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس من قتل وحرق للمسلمين واليهود؟، وكما صنعت حملة التطهير العرقي في البوسنة والهرسك وصربيا؟! ..

 

4 -  تستدل نشرة أخرى صدرت عام 1999م:  أن القرآن يفرض على المسلمين إدخال النصارى قهراً في الإسلام، أو قتلهم إذا رفضوا، وذلك اعتماداً على ما ادُّعي أنه معنى [الآية (28) من سورة الأحزاب]: "جعلكم اللَّه ورثة للذين كفروا، لكم حقولهم وبيوتهم وكل ما بأيديهم، وكل أرض تصلون إليها"، ونص الآية الكريمة مع سياقها، وتصحيح الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء المُغرضون: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا *وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) [الأحزاب: 25 - 27]، فهي ليست (الآية 28)، وإنما هي [(الآية 27) من سورة الأحزاب]، وهي لا تتعلق بالذين كفروا كما تدعي النَّشرة المغرضة، وإنما بأهل الكتاب. وهي ليست عامة في توريث المسلمين أموال أهل الكتاب وأراضيهم، وإنَّما هي خاصة (ببني قُريظة) الذين خانوا العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين وغدروا بهم مُتحالفين مع الأحزاب من مُشركي قريش ومن حالفهم.

 

5 -  تعمد ترجمات القرآن الكريم المُعَدّة من قِبل  بعض غير المسلمين إلى استخدام أسماء للشخصيات الواردة في القرآن الكريم مُشتقة من ألفاظ التوراة والإنجيل. فتستخدم لاسم " قارون " الوارد في قوله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ..) [القصص: 76]، وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ *إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) [غافر: 23 -24 ]، تستخدم هنا اسم الشخصية التوراتية " Korach "، ثمَّ تدَّعي بعد ذلك خطأ القرآن! ، عِلماً بأنَّ " قُورح " هذا لم يُعاصر نبي الله موسى عليه السلام، فيستدلون بذلك على خطأ القرآن الكريم، رغم أنّ الخطأ في كتابهم المقدّس الذي حرّفوه، فحدث التناقض والاضطراب بسبب ذلك، وبعض مُؤرخيهم ومفكريهم العقلاء هو من اكتشف ذلك ..

كما تستخدم بعض الترجمات اسم " عُزير " الوارد في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ...) [التوبة: 30]، تستخدم اسم  " Esra "، ثُم تُدعي بعد ذلك أن اليهود لم يدَّعوا أن " عزرا " ابن اللَّه، تكذيباً للقُرآن العظيم ..

ويقول المستشرق " بارت " في كتابه " مرادفات القرآن ": "رُبَّما سمع محمد -صلى الله عليه وسلم-  ببعض الفرق اليهودية أو النصرانية القريبة من اليهودية التي تدّعي أن " عزرا " رُفع إلى السماء، فاختلط الأمر على محمد –صلى الله عليه وسلم- ، فظن أنهم يدعون له البنوة" [3].

 

6 - مواضع الدَّس المتعلقة بموضوع المرأة في الإسلام لا تُعَدُّ ولا تُحصى في ترجمات غير المسلمين لمعاني القرآن الكريم؛ ومثال ذلك: ترجمة معنى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ..) [النساء: 34] يُعطي صورة عن طريقة استغلال الترجمات لتشويه صورة الإسلام والنَّيل من شريعته، فَيُترجمها المستشرق " بارت " بقوله: "الرجال في مستوى أعلى من النساء؛ لأن اللَّه فضلهم بطبيعتهم .."[4].. وُيترجمها " ماكس هننغ "، بقوله: "الرجال غالبون للنساء .. " [5].

وُيترجمها "الخوري"، بقوله: "للرجال السلطة المطلقة والمسؤولية على النساء.."[6]. بينما قام " د. مراد هوفمان " بتصحيح تعبير " ترجمة هننغ " في مُراجعته لهذه الترجمة، بقوله: "الرجال يحملون مسؤولية النساء .." [7].

ويُترجمها " أحمد فون دينفر " ، بقوله: "الرجال قائمون بأمر النساء ..". [8]. وتستغل الجهات المُغرضة (ترجمات غير المسلمين) لإعطاء صورة مُتعسفة ظالمة للمرأة، مُنتقصة لحقوقها، مُقَلِلَةً لشأنها ..

 

7 - في محاولة إلصاق تُهمة مُحاربة الإسلام للأديان الأخرى واستئثاره لأتباعه بالحق المطلق وإقصاء سواهم عن الهدى .. تجد ترجمات معاني القرآن صُعوبة في تشويه النصوص القرآنية الوارد فيها كلمة " الإسلام " في المواضع المقصود بها المعنى الشامل للتوحيد والاستسلام ..

 فتقوم بترجمتها حرفياً بلفظ " الإسلام " ، وتترك مُهمة التشويه للمستشرقين والصحفيين وسواهم .. ويظهر ذلك بشكل خاص في ترجمة معاني قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ..) [آل عمران: 19]، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85]، وقوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ..) [الأنعام: 125]. ولكن يشق عليهم قبول معنى الإسلام الشامل في مواضع أخرى ، مثل قوله تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[آل عمران: 67]، وقوله تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة : 133] ..

 

وتتركز سُموم المُغرضين بعد ذلك في اتهام القرآن الكريم والإسلام العظيم بأنّه لم يتورع حتى عن احتكار الأنبياء، وادَّعاء أنهم كانوا مسلمين، ويثُورون –غضباَ- إذا سمعوا أنَّ المسلمين يُؤمنون أنَّ كُلَّ مُؤمن مُوَحّد إنَّما هُو مُسلم، مُنذ آدم إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها، ومن هؤلاء إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، بل إنَّ كُلَّ مولود يُولد على الفطرة .. فطرة الإسلام، والحمدُ لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة .. وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين ..

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم: البروفيسور الطبيب د. نديم عطا إلياس –حفظه الله– مدير الوقف الإسلامي بألمانيا- وصاحب ترجمة لمعاني القُرآن الكريم باللغة الألمانية ..

_____________

[1] – اسم الحزب (Mitte Christliche وهو حزب يميني مُتطرف ينسب نفسه للوسط النصراني، وأعلنت الكنائس عدم علاقتها به.

[2] – Buerger-Befragung: Was will der Islam ? .

[3] – Rudi Paret: Der Koran, Komentar und Konkordanz .

[4] – Rudi Paret: Der Koran, Uebersetzung .

[5] – Max Henning: Der Koran, 1980 .

[6] – Adel Theodar Khoury, Der Koran .

[7] – مراجعة وتنقيح: مراد هوفمان Max Henning 1998 .

[8] – Ahmed v. Denffer, Der Koran, 1996 .



مقالات ذات صلة