تفاصيل المقال

من أسرار الرسم القُرآني  - (2)  .. المهندس محمد شملول  (مهندس مدني، وباحث في الدِّراسات القُرآنية) ..

من أسرار الرسم القُرآني - (2) .. المهندس محمد شملول (مهندس مدني، وباحث في الدِّراسات القُرآنية) ..

 (هـ) – رسم كلمة: (صحب – صاحب) ..

نجد في [الآية (34) من سورة الكهف]، يقول القرآن الكريم على لسان صاحب الجنّتين: (فَقَالَ لِصَـحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)؛ حيث جاءت كلمة (صـحبه) بألف متروكة؛ لتُبين ما كان يظنه (صاحب الجّنتين) من أن (صاحبه) مُلتصق به التصاقاً كاملاً سواء في الرفقة أو الإيمان ..

غير أن الرد يأتيه من (صاحبه المؤمن) في [الآية 37 من نفس السورة]: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) حيث جاءت كلمة (صاحبه) بألف صريحة فارقة؛ لتوضح لقارئ القرآن أن هذه الصُّحبة في الرفقة فقط، وأما في الإيمان فهناك افتراق ومسافة بينهما ..

 

 وقد جاء هذا المعنى أيضاً واضحاً في حق الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نُسب إلى قومه فجاءت كلمة (صاحبكم) بالألف الصريحة مُفرقة بينه وبين قومه في الإيمان بالرغم من (مُصاحبته) لهم في المكان والزمان .. وذلك في الآيات الكريمة الآتية:

* قال الله تعالى: (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ) [سبأ: 46].

 * وقال سُبحانه وتعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [النجم: 2].

* وقال جلّ شأنه: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) [التكوير: 22].

 * وقال جلّ جلاله: (مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) [الأعراف: 184].

 

غير أنه حين يتكلم القرآن الكريم عن سيدنا أبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي (صـحبه) بألف متروكة، لتبين مدى قوة الصُّحبة والصلة والالتصاق بينهما، وتُوضح الصُّحبة الحقيقية في الرفقة والإيمان:

 (إِذْ يَقُولُ لِصَـحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: 40]، وهذا يُبيّن جُزءاً من الحكمة في كتابة الكلمة القرآنية باستخدام الألف الصريحة، والمد بالألف المتروكة، كما سبق أن أوضحنا ..

 

(و) - حذف حرف (الواو) من بعض الأفعال ..

ورد في كتاب (مناهل العرفان) للعلاّمة عبد العظيم الزُّرقاني، الأزهريّ –رحمه الله-: أنه تم كتابة هذه الأفعال الأربعة (بحذف الواو)، وهي:

 

*  - (ويدعو الإنسان – ويمحو الله الباطل – يوم يدعو الداع – سندع الزبانية) ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.

* - قالوا: والسر في حذفها من (ويدع الإنسان)، هو الدلالة على أنّ هذا الدعاء سهل على الإنسان يُسارع فيه، كما يُسارع إلى الخير ..

* - والسر في حذفها من (ويمح الله الباطل)، الإشارة إلى سُرعة ذهابه واضمحلاله..

* - والسّر في حذفها من (يوم يدع الإنسان)، الإشارة إلى سرعة الدُّعاء، وسرعة إجابة الداعين ..

* - والسر في حذفها من (سندع الزبانية)، الإشارة إلى سُرعة الفعل، وإجابة (الزبانية) وقوة البطش ..

 ويجمع هذه الأسرار قول المُراكشي: " والسِّر في حذفها سُرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدّة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود".

 

(ح) – رسم كلمة: (وسئل – فسئل) ..

جاء في القرآن الكريم كله فعل الأمر من (سأل) ناقصاً حرف (ا) في البداية، ونذكر فيما يلي نماذجاً من الآيات الكريمة التي ورد فيها هذا الفعل:

* قال الله تعالى: (فَسْئلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يُونس: 94].

* وقال جلّ وعلا: (وَسْئلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) [يوسف: 82].

* وقال سبحانه وتعالى: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: 32].

* وقال جلّ شأنه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) [النحل: 43].

 

ويدل حذف حرف (ا) من مبنى الكلمة الأصلية وهو (اسئل) أو (اسأل) على أن الكلمة القرآنية في رسمها تُعبر عن المعنى أصدق تعبير؛ إذ أنّ السؤال دائماً يأتي في عجلة وسرعة، فقلما ينتظر الإنسان، فهو دائماً يُريد سرعة الإجابة؛ لذلك جاءت كلمة (سئل) في فعل الأمر ناقصة حرفاً؛ لتحض على سرعة السؤال، انتظاراً لسرعة الإجابة ..

وكما ذكرنا فإن نقص مبنى الكلمة يدل على العجلة والسرعة وعدم الصبر ..

 

(ط) – رسم كلمة: (أيد – أييد) ..

وردت كلمة (أيد) وهي جمع (يد) (مرتين) في القرآن الكريم كله بهذا الرسم العادي؛ وذلك في الآيتين التاليتين:

* قال تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا) [الأعراف: 195].

* وقال تبارك شأنه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 17].

غير أنها وردت (مرة واحدة) برسم مختلف يزيد حرف (ي) في منتصفها؛ وذلك في الآية الكريمة الآتية:

* قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: 47].

وكما سبق أن ذكرنا؛ فإن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى .. فهل هناك أشد من خلق السماء؟ ..

* قال جلّ شأنه: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) [النازعات: 27]، إن زيادة حرف (ي) في كلمة (أيد) يُوضح قوة وشدة السماء، ومتانة سمكها وبنائها ..

 

هذا هو القُرآن العظيم بعظمته وجلاله وجماله، يكشف عن إعجازة، ويُنبئ عن أسراره التي تدل على أنه كلام الله حقّاً وصدقاً وإيماناً ويقيناً، والحمد لله على نعمة القرآن العظيم، و الحمد لله على نعمة تدبر القُرآن .. والحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله .. وإن شاء الله تعالى سوف نعرض المزيد من الدراسات حول (أسرار الرّسم القُرآني) في مقالات أخرى قادمة .. هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى وعلى أله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين؛؛؛

 

* - بقلم: المهندس محمد شملول ، مهندس مدنيّ، وباحث في الدراسات القُرآنية



مقالات ذات صلة