تفاصيل المقال

الشيعة والقُرآن  (2 – 2)، بقلم الأستاذ الدكتور محمد عمارة –عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف- (حفظه الله) ..

الشيعة والقُرآن (2 – 2)، بقلم الأستاذ الدكتور محمد عمارة –عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف- (حفظه الله) ..

 

 

3 - أما ما سُمَّي بـ [مصحف فاطمة] فإن هذا الكتاب ينفي أن يكون مُصحفاً أو قرآناً .. وربما كان كتاباً فيه بعض ما تَعَلَّمَتْه فاطمة من أبيها .. ونص ما جاء عن هذا ((المصحف)) – الذي لا وجود له – هو: ((لقد وَرَدَ في روايات كثيرة ذِكْرُ مصحف فاطمة، وصُرِّحَ في بعضها أن في هذا المصحف عِلْمَ ما يكون، وليس فيه ذِكْرُ حلالٍ ولا حرام،  كما صَرَّحَتْ روايات أخري بأنَّ فيه وصيةَ فاطمة الزهراء – عليها السلام – ..

وعلى هذا يُمكن أن تكون فيه بعض المعارف التي تعلمتها من أبيها طيلة حياتها، وتُصَرَّحُ بعض الروايات أيضاً بأن مصحف فاطمة ليس فيه قرآن، ولم يكن مُصْحفاً قرآنياً)) .. فهو – إذن كتاب لا علاقة له بالقرآن من قريب أو بعيد .. بل ولا علاقة له بالحلال والحرام ! ..

 

4 -  وفي هذا الكتاب شهادات كبار علماء الشيعة، التي تنفي وقوع أي تحريف في القرآن الكريم، والتي تؤكِّد علي الحفظ الإلهي لهذا القرآن ..

* - فالعلامة الطباطبائي يقول: ((إنه ذكر حي خالد مصون من أن يموت وينسي من أصله، مصون من الزيادة عليه بما يبطل كونه ذكراً، مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث تتغير به صفة كونه ذكراً مُبيناً لحقائق معارفه، فالآية: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) [الحجر: 9] تدُّل علي كون كتاب الله محفوظاً من التحريف بجميع أقسامه .. فالقرآن محفوظ بعدد إنزاله إلي الأبد)) ..

 * - والسيد الخوئي، يقول في تفسير الآية: ((إنها تدلُّ علي حِفْظِ القرآن من التحريف، وأن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه)) ..

* - والفيض الكاشاني، يقول: (وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان ..

* - والشيخ أبو علي الطبرسي، يقول في تفسير نفس الآية: (وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) عن الزيادة والنقصان والتحريف والتغيير ..

 

وعن الحسن: معناه: مُتكفل بحفظه إلي آخر الدهر علي ما هُو عليه فتنقله الأمة وتحفظه عصراً بعد عصر إلي يوم القيامة، لقيام الحجة به علي الجماعة من كل من لزمته دعوة النبي صلي الله عليه وسلم ..

والسيد المرتضي علي بن الحسين الموسوي العلوي – المتوفي سنة 436 هـ – يقول: (( إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفَّرت علي نقله وحراسته وبلغت إلي حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه .. لقد كان القرآن علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم مجموعاً مُؤّلَّفاً علي ما هو عليه في ذلك الزمان، حتي عَيَّنَ النبي صلي الله عليه وسلم علي جماعة من الصحابة حِفْظَهم له، وكان يعرض علي النبي صلي الله عليه وسلم عدة ختمات، وكل ذلك يدلّ بأدني تأمل علي أنه كان مجموعاً مُرَتَّباً غير مبتور ولا مبثوث .. ومن خالف في ذلك لا يُعْتَدُّ بخلافه؛ لأن المخالفين نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها، ولا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع علي صحته)) ..

 

وهكذا توالت – في هذا الكتاب – شهادات علماء أعلام الشيعة ومجتهديهم، التي تُغْلِقُ الأبواب في وجه الزنادقة الذين يُشَكِّكُونَ في القرآن الكريم ..

 

وإذا جاز للبعض أن يُشكك في صدق هذه المراجعات الشيعية لما سبق وقالوه في تحريف القرآن الكريم، انطلاقاً من عقيدتهم في ((التَّقية))،  التي تجعل الكذب دين يتدينون به! .. فإننا لا نستطيع إلاَّ أن نُرحب بهذه المراجعات، تاركين السرائر والبواطن والضمائر للذي تفرد بعلمها والجزاء عليها – سبحانه وتعالي – ..

 

كما نقول لعلماء الشيعة – وخاصة الحكماء منهم -: إن هذه المراجعات وإن مثلت خطوة كبرى نرحب بها، إلاَّ أنها تستوجب مُراجعة ما جاء في كتبهم الأصلية المعتمدة – من مثل [الكافي] للكليني – من روايات نسبوها إلي أئمتهم تتحدث عن تحريف القرآن الكريم .. ذلك أن إضفاءهم العصمة علي هؤلاء الأئمة، الذين نسبوا إليهم – زوراً وبهتاناً – مقولات تزعم تحريف القرآن الكريم، سيظل مصدراً لعلامات استفهام حول اتساق الموقف الشيعي من هذا الموضوع ..

 

إنَّ مراجعة علماء الشيعة المعاصرين لما كتبه أسلافهم الإخباريون حول القرآن الكريم خطوة هامة نُرحب بها ..

لكنها تظل منقوصة طالما بقيت ((أحاديثهم)) التي نسبوها إلي أئمتهم تتحدث عن أن تحريفاً قد حدث للقرآن الكريم .. فاتساق الموقف يستوجب مُراجعة كل التراث الذي وردت فيه مزاعم التحريف

 

هكذا رأينا كيف كان القرآن الكريم الإعجاز الإلهي، الذي تَحَدَّي البشر – ولا يزال يتحداهم – أن يأتوا بشيء من مثله ..

وكيف وَقَفَ كلُّ أساطين البلاغة والبيان والإبداع أمام هذا النص القرآني المعجز، فخشعت ملكات الإبداع لديهم أمام هذا الوحي الإلهي، الذي لا طاقة لبشر أن يأتي له بمثال ..

لقد استوي في ذلك جميع الخبراء .. والبلغاء .. والمبدعون .. حتي الذين مَنَعَتْهُم العصبيات الدنيوية من الإيمان برسالة القرآن الكريم – في التوحيد .. والنبوة .. والشريعة .. ومنظومة القيم والأخلاق .. واليوم الآخر، وما فيه من حساب وجزاء .. فأقسموا : ((والله ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن .. وإنه يعلو ولا يُعلّي عليه)) ! ..

 

لقد استعلي القرآن الكريم – ولا يزال – علي تمرّد المتمردين .. وعلي مقاصد المعادين من المستشرقين .. وعلي الذين أعماهم التعصُّب من أهل الفرق الذين ذهبوا يلفقون الروايات الكاذبة لتأييد التعصُّب والغلوّ والانحراف .. وكذلك استعلي القرآن الكريم علي الزنادقة، الذين أرادوا ستر عجزهم الفاضح أمام الإعجاز القرآني بلملمة حتي الروايات التي عَدَلَ عنها رواتها، والآراء التي انتقدها أصحابها ..

 

ولقد تكشفت عورات هؤلاء الزنادقة عندما رأيناهم يذهبون فيتبنون روايات الآحاد الواهية والساقطة والمجروحة – بل والموضوعة – ليعارضوا بها النص المعجز .. والمتواتر .. وقطعي الثبوت ! .. ثم يتحدثون – مع ذلك كله – عن العلم .. والمنهج العلمي الذي يزعمون !! .. وصدق الله العظيم : (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 23 – 24 ] ..

 

إنه الإعجاز الخاتم – والتحدِّي الخالد .. وحُجة الله البالغة علي الناس إلي يوم الدين .. إنه القرآن الكريم .. (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [ البقرة: 2] .

 

* - بقلم الأستاذ الدكتور محمد عمارة –عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف- (حفظه الله) .. 

 

 



مقالات ذات صلة