تفاصيل المقال

في الذكرى الحادية عشر لوفاة أستاذي العلاّمة القُرآني أ. د حسن المعايرجي - (2 – 2) -  بقلم: د. حمدي أبو سعيد

في الذكرى الحادية عشر لوفاة أستاذي العلاّمة القُرآني أ. د حسن المعايرجي - (2 – 2) - بقلم: د. حمدي أبو سعيد

كان عطاء أستاذنا العلامة الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله- ثرياً ومُتنوعاً، فكما كان مُبدعا مُتميزاً في تخصصه العلمي في مجال البحوث والدراسات البيولوجية والكيميائية، كان مُبدعاً ومُتميزاً في مشروع عُمره الذي ملك عليه حياته كلها، ألا وهو مشروع خدمة القرآن العظيم، من خلال بوابة تبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين كافة؛ بواسطة القيام بترجمة تفاسير قُرآنية صحيحة بجميع اللغات العالمية الحية، ونشرها في شتى بقاع الدنيا؛ ولذا كانت رحلته مع القرآن وخدمة الإسلام محطة من أهم محطات حياته المباركة، باعتبارها المجال المهم الذي أولاه جُلَّ اهتمامه، وأعطاه كُلَّ وقته، وبذل من أجله كل غال ونفيس من صحته وجهده وماله؛ -رحمه الله-

رحلته مع القرآن وخدمة الإسلام:

ومع كثرة أعمال أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي–رحمه الله- وانشغالاته، إلا أنه كان مُتَيَّماً بحب الإسلام العظيم وخدمة القرآن الكريم، والعمل للإسلام بجهده وقلمه ومُحاضراته وأمواله ورحلاته الكثيرة وصحته ووقته، وكل ما يملك؛ حيث كانت حياته كلها لهذا الدين العظيم؛ وقد بارك الله له في وقته وصحته وماله حتى استطاع أن يُقدم انجازات كبيرة في هذا المجال، مع ما قام به في تخصصه العلمي في العلوم البيولوجية، فقد ساهم في تأسيس (لجنة القرآن الكريم) بجامعة قطر، وتولي أمانة أعمالها، وشارك كذلك في أعمال تأسيس (الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية – بالكويت)، وكانت له جهود ومشاركات علمية وبحثية قيمة وتعاون كبير في خدمة القرآن والإسلام مع (مركز أبحاث التاريخ والفنون والثقافة الإسلامية–إرسيكا-، التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، باستانبول التركية)، وقد شارك بجهد وافر في إعداد ” البيليوجرافيا العالمية لترجمات معاني القرآن الكريم “، هذا العمل العلمي القُرآني الكبير الذي قدمه المركز إلى أمة الإسلام، ولاقى استحسان وثناء المختصين في الدراسات والترجمات القرآنية.


ولما قام بإهداء جزء كبير من كنوز مكتبته ومُقتنياته القُرآنية الثمينة -التي لا تُقدر بمال، والتي جمعها من شتى بقاع الدنيا- إلى (مجمع المدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف)، دعاه القائمون على المجمع؛ للمشاركة في أعمال اللجنة العلمية للمجمع بالمدينة المنورة، على مُنورها سيدي رسول الله -أفضل صلوات الله وسلامه- في دورتي، عام: (1414هـ/ 1994م)، وعام: (1415هـ/1995م)..

وقد قدَّم العديد من المقالات العلمية والبحوث والدراسات المحَكَّمَة حول القرآن العظيم، من خلال (دراسات في ترجمات معاني القرآن العظيم) و (الهيئة العالمية للقُرآن .. ضرورة للدعوة والتبليغ)، و (المُحرّفون للكلم) .. وغيرها من البحوث والدراسات القيّمة النّافعة التي سنقوم بنشرها تباعاً بمشيئة الله تعالى على موقع ((تُرجُمان القُرآن)، وهو الموقع الرسمي (للهيئة العالمية للقُرآن الكريم)، وسنقوم بطباعتها في سلسلة خاصة –قريباً- بمشيئة الله تعالى، بعد أن انتهينا من مُراجعتها جميعاً، ولله الحمد .. وهي إسهامات علمية متميزة في هذا المجال، وعند التقييم العلمي المنصف لها يُمكن تصنيفها –علميا- على أنها اكتشافات علمية لعلوم جديدة تُضاف إلى علوم القرآن العظيم ..

وقد قام –رحمه الله- بالتواصل مع علماء المسلمين في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، وقام بزيارات عديدة إلى هذه البلاد، وجلب معه العديد من التفاسير القرآنية النادرة، وبعضها مكتوب بالحرف القُرآني (العربي الجميل) ..

وقد قام –رحمه الله- بحركة طباعة ونشر واسعة على نفقته الخاصة في الغالب، وبمساعدة من بعض أهل الخير نادراً؛ للعديد من ترجمات معاني القرآن العظيم بعدد من اللغات العالمية التي ظهرت –مطبوعة- لأول مرة في تاريخ أمة الإسلام، وقد سبق في جهوده الكثير من الهيئات الإسلامية الكبيرة في عالمنا الإسلامي اليوم كالأزهر الشريف بمجمع بحوثه الإسلامي العريق، وجامعته الإسلامية المباركة، وقد سَبق وتفوق بجهده الفردي المبارك على جهود هيئات ومؤسسات كبيرة مُتخصصة في ترجمة معاني القرآن: كالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر و المجالس المماثلة في كثير من بلاد المسلمين، ومجمع المدينة المنورة لطباعة المصحف الشريف (مجمع الملك فهد)، وغيرها من المؤسسات الإسلامية الكبيرة المختصة في شؤون القُرآن الكريم والمسؤولة عن تبليغ رسالات الله –جلّ وعلا- ونشر رسالة القرآن العظيم بكافة اللغات العالمية إلى الناس كافة ..

وقد قام أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله- بنشر عدد من ترجمات معاني القرآن العظيم؛ بحوالي (25 لغة) من اللغات الإسلامية: كالتركية، والفارسية، والبُوسنية، واللغات العالمية: كالإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية ..وغيرها، وهو ما يقترب من نصف ما قامت به جميع الدول الإسلامية –أمة أهل السنة والجماعة- مجُتمعة، والتي قدمت تفسير معاني القرآن الكريم بحوالي (66 لغة إسلامية وعالمية)، وقد طُبع في بعض هذه اللغات أكثر من ترجمة لمعاني القُرآن؛ ولا تسألني عمّا قدمته إيران وحدها، أو الطائفة الأحمدية القاديانية المارقة؛ ورحم الله سيدي الفاروق عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين-رضي الله عنه- الذي كان يقول: ((اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَلَدِ الفَاجِرِ، وعَجْزِ الثِّقَةِ))!، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


وقد شارك –رحمه الله- أيضا بعشرات المقالات والدراسات (عن ترجمات القرآن الكريم) في العديد من الدوريات والمجلات الإسلامية الكبيرة باللغة العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها؛ مثل: مجلة الأزهر الشريف، ومجلة الأمة، والمسلم المعاصر، والوعي الإسلامي، ومجلة العربي .. وغيرها من المجلات السَّيَّارَة الصادرة باللغات الأخرى.

الهيئة العالمية للقرآن .. مشروع حياة د. المعايرجي:

و بعد رحلة طويلة شاقَّة تابع فيها أستاذي الدكتور المعايرجي –رحمه الله- بالدراسة والتمحيص كم كبير من الدراسات والترجمات القرآنية، مع القيام بجولات وزيارات ورحلات علمية استكشافيّة هنا وهناك للمراكز المشبوهة التي تقوم بإعداد وطباعة ونشر الترجمات المنحرفة لمعاني القُرآن الكريم، وقف أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله- على حجم المؤامرة الكبيرة على القُرآن العظيم والتي ظهرت من خلال حجم التحريف والتشويه البشع لدين الإسلام والقرآن الكريم ونبي الإسلام، وهذه الهجمة الشرسة الظاهرة المُعلنة التي تضمنتها ترجمات معاني القُرآن المحرَّفة التي صنعوها بأيديهم!، مع إصرارهم الكبير على المُضي في رحلة التآمر على القرآن العظيم من خلال تحريف معانيه بإقامة مؤسسات ومراكز مُتخصصة لإعداد وترجمة طبعات مُحرّفة لمعاني القُرآن الكريم بكافة اللغات العالمية برعاية ودعم وتمويل وإشراف المنظمات التنصيرية والمراكز الاستشراقية الاستعمارية  الصهيوصليبية، ودخل معهم في هذا السباق المحموم لتشويه القرآن وهدم الإسلام من خلال الترويج لتحريف القرآن علماء الشيعة الإمامية الإثناعشرية وإخوانهم الباطنية، والطائفة الأحمدية القاديانية، وغيرهم من مُحرّفي الكَلِم ..

 وقد أدرك أستاذنا–رحمه الله- بعد دراسة عميقة مُستفيضة أنه لا بد من إقامة هيئة عالمية للقرآن الكريم يقوم عليها أهل أمة الإسلام -أهل السُّنَّة والجماعة-، تعمل هذه الهيئة المباركة على رفع راية القرآن العظيم؛ وتبليغ الإسلام وإيصال رسالة القرآن الكريم الحقيقية الصحيحة السهلة البسيطة السمحة الواضحة إلى كافة الأمم والشعوب بلغاتها ولهجاتها المختلفة واضحة نقيّة سهلة (بلا تحريف)، ولا (تعقيد)، ولا (خُرافات أو خُزعبلات أو عقائد مُنحرفة) لا تنسجم مع الفطرة الإنسانية النّقية ويرفضها العقل الصحيح الفَطِن، وتقوم هذه الهيئة القُرآنية المباركة بالعناية بالقرآن الكريم وتفسيره بكل لسان وطبعه وتوزيعه في جميع أنحاء العالم، ورصد ما يظهر من الترجمات الفاسدة، والتصدّي لهذه المحاولات الفاشلة المتكررة للطّعن في القرآن العظيم، أو النيل منه!، وفضح وتعرية أصحابها، ومُقاضاة القائمين عليها قضائياً لإيقافهم عند حدّهم، وفضحهم على رؤوس الأشهاد – ووصمهم بأنهم أعداء القرآن- وهذا في حدّ ذاته أكبر عقاب لكُلّ من يُحاول التطاول على كتاب الله جلّ وعلا في أي مكان من أرض الله، ودراسة حاجات المسلمين من التفاسير الصحيحة، ومعــرفة الأولويــات لمشـاريع ترجمة التفاسير القرآنية باللغات المختلفة. وشعارها ((مُصحفٌ لكلّ إنسان وتفسيرٌ بكلّ لسان)) ..

وقام –رحمه الله- بإعداد مذكرة تفسيرية باللغة العربية، وترجمة لها باللغة الفرنسية عن مشروع إنشاء "الهيئة العالمية للقرآن الكريم”، وإرسالها إلى المؤسسات الإسلامية الكبيرة في الأمة  كالأزهر الشريف، ومنظمة المؤتمر الإسلامي -(التعاون الإسلامي حاليا)-، ورابطة العالم الإسلامي، وإلى الوزارات المعنية بالشؤون الإسلامية في العديد من الدول العربية والإسلامية كوزارة الأوقاف المصرية، ومشيخة الإسلام التركية، ووزارات الأوقاف في العديد من البلدان الإسلامية .. وتَلَقَّى من الجميع ردوداً طيبة حول -أهمية قيام هذه الهيئة العالمية المباركة لخدمة القرآن العظيم، والدفاع عنه- من بعض هذه الهيئات والمؤسسات الإسلامية، دون أن يكون لها صدى على أرض الواقع!، ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

قريباً بمشيئة الله تعالى انطلاق الهيئة العالمية للقُرآن الكريم ...

وفي ذكراه الحادية عشرة –رحمه الله- أنتهزها مُناسبة لأزف لأمة القرآن بُشرى قُرب قيام المشروع القرآني الكبير – (الهيئة العالمية للقرآن الكريم) - حُلم حياة أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله- وقد أوشك أن يكون واقعاً بفضل الله جلّ وعلا ورحمته وكرمه؛ والحمد لله ثم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فقد قام بعض تلاميذ الدكتور حسن المعايرجي–رحمه الله- بإحياء مشروعه القرآني العظيم، ويعملون على تقديمة بمشيئة الله تعالى إلى الأمة قريبا، أسأل الله العلي القدير أن يُبارك في جهودهم، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها الإسلام والمسلمين، وأن يجعلها في ميزان حسنات أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي–رحمه الله-، وأن يجزيه عنّا وعن القرآن العظيم وأهله خير الجزاء .. 

وفاته رحمه الله:

وبعد حياة حافلة بالعطاء والكفاح والعمل المستمر في خدمة الإسلام، وفي يوم الأربعاء: 29 مُحرم 1429هـ الموافق: 6 فبراير 2008م طُويت في هدوء صفحة مجيدة لأحد عباقرة وعظماء العلم الكبار في مصر والعالم الإسلامي، طُويت صفحة هذا الجبل الأشمّ والرجل الكبير الذي وهب حياته وجهده وماله لخدمة القرآن العظيم؛ فقد رحل عن دُنيانا الفانية رجل العلم والتربية التعليم والدعوة والعمل في سبيل الله والغيرة على القرآن –العالم الجليل الأستاذ الدكتور حسن المعايرجي -رحمه الله- رحمة واسعة، وتقبله في عليين مع الصالحين، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وقد رثاه عارفوا فضله ومكانته من العلماء والمفكرين على صفحات الصحف والمجلات وبعض القنوات التلفزيونية –خارج مصر- والمواقع الإلكترونية وغيرها، ومنهم العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي–حفظه الله-، والعالم الجليل الفقيه الأصولي محقق التراث الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب–رحمه الله-، والشيخ د. عبد السلام البسيوني، والأستاذ جمال سلطان، والأستاذ عماد حفني، وغيرهم من مُحبيه وعارفي فضله، جزاهم الله جميعاً خير الجزاء. وقد أردت أن أشارك في ذكراه الحادية عشرة بهذا المقال المختصر تعريفاً به وبجهوده في خدمة القرآن والعمل للإسلام سواء في مجال تخصصه العلمي البيولوجي الذي نبغ فيه، أو في مجال خدمة القرآن العظيم، حتى نستلهم من حياته وجهده وجهاده الدروس والعبر، وحتى تكون حافزاً لنا ونبراساً في خدمة القرآن والعمل للإسلام؛ فرحمه الله، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .. وبوفاته فقدَ العالم الإسلامي رجلاً من خيرة أبنائه، وقف حياته لخدمة القرآن الكريم والعلم النافع، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وطبت حيّاً وميتاً أستاذي الجليل د. حسن المعايرجي، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

* -  بقلم: د. حمدي أبو سعيد



مقالات ذات صلة