تفاصيل المقال

من أهم مقاصد القُرآن – العلاّمة الشيخ مُعوض عوض إبراهيم (رحمه الله) ..

من أهم مقاصد القُرآن – العلاّمة الشيخ مُعوض عوض إبراهيم (رحمه الله) ..

إن جماع ما أنزل الله لأجله القرآن أمور تتراءى في آياته لمجرد النظر، وهي:

أولاً: تصحيح العقيدة، ورد الناس عما عراهم من شرك، إلى فطرة الله فيهم: 

قال الله جلَّ شأنه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) [الروم: 30] ..

 

ثانيًا: تجريد قصد الناس إلى الله فيما لا يُعين عليه من جلائل الأمور سواه، وعبادته وحده على مقتضى ما بَلَغَنَا من صلاة رسول الله وصيامه، وما وراء ذلك من تكاليف الإسلام التي هي سبيل تزكية النفس:

 

قال الله سبحانه وتعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس: 7- 10] ، وقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14، 15] ..

ولقد كان من ضَرَاعات النبي صلى الله عليه وسلم ومناجاته للحي القيوم: ((اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)) .. وما أحق الهدى والتقى بأن نستعين بالله على بلوغ أقصى ما يمكن منهما، لتصلح الدنيا وتطيب العقبى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف: 25] ..

 

ثالثًا: وعد الله لمن آمن وعمل صالحا، ووعيده لمن كفر واتبع هواه، وتوكيد أنَّ في الإيمان والطاعة سعادة الأولى والآخرة، وأنَّ في خلافهما الخسران والهوان في الحياتين:

قال الله جلَّ وعلا: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55] ..

ورحم الله الإمام أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي؛ فهو يقول: "إنَّ في كتاب الله تعالى آية لو عمل بها المسلمون لوسعتهم: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر] ..

وهو تعبير جليل من الإمام الشافعي –رحمه الله ورضي عنه- للسورة الجامعة- على وجازتها- لموجبات السعادة، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفارق الرجل منهم صاحبه حتى يقرأ عليه [سورة العصر]، وكأنهم بذلك يستثير كل منهما صاحبه أن يذكره بما غاب عنه من صور الكمال البشري الممكن، وأن يكون عونه لبلوغ ما أراد الله من إيمان به وعمل بمراضيه، وتواص بالحق الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وتواص باحتمال الصعاب في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما لابد من احتماله لمخالطة الناس؛ فالمؤمن الذي يُخالط الناس في الله ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي يعتزلهم قبل أن يُؤدي دوره في النُّصح لهم والإعذار إلى الله، إنْ هم صَدُّوا عن سبيله وعَتَوْا عن أمر ربهم، والله تعالى يقول لمصطفاه الحبيب صلى الله عليه وسلم: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186] ..

 

ومن وعيد الله لمن ضَلَّ وَأَثِم:  قوله جلَّ شأنه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ) [الأعراف: 175- 177] ..

 

والنَّبأ- مَثلاً كان أو واقعًا- هو أشبه شيء بمن يحيون في زماننا وهم يُحسبون على العلم والدعوة والاهتداء بهدى الله، ولكنهم في الحقيقة يفتنون عن الحق، ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وهم يعلمون أن ما تتحلب له الشفاه من مناعم هذه الحياة ليس إلا بَرْقاً خلبا، وسحابة صيف عن قليل تقشع، وخيال طيف تقتحمه الأعين لحظات ثم يكون بَعْدُ سِلَفاً وذكرى للذاكرين ..

 

ورابع، ما يُلحظ بين ما أنزل الله من أجله القرآن: سوق أخبار الأولين وقصصهم وسلوك الأفراد والجماعات للعبر والعظة وبيان أحكام المعاملات ومقتضيات العيش الكريم، وهي في الإسلام إطار السعادة وينبوعها الدفاق لأنها شرع الله ووضع الحكيم الرحيم سبحانه. ومغرق في الضلال من يحسب السعادة في غير دين الله ومن يطلبها بغير هداه:

قال الحق جلَّ شأنه: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 40] ..

وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: 57] ..

وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [يوسف: 111] ..

 

هذا غيض من فيض القُرآن ومعينه الذي لا ينضب، ونسأل الله العلي القدير أن ينفعنا وبرفعنا وإياكم بالقُرآن العظيم .. وبالله التوفيق، وصلَّ الله وسلم وبارك على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..

--------------

* - بقلم فضيلة الشيخ العلاّمة القُرآني المُحدث المُسند، مُعوض عوض إبراهيم، تغمَّده الله بواسع رحمته ..

 



مقالات ذات صلة