تفاصيل المقال

منهج دراسة الآيات الكونية في القُرآن الكريم – (4) – بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر

منهج دراسة الآيات الكونية في القُرآن الكريم – (4) – بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر

من شواهد الإعجاز العلمي القُرآني في علوم الطب:

الشواهد كثيرة في شتى العلوم الطبية: علم الأجنة – علم التشريح – علم الصحة الغذائية – علم الطب الوقائي – علم الطب النفسي .. وسوف نكتفي بذكر القليل من الشواهد، ومن يرد المزيد فعليه بالكتب المؤلفة والأبحاث المقدمة من الندوات والمؤتمرات العالمية للإعجاز العلمي، وفيما يلي بعض الشواهد على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ..

(1) - يقول الله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [سورة المؤمنون: 14] ..

 

لقد نال خلق الإنسان اهتماماً كبيراً من القرآن الكريم، وجاءت به إشارات علمية في هذا الموضوع على جانب من الأهمية، وهي تمثل حقائق عن تكوين الجنين وعن أطواره داخل الرحم، لم تكن معروفة إلى وقت قريب، وكانت كل المعلومات عن تكوين الجنين مغلوطة حتى القرن العشرين، ففي القرن السابع عشر الميلادي كان المعتقد أن الإنسان يخلق خلقاً كاملاً في الحيوان المنوي للرجل على صورته الإنسانية، أي أنه لا يمر بأطوار في رحم الأم .. وفي القرن الثامن عشر عندما اكتشف العلماء بويضة المرأة قالوا: إن بويضة المرأة هي التي خلق فيها الإنسان كاملاً ..

 

وأخيراً جاء العلم الحديث ليعطي المعلومات الدقيقة عن تكوين الجنين ومراحل تطويره والتي جاءت مطابقة لما ورد بآيات القرآن الكريم، وليعلن على لسان العلماء سبق القرآن وإعجازه العلمي .. والآية القرآنية السابقة الذكر تشير إلى المراحل البيولوجية لخلق الإنسان منذ أن يكون نطفة إلى أن يصبح إنساناً كاملاً..

 

وقد حظيت هذه الآية القرآنية – ونظائرها التي تناولت خلق الإنسان – باهتمام كبير من جانب كبار علماء الأجنة العالميين – مسلمين وغير مسلمين – نظراً لما بها من حقائق علمية بارعة جاءت بأدق العبارات والكلمات، وقاموا بمناقشة الطرح القرآني لموضوع الأجنة من خلال أبحاثهم التي حرروها على ضوء تلك الآية القرآنية، ولم يسعهم إلا أن يعلنوا إعجابهم وتقديرهم بالإشارات العلمية التي جاءت بها، واعترفوا بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم ..

 

وهذا هو واحد من مشاهير علماء الأجنة – الأستاذ الدكتور / كيث مور – الذي يعتبر واحداً من أشهر ثمانية في العالم في ذلك العلم، يلقي عدة محاضرات بعنوان: ((مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة)) كما يقوم بتأليف كتاب دراسي في علم الأجنة يستخدم فيه الكلمات القرآنية: نطفة – علقة – مضغة – اعترافاً منه بالدقة العلمية الفائقة لهذه الكلمات ..

 

وإلى المعارضين نوجه النداء بالاقتداء بأولئك العلماء الذين حكموا العقل واحتكموا إلى العلم، وتجردوا من الهوى، والتزموا بالإنصاف ..!! ..

 

(2) - يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) [سورة الإنسان: 2] ..

تظهر أهمية هذه الآية وإعجازها العلمي الباهر إذا علمنا أن البشرية لم تكن تعلم شيئاً عن النطفة الأمشاج المكونة من نطفة الرجل وبها الحيوانات المنوية أي (الحيمنات) ونطفة المرأة وبها البويضة أي (البييضة)، إلاَّ عندما تمكن أحد العلماء في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي من تلقيح الحيوان المنوي للبويضة، وأثبت أن كلاً من الحيوان المنوي والبويضة يشتركان في تكوين البويضة المنقحة (اللاقحة، أي الزيجوت) ومفتاح الفهم العلمي للآية القرآنية هو كلمة (أمشاج) وهي إشارة علمية دقيقة إلى اختلاط ماء الرجل (بمكوناته المتعددة) بماء الأنثى (بمكوناتها المختلفة) واتحاد الحيوان المنوي الموجودة بماء الرجل وماء الأنثى مختلط، وكل هذا الخلط الهائل المكون من مكونات كثيرة يؤلف (أمشاجها) بالجمع لا (مشيجاً) بالمفرد ..

 

(3) - يقول الله سبحانه وتعالى: (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) [سورة الطارق: 6 - 7] ..

هكذا بوضوح شديد يذكر القرآن الكريم أن أماكن تكوين الماء الدافق (النطف جمع نطفة) هو في منطقة تقع بين الصلب (أي العمود الفِقَري) والترائب (أي الضلوع وعظام الصدر)؛ ولأن المشاهد بعد التكوين الكامل للإنسان والمعلوم وهو أعضاء التناسل بشكلها وأماكنها، وهي مصدر الماء الدافق، فقد أعطى النص القرآني الفرصة لخصوم الإسلام إلى إثارة الشبهات حول صحة ما جاء به، وقالوا بأن القرآن يخالف الحقائق العلمية ..

 

وأخيراً ومنذ عهد قريب شاء الله سبحانه وتعالى للحقيقة العلمية أن تكتشف وللإعجاز القرآني أن ينبلج، وتوصل العلماء إلى كشف علمي جاء بياناً وتفسيراً للنص القرآني، وذلك مصدقاً لقوله تعالى بشأن القرآن الكريم: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) [سورة ص: 88]، فقد عرف علماء الأجنة بداية تكوين أعضاء التناسل منذ لحظة التكوين الخلوي وقبل تشكيل الجنين، أي منذ أن كان نسيجاً خلوياً، طبقتين تسميان: الأديم الظاهري (الاكتودرم) والأديم الباطني (الإندودرم)، وبينهما يوجد (الشريط البدائي) وطبقة الأديم المتوسط (ميسودرم)، وفي هذه المرحلة الأولى لتكوين الجنين تعرفوا على المنقطة التي تتكون منها أعضاء التناسل وحصروها في (الكتلة الخلوية الوسطية) وهي تقع بين منطقة الظهر ومنطقة تكوين الترائب، وهكذا نجد القرآن الكريم قد أرجع الأعضاء التناسلية إل أصولها الأولى، وأشار إلى حقيقة علمية شديدة الخفاء، ولم يردد معلومات مألوفة وشائعة عن مصدر (الماء الدافق) في زمان نزوله، وبذلك فهو يُعلن عن إعجازه العلمي بما لا يدع مجالاً للشك إلاَّ في عقول المكابرين وقلوب الحاقدين ..

 

(4) - يقول سبحانه وتعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) [سورة الرعد: 8] ..

يتعرض القرآن أحياناً لبعض التفاصيل الكونية، ولا يقف عند العموميات ليعلم الناس أنه من لَدُن عليم حكيم، وأنه كما قال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [سورة فصّلت: 3]، والنص القرآني: (وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ) [سورة الرعد: 9]، شاهد على ذلك فهو يشير إلى مرحلة جزئية يمر بها الجنين عقب تلقيح البويضة مباشرة التي تنغمس في جدار الرحم، وتختفي في هذا الجدار وتغيض، وقد يكون في النص إشارة إلى ما يطرأ على بطانة الرحم من أحوال تغيض فيها، أي يقل سمكها ..

 

(5) - يقول الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) [سورة السجدة: 9] ..

من المعلوم أن السمع يذكر مقدماً على البصر في أكثر الآيات القرآنية التي جاء ذكرها فيها، وهناك حقيقتان علميتان تفسران سبق السمع للبصر:

أما الحقيقة الأولى: فقد أثبتتها كشوف علم الأجنة، وهي أن جهاز السمع يتطور في الجنين قبل جهاز البصر، ويتكامل وينضج حتى يصل إلى حجمه الطبيعي في الشهر الخامس من حياة الجنين، في حين لا يتكامل نضج العينين إلا بعد الولادة والجنين يسمع في بطن أمه – وبالتحديد في الشهر الخامس من حياته الجنينية – في حين لا يستطيع الإبصار إلا بعد ولادته، أي تتطور وتنضج كل المكونات العصبية لحاسة السمع قبل نضج مثيلاتها البصرية بفترة طويلة نسبياً..

وأما الحقيقة الثانية: وهي أن مراكز السمع توجد بالمخ في موضع متقدم عن مراكز البصر ..

 

(6) - يقول سبحانه وتعالى: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمً) [سورة النساء: 56] ..

في الآية إشارة علمية إلى أن الأعصاب التي تحس بالحرارة موجودة تحت الجلد مباشرة، بحيث إذا احترق الجلد انتهى الإحساس بالألم تماماً، وهذه حقيقة لم يعرفها العلم إلا حديثاً، وبهذه الإشارة العلمية فإن أستاذ التشريح العالم ((تاجاسن)) شهد بمعجزة القرآن، وأعلن إسلامه في المؤتمر الطبي السعودي في سنة 1982م ..

 

(7) - يقول سبحانه وتعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) [سورة الكهف: 18] ..

تشير الآية إلى حقيقة طبية يعمل بها في حالات الرقاد الطويل عند المرض، وهي حدوث المضاعفات نتيجة لهذا النوم الطويل، ومن أخطرها: (قرح الفراش) حيث يتآكل الجلد والأنسجة العميقة في أماكن الضغط التي يتعرض لها جسم المريض..

 

والعلاج الأمثل لهذه الحالات هو منع حدوثها، والوقاية منها، وذلك بتقليب المريض – كما قال القرآن – وتغيير وضعه على الجنين كل فترة ..

 

* - بقلم: الأستاذ الدكتور كارم السيد غُنيم، الأستاذ بكلية العلوم –جامعة الأزهر- أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القُرآن والسنة بالقاهرة ..

 



مقالات ذات صلة