تفاصيل المقال

دراسات في الترجمات القُرآنية - (2)  مُقدمات مُهمة - بقلم: العالم الجليل:  أ. د حسن المعايرجي (رحمه الله)

دراسات في الترجمات القُرآنية - (2) مُقدمات مُهمة - بقلم: العالم الجليل: أ. د حسن المعايرجي (رحمه الله)


 

 

ظهور ترجمة محمد علي القادياني بالإنجليزية:

 

كان لظهور الترجمة القاديانية لمحمد علي اللاهوري والمطبوعة في ووكنج بانجلترا ضجة في البلاد الإسلامية، لما حوت من أفكار وتأويلات لا تستقيم والعقيدة الإسلامية الصحيحة. وقد ظهرت هذه الترجمة في عام 1917م ، في طبعتها الأولى، وأرسلت بعض النسخ إلى مصر، فأرسلتها " مصلحة الجمارك " - كما كانت تسمى حينئذٍ - إلى مشيخة الأزهر. فلم تأذن بذلك.

وإليك أيها القارئ العزيز ما كتبته مجلة المنار[6] عام 1925م في حينه لأهميته: "إن فرقة مسيحية الإسلام (القاديانية) في الهند كانوا نشروا ترجمة إنكليزية للقرآن المجيد حرَّفوا فيها بعض آياته تحريفاً معنوياً لإثبات بدعتهم القاديانية وطبعوها مع القرآن الكريم العربي. وقد نشط دعاة هذه الملة الجديدة في هذين العامين في نشرها في البلاد العربية، وزار بعضهم مصر فلم يلتفت إليهم أحد على ما سبق زيارتهم من الدعوة وتأسيس لجنة لها، دخل فيها بعض الملاحدة ابتغاء الرزق. ثم زاروا سورية فكان من سوء حظها عناية بعض وجهائها في القدس والشام وبيروت بزيارتهم والحفاوة بهم. واشتغال الجرائد بنشر أقوالهم ومناظرات الناس لهم، على أن تلك المناظرات كانت - ولله الحمد - مُنفرة عن بدعتهم المنافية لدين الإسلام.

وقد أرسلوا إلى مصر بعض نسخ القرآن المجيد المطبوع مع ترجمتهم المحرفة، فأرسلتها مصلحة الجمارك إلى مشيخة الأزهر لأخذ رأيها في جواز إدخالها للبلاد حسب النظام المتبع في ذلك، فلم تأذن المشيخة بذلك، فقامت قيامة الفرقة الضالة، وطفقت تنشر في الجرائد وسائل الطعن في مشيخة الأزهر، زاعمة أن هذا حَجْرُ على نشر القرآن، وسيطرة على حُرية الفهم فيه !!

وليس الأمر كذلك، فإنّ مشيخة الأزهر لم تتعرض قط لحرية الفهم والتفسير، ولا لنشر الكتب المشتملة على الأفهام والأقوال المخالفة للمأثور عن السلف، ولا المؤيدة لبعض الفرق المخالفة للسُّنَّة من قديم وحديث،        ولكنها لا يُبيح لها الشرع الإسلامي أن تأذن إذناً رسميّاً بنشر ترجمة للقرآن الكريم محرَّفة له، يقصد بها ناشروها الدعوة إلى بدعة جديدة مخالفة للإجماع في أصول العقائد الإسلامية كبدعة الأحمدية القاديانية التي منها ادعاء استمرار الوحي، وأن المسيح الدجال (غلام أحمد القادياني) هو المسيح المنتظر، وأنه نسخ بعض أحكام القرآن. وقد أُرسلت نُسخ من هذه الترجمة إلى سورية منذ سنين، فأرسلتها مصلحة الجمارك في بيروت إلى مُفتيها صديقي الأستاذ الكبير الشيخ مصطفى نجا - عملاً بالنظام المتبع منذ عهد الدولة العثمانية كما وقع هنا - فذكر لي المفتي ذلك، فأخبرته بحقيقة هذه الفرقة الضالة التي تنشره، فعهد إلى بعض مُتقني اللغة الإنكليزية من مُسلمي بيروت بمراجعة ترجمة بعض الآيات المحرفة وبيَّنوها له.

فأفتى بمنع نشر الترجمة المطبوعة مع المصحف كما فعلت مشيخة الأزهر في هذا العهد فمنعتها السلطة المحتلة.    

فأي عاقل يطلب من مشايخ الإسلام ومفتيه الإذن الرسمي بهذا الضلال؛ لأن أصحابه ينشرونه بحماية المصحف الشريف، لصّد ما أنزله الله تعالى لأجله؟" انتهى هذا ما كتبته المنار في حينه، وهو يُبين بوضوح ردة فعل المسلمين نحو الترجمة المحرفة التي كان لها تأثير سيئ نحو الترجمة عموماً.

 

الحركة الكمالية وترجمة القرآن الكريم بالتركية :

      

قامت الحركة الكمالية في تركيا بإلغاء الخلافة الإسلامية، وتغيير الدستور العثماني وقوانين الشريعة الإسلامية بدستور مدني سويسري، وفرض ترجمة باللغة التُركية للقرآن الكريم، لتكون هي لغة الصلاة والعبادة، وقامت بتحريم الأذان باللغة العربية، وإبطال العمل بالحرف القرآني (العربي)، وسرعان ما ظهرت مختارات من القرآن الكريم مكتوبة بالحروف الجديدة (اللاتينية) ومُترجمة إلى التركية، استعداداً لاستعمال ترجمة فاتحة الكتاب المترجمة إلى التركية في الصلاة مكان النص العربي. وقد جاء في مجلة "العالم الإسلامي" الاستشراقية التنصيرية؛ تحت عنوان "الأتراك يكتشفون القرآن" [7]، أن شهر رمضان عام 1932م، قد صادف شهري يناير وفبراير في تلك السنة. وما كـد أن ينتصف رمضـان حتى فوجئ الناس بالخبر التالي منشوراً في جريدة "ملليت"، وكان ذلك في 22 يناير 1932م؛ الخبر يقول: "اليوم في الساعة الثانية سيُنشد "ياشار بك" الرئيس السابق لأوركسترا الموسيقى الشرقية -القرآن بالتركية في مسجد "يريبان"، وهو مسجد صغير مبنيَّ فوق مخزن المياه الأرضية بجوار أيا صوفيا. ومن المحتمل أن حافظ "ياشار بك" سوف يختار (سورة يس) التي هي في التركية كما يلي ...، ولاشك أن صوت وطريقة أداء "حافظ ياشار بك" سوف تزيد من أثر هذا  النص التركي، وسوف ينال "ياشار بك" شرف كونه أول حافظ يقرأ القرآن الكريم في لغة الأتراك.

 

ونحن نأمل أن حُفّاظاً يقتفون أثر"حافظ ياشار بك " ويبدؤون في القراءة للمعجبين من سامعيهم بلغتهم،  تبع ذلك قراءة في "مسجد سلجوق"، ثم قراءة في 29 يناير في مسجد "السلطان أحـمد" أكبر مساجد استانبول، وارتفع صوت المؤذن قائلاً :" تانري أولودور " بدلاً من : " الله أكبر ".

 

وانتهى المقال بأن الناس في الميادين استمعت للقراءة من خلال مُكبرات الصوت، وقوفاً تحت الثلج، واستمع المسلمون الأتراك في بلغاريا ورومانيا من خلال الإذاعة".

ولاشك أن هذا الأمر الخطير قُوبل في العالم الإسلامي بالسخط الشديد. وكتبت الصحــف أن كمال أتاتورك يـحاول نسف الإسلام من قواعده، وأن ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة التركية هي مؤامرة كُبرى على الإسلام، ونحمد الله أن الأذان في تركيا قد عاد إلى العربية، وإن أعذب أذان تسمعه الأُذن لهو أذان يخرج من القلب لمن حُرم منه فترة من الزمان، وأعني الأذان في تركيا الآن.

 في هذا الجو المكفهر بدأت الأوساط الإسلامية في العالم الإسلامي تتحدث عن موقف الإسلام من الترجمة، هل هي حلال أم حرام؟ وإلى أي طريق تُؤدي هذه الترجمات التي أحدثت جَرحاً عميقاً في وجدان الأمة الإسلامية؟ وانبرى العلماء كلُّ يدلي بدلوه في شرح رأيه في موضوع الترجمة.

 وقد بين الدكتور محمد أحمد السنباطي[8] في كتابه " ترجمة المعاني القرآنية " الأطوار التي مرَّت بها هذه المعركة الفقهية بتفصيل لمن أراد معرفة الدقائق والآراء المختلفة، واجتهاد كل فريق في هذا الموضوع الخطير.

 

 

 

 

العالم الإسلامي يتعرف على الترجمات الأوروبية:

 

عندما شعر المسلمون أن كتابهم الكريم يُترجم إلى اللغات الأوروبية المختلفة ممن هم ليسوا أهلاً لذلك - هذا إن صح أن القرآن الكريم يُمكن أن يُترجم - تأكد للقوم أن الدفاع عن كتاب الله الكريم واجب أمام هذا الهجوم.

وفي المقالات (الدراسات) القادمة بمشيئة الله تعالى سأتناول أصل هذا الهجوم وأبعاده وتاريخه واتجاهاته، مع خريطة تُوضح الترجمات المتأثرة بالترجمات اللاتينية الأولى التي مهدت الطريق أمام المترجمين في اللغات الأوربية الأخرى لجهلهم باللغة العربية.

وكانت هذه الترجمات اللاتينية هي الشرارة التي أشعلت نيران الحقد على كتاب الله في صورة مئات الترجمات في عشرات اللغات، وحاولت في هذه الخريطة تنسيب كل ترجمة إلى المصدر اللاتيني الذي أخذت عنه، ولونتها بلون مصدرها. وهذا العمل احتاج إلى جهد كبير تمكنت فيه من تنسيب العديد من الترجمات، ولم أتمكن من تنسيب تراجم أخرى. وتركت الذي لم يُنسَّب دون تلوين أملاً أن يتعاون العلماء المسلمون من العارفين باللغات الأوربية المختلفة بإتمام تلوين الترجمات حسب مصدرها ونسبها.

وقد وضعت الخريطة بمقياسين، الأول من عام 1540م حتى عام 1800م، بمقياس سنتيمتر لكل عشر سنوات، ومن عام 1800م حتى عام 1990م بمقياس سنتيمتر لكل خمسة سنوات، وذلك لكثرة الترجمات المطبوعة في القرن الأخير.

والخريطة تبين - بوضوح - المصدر الكنسي اللاتيني لمعظم الترجمات التي    ينقل بعضها عن بعض، ومن لغة إلى أخرى، رغم ادعاء الكثيرين بأن الترجمة تمت عن العربية. ورغم عدم تمام التنسيب لجميع الترجمات، فإن ما تم تنسيبه في الخريطة أظهر بوضوح المصدر الكنسي للتراجم الأوروبية عامة. ويمكن في ختام هذا المدخل أن أقول إن المسلمين يفسرون القرآن لحاجتهم لفهم معانيه، وغير المسلمين  يُترجمون ليُحرفوا الكلم عن مواضعه[9].    

ومن أراد القرآن فعليه بالعربية، فإن لم يستطع فالتفسير المترجم يكفيه حتى يتعلم العربية، فالقرآن الكريم لا يُعجَّم لأحد، بل على المسلم أن يتعرب للقرآن.

 

* -  بقلم: العالم الجليل  أ. د حسن المعايرجي - (رحمه الله) - 

_______________

 

[6] -  مجلة المنار - الجزء العاشر - المجلد 25 - صفحة 795 .

[7] - Moslem World. Vol. 23,1933.(Turkey discovers the Koran) by F.Lyman Mac Callum P.24-28.

[8] - د . محمد أحمد  السنباطي ، ترجمة المعاني القرآنية، مطابع الدوحة الحديثة، قطر، 1981م.

[9] - وللبحث تتمة عن الترجمات الأفريقية التي قام بها المنصرون والمارقون، ومحاولات المسلمين للرد على الترجمات بترجمات لا بتفاسير، وهذا هو  المنزلق الذي يجب ألا نقع فيه. " فالمسلم يفسر وغير المسلم يترجم " .

 

 

 

 



مقالات ذات صلة