تفاصيل المقال

من العجز والجهل .. التشكيك في مصدر القُرآن الإلهي - (1)  - بقلم: أ. د  إبراهيم عوض

من العجز والجهل .. التشكيك في مصدر القُرآن الإلهي - (1) - بقلم: أ. د إبراهيم عوض

أساس التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، ثم انضاف إلى هذا المصدر أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، التي لم يكن لها أن تحتل هذه المكانة دون وجود القرآن أَوَّلًا، إذ لولا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نزل عليه القرآن لما وَصَلَتْنا عنه أحاديث يشرح فيها الكتابَ الكريمَ، ويطبقه على وقائع الحياة، ويضيف إلى تشريعاته تشريعات أخرى انطلاقا منه وتوخياً لغاياته، ولا كان هناك إجماع أو استحسان أو مصالح مرسلة.

 

 هذا ما نؤمن به نحن المسلمين، أما أعداء الإسلام، فيشككون في مصدر القرآن زاعمين أنه ليس من عند الله، بل من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، لفَّقه من هنا ومن هناك، وألصق هذه التلفيقات بعضها ببعض، وجعل منها كتاباً ادعى أنه من عند الله أوحاه الله إليه وأمره بإذاعته في العالمين!.

 

المستشرقون وأزلامهم يقودون قاطرة التشكيك

 وقد تولى كبر ذلك الادعاء الباطل جمهور المستشرقين والمبشرين، وتابعهم عليه بعض ممن ينتسبون إلينا ويُعَدُّون منا ويحملون مثلنا أسماء إسلامية. فمثلا نجد خليل عبد الكريم في كتابه: "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" يعمل بكل قواه على إيهام القارئ بأن الإسلام لم يأت في ميدان الشريعة بشيء من عنده، بل استعار شرائعه من هنا وهناك!.

 

ثم إنه لا يكتفى بهذا بل يدّعى أيضاً أنه بهذا الذى يقوله قد أتى بالجديد الذى لم يسبقه إليه سابق، وأنه ابن بجْدتها في كشف سرقة الإسلام نظامه التشريعي من مصادر خارجية. وهو زعم كاذب، إذ قد سبق المستشرقون والمبشرون إلى ترديد هذه الأقاويل الرخيصة المتهافتة كما قلت آنفا، وكل دوره منحصر في تكرير ما قالوه!.

ذلك أن ثقافته لا تُؤهله إلى الوصول إلى تلك المصادر المزعومة، ودوره هو وأمثاله منحصر في الترويج لمثل تلك المفتريات الاستشراقية التبشيرية دون أن يضيفوا إليها شيئا.

 

وهناك كتاب له عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم عنوانه: "فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" يزعم فيه زعماً وقحاً أنه ليس سوى صنيعة نصرانية أعدتها خديجة بنت خويلد وورقة بن نوفل. وقد بينت في كتابي: "لكن محمدا لا بواكي له" أن ما جاء في ذلك الكتاب لا يخرج عما كتبه المسمى: أبا موسى الحريري في كتابه: "قس ونبي" حذو النّعل بالنّعل لم يأت فيه بشيء من عنده، لأنه لا شيء عنده يمكن أن يأتي به. ودوره هو دور الكبش الخشبي الذى تُكْسَر به أبواب القلاع.

وقد اختير من بين المنتسبين للإسلام حتى تكون الضربة مُوجِعة ومُوهِمة للأغرار السطحيين أن الإسلام دين هش ضعيف، فها هم أولاء أبناؤه يكتشفون هذا الضعف ويفضحون تلك الهشاشة!.

 

لقد سبقه إلى دعواه في "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" كثير من المستشرقين والمبشرين، كلٌّ وقف أمام هذا التشريع أو ذاك من تشريعات الإسلام، أو هذه العبادة أو تلك من عباداته، وحاول بالتدليس والكذب والبطلان الإيهام بأنها ترجع إلى مصادر خارجية. ومن يطالع "دائرة المعارف الإسلامية" الاستشراقية مثلاً يجد أن كَتَبَتَها لم يكادوا يغادرون شيئا في الإسلام إلا وأرجعوه إلى أحد تلك المصادر أو بعضها.

 

افتراءات المستشرقين على الإسلام لا تنتهي!

 أما الكتب المفردة فيمكن الإشارة إلى ما كتبه (جولد تسيهر)، و(هنري كوبان) عن تأثير الزرادشتية على الإسلام، وما كتبه (أبراهام جايجر)، و(كاتش وتورى) عن تأثير اليهودية، وما كتبه (ريتشارد بل) عن تأثير النصرانية، وما كتبه (فلهاوزن)، و(نولدكه)، و(هرجرونه)، و(روبرتسون سميث) عن تأثير دين الصابئة والوثنية الجاهلية، بالإضافة إلى مؤلفات (تسديل)، و(كلير)، و(ابن الوراق) وأمثالهم في هذا الصدد.

والواقع أن هذا الذى يبدئون القول فيه ويُعيدون سخف ما بعده سخف، إذ معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت عنده مكتبة دينية ضخمة تتناول الأديان المختلفة كلها يخلو إليها وينظر فيها ويوازن ويختار، ثم في النهاية يرُكب من كل ذلك دينه الجديد، أو كان لديه مستشارون دينيون في كل تخصص يرفده كل منهم بما يجده نافعاً مفيداً للدين الذى ينوى إظهاره للعالم كي يدشنه العالم نبيّاً جديداً.

 

 لكن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ أو يكتب، ومن ثم فموضوع المكتبة الدينية خارج الحساب. ولنفترض أنه كانت هناك رغم ذلك مكتبة، فأين كان النّبي صلى الله عليه وسلم يضع مثل تلك المكتبة؟!، التي لم يرها أحد ولا سمع بها أحد؟! ومن أين جلب مُجلداتها؟ بل هل كانت هناك كتب في الجزيرة العربية في تلك الأيام أصلاً، بله أن توجد مكتبات؟! وحتى لو غضضنا الطرف عن ذلك أيضا .. فمتى كان يخلو النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المكتبة بنفسه وكتبه يقرأ ويصطفى ما يراه لازما لمشروعه القادم؟!

 

 لقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم  كتاباً مفتوحاً؛ وبخاصة أنّ مكة كانت بلداً صغيراً يعرف فيه كل إنسان أخاه، بحيث لا يمكن أن يَفوت هذا الأمر عيون المكيين؟ لكن الافتراض الآخر لا يقل عن افتراض المكتبة سخافة ولا استحالة، إذ مَن أولئك الناس الذين كانوا يعملون له مستشارين ومعاونين؟! وأين كانوا يعيشون؟! وكيف لم يرهم أو يسمع بهم أحد؟! بل كيف لم يتقدم أحد، أيّ أحد، في حياة محمد صلى الله عليه وسلم أو بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ليقول إنه أحد مُستشاريه أو مُعلميه؟ يا لتلك التفسيرات من تفسيرات مُنحطة قميئة!!

 

نسف أباطيل المستشرقين والمنصرين من الجذور:

ولقد أخرجت منذ ثلاث سنوات تقريبا كتابا بعنوان: "على هامش الحضارة العربية لجوزيف هِلْ" رددت فيه على الادعاء المبطَّن لهذا المستشرق الجرماني، بأن محمداً صلى الله عليه وسلم أخذ شعيرة الصلاة عن اليهود أو النصارى!. قال: "من المحتمل أن تكون اليهودية أو النصرانية قد أوحت (إلى النّبي) شكل العبادة المعروفة فيها. وأيا ما تكن الحقيقة في هذا، فقد اكتسبت الصلاة بين المسلمين قوة وأهمية خاصة".

 قال ذلك رغم أنه لم تكن هناك كنيسة أو معبد يهودي في مكة، حيث كان ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم الوحى لمدة ثلاثة عشر عاماً، وحيث كان المسلمون الأوائل بعد ذلك يؤدون صلاتهم.

 

 كي يأتي فَسْلٌ من فسول الاستشراق، فيقول: إنهم قد رَأَوُا اليهود والنصارى أثناء صلاتهم فتأثروا بهم، واسْتَوْحَوْا عبادتهم منهم. ومن ناحية أخرى فإنّ صلاة الإسلام تختلف تماماً عن صلاة اليهود والنصارى في كل شيء، سواء في الأقوال أو الأفعال أو الحركات، وقبل ذلك في مفهوم الإله الذى تُقَدَّم له الصلوات.

 كما أن تخطيط المسجد يختلف عن كنيس اليهود وكنائس النصارى. ومن المعروف أن الصلاة الإسلامية لا تعرف الغناء ولا الموسيقى بتاتاً على عكس ما هو موجود لدى اليهود والنصارى.

 

صلاة يهودية على أنغام الموسيقي وأصوات المطربين!.

وقد قرأت في [صحيفة "المصري اليوم"، بتاريخ 10/ 6/ 2009م]، تقريراً صحفياً بقلم محمد عبود، عنوانه: "إسرائيل من الداخل: اليهود العرب يُؤدون الصلاة على أنغام أم كلثوم، وعبد الوهاب، والشيخ زكريا أحمد، جاء فيه ما يلى: "حبوشة واحد من عشرات المنشدين اليهود الذين مزجوا أدعيتهم وترانيمهم الدينية بموسيقى عبد الوهاب، وأم كلثوم، وفريد، وأسمهان، والسنباطى، فاكتسبوا شهرة هائلة في أوساط اليهود العراقيين والمصريين واليمنيين والمغاربة بسبب البهجة التي يُضفونها على الصلوات التي تُقام في المعابد مساء كل سبت. عشرات الرجال والنساء من اليهود العرب يجلسون في المعبد وكأن على رؤوسهم الطير. تتمايل أجسادهم طرباً بينما تصدح في قاعة الصلاة ألحان الشيخ زكريا أحمد. يتهادى مقام الهزام شيئا فشيئاً، ويصير اللحن شجيّاً، وتكاد تسمع كوكب الشرق تشدو بكلمات بيرم التونسي: "الورْدِ جميلْ. جميلِ الورْد"، لكن صوت أم كلثوم غائب عن المشهد.

 ويظهر على المنبر الحاخام موشيه حبوشة يطلق بصوته: "يا عين يا ليل" طويلة وملهمة، ثم يترنم بالعبرية: "إلهك إله واحد. وحد إلهك. إلهك إله واحد. وحد إلهك"، وتتهادى في الأفق صلاة يهودية تفيض بالتسابيح والاستغفار والتضرع لرب العالمين. لا تستطيع أن تقطع برد فعل "الست" أم كلثوم لو كانت على قيد الحياة الآن: هل كانت ستغضب وتعتبر ما يحدث تشويهاً لتراثها الغنائي، أم كانت ستعتبر نفسها "قوة ناعمة"، وتقف شامخة لتغنى: "وقف الخلق ينظرون...كيف أخترق الثقافة اليهودية وحدى"؟!

ونتيجةَ نجاحِهم الكبير تسابقت شركات الإنتاج الفني إلى طبع صلواتهم في أسطوانات مُدمجة تحقق مبيعات ضخمة، وأرباحاً هائلة. "نظرةْ عينيكْ تسحرْني. والشوقْ إليكْ حيرني. عطف وحنانْ من الزمانْ. ولَّا عشانْ جميلْ جَمَال". كلمات غناها فريد الأطرش في "لحن الخلود" تحولت بقدرة قادر إلى "الخير في عينيك، والتقوى على شفتيك. إلهى يحفظك من أخطائك، ويحميك من أعدائك"، وحل صوت بالعبرية محل صوت فريد، وبقى اللحن على حاله"!!.

 

هدى الله أمة الإسلام ليوم الجمعة، وأضلّ اليهود والنصارى ..

ثم إن اليوم الذى تتم فيه الصلاة الجماعية الأسبوعية في الإسلام هو يوم الجمعة، بينما اليوم الأسبوعي في اليهودية هو السبت، وفى النصرانية الأحد. وفوق ذلك فالمسلم لا يَحْرُم عليه العمل في ذلك اليوم، بل كل ما هو مطلوب منه التوقف عنه للذهاب إلى الصلاة فقط لا طوال اليوم كما هو الحال في سبت اليهود، الذى يجب أن يستريح فيه بنو إسرائيل من كل عمل هم ونزلاؤهم وعبيدهم وحيواناتهم، فلا زرع ولا نسج ولا خبز ولا صيد ولا ذبح ولا سلخ ولا بيع ولا إشعال نار أو إطفاءها مثلا، ومن خالف ذلك فلا بد أن يُقْتَل!.

 وعلى بنى إسرائيل أن يقدموا قرباناً لله في ذلك اليوم على نحو مخصوص، ويجتمعوا في المعبد يُرتلون الأناشيد والمزامير، ويقرؤوا بعض نصوص العهد القديم. كما أن المسلم لا يعتقد، كما يعتقد اليهودي، أن الله قد تعب من خلق الكون فاستراح يوم السبت، وعليه هو أيضا أن يستريح في ذلك اليوم كما استراح الله. فالله في الإسلام لا يُصيبه لغوب حتى يستريح!.

 

وإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ)) [صحيح مسلم؛ برقم: (856)]. لَيَعْكِسَ المسألة عكساً تامّاً، إذ يبين بجلاء ما بعده جلاء أن الإسلام لا يدين في شأن ذلك اليوم وعبادته بأي شيء لأهل الكتاب. ولو كان الأمر بخلاف ذلك ما سكت اليهود ولا النصارى و لردُّوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه إنما أخذ الصلاة من دينهم.

 

كذلك فالإسلام، منذ وقت مبكر، قد أدان ما اعترى كلتا الديانتين من تطور حَادَ بها عما كانت عليه لَدُنْ نزولِها من عند الله، فكيف يستوحى صلاة هؤلاء أو هؤلاء رغم ذلك؟ كما أن الصلاة في الكنيسة تتم أمام التماثيل والصور، وفى الإسلام لا تماثيل ولا صور في أماكن العبادة، بَلْهَ أن كثيراً من المسلمين يرون التماثيل حراماً بإطلاق: في مواضع العبادة أو في سواها.

 

بل إن الصلاة عند اليهود والنصارى قد خضعت لتطورات شتّى، ولم تثبت على وضع واحد بخلاف صلاتنا نحن المسلمين، فهي هي نفس الصلاة، التي كان يُصليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين على وجه التطابق لم يُخْرَم منها شيء، وهو القائل صلى الله عليه وسلم لأمته: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) [أخرجه البخاري في صحيحه؛ برقم: (605)].

 

ثم إن صلاتنا يلزمها وضوء، أما الصلاة لدى أهل الكتاب فليس لها وضوء كوضوئنا. وفوق هذا وذاك لم نسمع أحداً من اليهود أو النصارى يُعاير النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد اسْتَقَى صلاته من الطريقة التي يعبدون هم الله بها. بالعكس كان اليهود مثلاً يسخرون من المسلمين في المدينة كلما نادَوْا إلى الصلاة، كما قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 58].

 

الإسلام ونعمة الصلاة، بدءاً من الأذان .. الله أكبر ..

وإذا كان الرسول قد تحّرج من أخذ الناقوس أو البوق عن اليهود والنصارى كأداة للأذان، والأذان مُجرد تنبيه للمسلمين كي يهبُّوا فيستعدوا للصلاة، ويذهبوا إلى المسجد، فهل تراه يقبل أن يستوحى الصلاة ذاتها منهم؟! كيف ذلك؟ وبأي منطق؟!.

 

ففي ["التمهيد"، لابن عبد البر: [(ج24/ص – 20 -21)]: ((اهتمَّ النبيُّ للصلاةِ: كيفَ يجمع الناس لها، فقيلَ له: انصبْ رايةً عندَ حضورِ الصلاةِ، فإذا رَأَوْهَا آذنَ بعضهم بعضا. فلم يُعجبه ذلك. قال: فذُكِرَ له القُنْعُ (يعني الشَّبُّورُ. وقال زياد: "شَبُّورُ اليهودُ")، فلم يُعجبه ذلك. قال: هو من أمرِ اليهودِ. فذُكِرَ له الناقوسُ، فقال: هو من أمرِ النّصارى. فانصرفَ عبد الله بن زيدٍ، وهو مهتمٌّ بِهَمّ النبيِّ ، فأُرِيَ الأَذَانَ في مَنامِهِ. قال: فغَدَا على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: يا رسولَ اللهِ، إني ليس بنائمٍ ولا يقظانَ إذ أتاني آتٍ فأراني الأذانَ. قال: وكان عمرُ بن الخطابِ قد رَآهُ قبلَ ذلك فكتمه عشرين يوماً، ثم أخبرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ما منعكَ أن تُخبرنا؟))، فقال: سبقني عبد الله بن زيدٍ، فاستحييتُ. فقال رسولُ اللهَ صلى الله عليه وسلم: ((يا بلالُ، قم فانظرْ ما يأمرك به عبد الله بن زيدٍ فافعله)). قال: فأذَّنَ بلالٌ")).

 

ولو كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يستوحى شيئاً من أمور الصلاة عن هؤلاء، أو هؤلاء، لكان من باب الأولى قد أخذ عنهم سبتهم أو أحدهم، وهو مجرد يوم تُؤدى فيه العبادة الأسبوعية، وليس هو العبادة نفسها.

فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد حرص على تميز المسلمين بيوم صلاتهم الجماعية الجامعة، فهل تراه يُفكر مجرد تفكير في استيحاء الصلاة كلها منهم؟!، وقد بلغ من حرصه على التميز في موضوع الصلاة أن سمّى مَعْبد المسلمين: "مسجداً" لا كنيسة، ولا كنيسا.

 

ثم أين الأخبار التي تقول: بأن موضوع استيحاء الصلاة، مجرد استيحائها فقط، من اليهود قد وُضِع على بساط البحث؟ أم إن الأمر لا يعدو عند المستشرق أن يكون مجرد خاطر ينبت في ذهنه بغتة من حيث لا ندرى له مَصْدَرًا ولا مَأْتًى؟!

 

وأمّا الصلاة عند اليهود .. فهذه قصتها !

ولكى يُدرك القارئ ما في كلام هذا المستشرق من زيف وتنطع، أنقل له النّص التالي عن الصلاة في الديانة اليهودية من [موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" للدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله-] وهي صلوات مُعقّدة عند قراءتها ستُدرك كم هي عظمة ورعة وجمال الإسلام، ومن خلال هذا النص يتضح ألاّ صلة البتة بين صلاتنا وصلاة اليهود بأي حال من الأحوال؛ حيث كتب تحت عنوان: ("الصلوات اليهودية")، ما نصه: "الصلوات العبرية: "تفيلاه" بالعبرية، وكانت تعني في أصلها "الإرهاق"، أو "تعذيب الذات وإظهار الخضوع". والصلاة أهم الشعائر التي تُقَام في المعبد اليهودي. ويذكر سفر "التكوين" جُملة صلوات مُتفرقة وعبادات، كما يذكر الضحايا والقرابين التي يجب أن يُقدمها اليهودي للإله. ولم تكن الصلوات في بادئ الأمر مُحدَّدة ولا إجبارية، بل كانت تُتْلَى ارتجالاً حسب الأحوال والاحتياجات الشخصية والعامة. وثمة إشارة إلى بعض المظاهر المقدَّسة مثل وضع بعض الأحجار على هيئة مذبح قبل التضرع للإله. ومع التهجير إلى بابل بطلت الضحايا والقرابين، وظهرت العبادات بالصلوات. وقد بدأ علماء المجمع الأكبر في وضع قوانينها وفي تقنينها ابتداءً من القرن الخامس قبل الميلاد. ولم تكتمل هذه العملية إلا بعد هدم الهيكل وانتهاء العبادة القربانية المركزية التي كانت تأخذ شكل تقديم الحيوانات والنباتات، وحلّت محلها الصلاة التي كان يُطْلَق عليها "قربان الشفتين" أو "عبادة القلب". واستغرقت هذه العملية، كما تقدَّم، وقتًا طويلًا. وعلى أية حال فإنها لم تستقر تمامًا، إذ كان يُضاف إلى الصلوات (قصائد البيُّوط) التي يؤلفها الشعراء الدينيون. ثم أُدْخِلَت تعديلات جذرية على الصلوات ابتداءً من أواخر القرن الثامن عشر.

 

ولا يزال مضمون الصلوات خاضعًا للتغيير حسب التغيرات السياسية والأحداث التاريخية: ففي صلاة الصبح كان اليهودي يشكر الإله على أنه لم يخلقه أُمميًا، أي من غير اليهود (الأغيار). والجزء الختامي من الصلاة نفسها والذي يُتْلَى أيضًا في صلوات (رأس السنة اليهودية)، و (يوم الغفران) يبدأ بالدعاء التالي: "نحمد إله العالمين... أنه لم يجعلنا مثل أمم الأرض... فهم يسجدون للباطل والعدم، ويُصلون لإله لا ينفعهم". وقد حُذِف الجزء الأخير من الصلوات في غرب أوربا، وظل يُتَدَاوَل شفويًّا في شرق أوربا وإسرائيل.

 

وبدأ يُعَاد طبعه مرة أخرى في كتب الصلوات في إسرائيل. كما يمكن أن تُضَاف أدعية وابتهالات مرتبطة بأحداث تاريخية وقومية مختلفة ودعاء للحكومة. وقد كانت الصلاة تُقَام بالعبرية أساسًا. ولكنْ مع حركة إصلاح اليهودية أصبحت الصلاة تُؤَدَّى بلغة الوطن الأم، وإن كـان الأرثوذكس قد احتفظوا بالعبرية. ويُطَعِّم المحافظون صلواتِهم بعبارات عبرية.

 

وتُعَدُّ الصلاة واجبة على اليهودي الذَّكَر؛ لأنها بديل للقربان الذي كان يُقدَّم للإله أيام الهيكل، وعلى اليهودي أن يداوم على الصلاة إلى أن يُعَاد بناء الهيكل، وعليه أن يبتهـل إلى الإله لتحقيق ذلك. أما عدد الصلوات الواجبة عليه فهي ثلاث صلوات كل يوم: 1- صلاة الصبح (شحَاريت)، وهي من الفجر حتى نحو ثلث النهار. 2- صلاة نصف النهار، وهي صلاة القربان (منْحه)، من نقطة الزوال إلى قبيل الغروب. 3- صلاة المساء (مَعَاريف)، من بعد غروب الشمس إلى طلوع القمر. وكانت الصلاتان الأخيرتان تُخْتَزَلان إلى صلاة واحدة (منحه- معاريف).

 

 ويجب على اليهودي أن يغسل يديه قبل الصلاة، ثم يلبس شال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلين) في صلاة الصباح، وعليه أيضًا أن يُغطي رأسه (بقبعة اليرمُلكا).

والصلوات اليهودية قد تكون مُعقدة بعض الشيء، ولذا سنكتفي بالإشارة إلى القواعد العامة والعناصر المتكررة: 1- يسبق الصلاة تلاوة الأدعية والابتهالات، ثم قراءة أسفار موسى الخمسة في أيام السبت والأعياد، وتعقبها كذلك الابتهالات والأدعية. وهذه الأدعية والابتهالات لا تتطلب وجود النِّصَاب (منيان) اللازم لإقامة الصلاة لأنها ليست جزءًا أساسيًّا من الصلاة.

 

 أما الصلاة نفسها فتتكون من: أ- الشمَّاع، أي شهادة التوحيد اليهودية. ب- الثمانية عشر دعاء (شمونة عسْريه) أو العميداه. وهي تسعة عشر دعاء كانت في الأصل ثمانية عشر، ومن هنا كانت التسمية. ج- دعاء "القاديش". هذا، وتُضَاف صلاة تُسَمَّى: "موساف" (الإضافي) يوم السبت وأيام الأعياد. أما في عيد يوم الغفران فتبدأ الصلاة بتلاوة دعاء كل النذور في صلاة العشاء، وتُضاف صلاة تُسمَّى: "نعيلاه" (الختام).

 

والصلاة نوعان: فردية ارتجالية تُتْلَى حسب الظروف والاحتياجات الشـخصية، ولا علاقـة لها بالطقوس والمواعيد والمواسم. وأخرى مشتركة، وهذه صلوات تُؤَدَّى باشتراك عشرة أشخاص على الأقل يُطْلَق على عددهم مُصطلَح "منيان"، أي النِّصاب، في مواعيد معلومة وأمكنة مخصوصة حسب الشعائر والقوانين المقررة. ويردد الصلوات كل المشتركين فيها إلا أجزاء قليلة يرددها القائد أو الإمام أو المرتل (حزَّان) بمفرده.

ويتجه اليهودي في صلاته جهة القدس، وأصبح هذا إجراءً معتادًا عند يهود الشرق كافة. أما في القدس نفسها، فيولي المصلي وجهه شطر الهيكل. وتوجد كتب عديدة للصلوات اليهودية لا تختلف كثيرًا في أساس الصلاة والابتهالات، ولكن الخلافات تنحصر في الأغاني والملحقات الأخرى.

 

وقد تغيَّرت حركات اليهود أثناء الصلاة عبر العصور: ففي الماضي كان اليهود يسجدون ويركعون في صلواتهم (ولا يزال الأرثوذكس يفعلون ذلك في الأعياد)، ولكن الأغلبية العظمى تصلي الآن جلوسًا على الكراسي كما هو الحال في الكنائس المسيحية، إلا في أجزاء مُعيَّنة من الصلاة مثل: تلاوة الثمانية عشر دعاء (شمونه عسريه)، فإنها تُقْرَأ وقوفًا في صمت.

 

ولا يخلع اليهود نعالهم أثناء الصلاة (باستثناء الفلاشاه والسامريين). ويُلاحَظ أن عدد المصلِّيات في الوقت الحاضر يزيد على عدد المصلين في كثير من المعابد اليهودية (الإصلاحية أو المحافظة) مع أن العقيدة اليهودية لا تكلف النساء بالذهاب إلى المعبد، وليس بإمكـانهن تـلاوة الأدعية إلا في أجزاء من أدعية معينة مقصورة عليهن. ولا شك في أن المحيط المسيحي قد ترك أثرًا في اليهودية في هذا الشأن.

 

وقد اكتسبت الصلاة أهمية غير عادية في التراث القبَّالي الحلولي، فالقبَّاليون يؤمنون بأن ما يقوم به اليهودي في العالم السفلي يؤثر في العالم العلوي. والصلوات من أهم الأفعال التي يقوم بها اليهودي في هذا المضمار، فالصلاة مثل التعويذة السحرية التي يستطيع من يتلوها أن يتحكم في العالم العلوي.

 

ولما كان اليهود العنصر الأساسي في عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون)، وهي العملية التي تتم بمقتضاها استعادة الشرارات الإلهية التي تبعثرت، وولادة الإله من جديد، فهي تُسْرِع بالتقريب بين العريس/ الملك، والعروس/ الملكة (الشخيناه) وتوحِّد بينهما، كما تسهم في عقد الزواج المقدَّس بينهما.

 

ولذا فإن اليهودي قبل أن يؤدي صلاته يقول: "من أجل توحيد الواحد المقدَّس... مع أنثاه (الشخيناه)"... وحينما يتلو اليهودي دعاءً قبل الصلاة فإنه يقول فيه إنه سيقوم بالصلاة حتى يتحقق الزواج المقدَّس (هازيفوج هاقادوش). ولكل فرقة يهودية منهاج أو عرف خاص بها. ولذا يمكننا الحديث عن المنهاج الإشكنازي، والمنهاج السفاردي".

 

* - للدراسة -صلة- بمشيئة الله تعالى .. 

 

* - بقلم: العالم الجليل الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض  



مقالات ذات صلة