تفاصيل المقال

سورة الإسراء تقُصُّ نهاية بني إسرائيل ..بقلم:  العالم الجليل، العلاّمة الشيخ عبد المعز عبد الستار  (رحمه الله) ..

سورة الإسراء تقُصُّ نهاية بني إسرائيل ..بقلم: العالم الجليل، العلاّمة الشيخ عبد المعز عبد الستار (رحمه الله) ..

قال الله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) [سورة الإسراء].

أطبق المفسرون على أن ذلك الفساد والإفساد وقع منهم مرتين: في الماضي قبل الإسلام، أيام أن علوا وغلوا وقتلوا الأنبياء وكذّبوا المرسلين، وإن اختلفت أقوالهم في ذلك اختلافاً كبيراً في تحديد نوع إفسادهم الأول وزمنه والمسلط عليهم فيه، وكذلك في الثاني ..

 

والذي يعنيني أن أكشف عنه وأن أُثبته في هذا البحث أمران:

الأول: أنّ هاتين المرّتين لم تكونا قبل البعثة، وإنما هُما في الإسلام.

الثاني: أنّ المرة الأولى كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والآخرة: هي التي نحن فيها الآن، والتي ستسوءُ فيها وُجوههم، وندخل المسجد كما دخلناه أوّل مرة، ونُدمّر فيها ما علوا تدميراً، إن شاء الله رب العالمين ..

 

وأبادر فأُطمئن الذين يهولهم هذا التخريج، فيرونه مُخالفة للمأثور أو المعروف من أقوال المفسرين، إلى انه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيء، وإلى أن المأثور عن بعض الصحابة مُضطرب لا تقوم به حُجّة، وإلى أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون تاريخاً أو تأويلاً، لا يُقال في مُخالفته: أنّه تحريف للكلم عن مواضعه ..

 

وأعود بعد لإثبات الأمر الأول، فأقول:

الحديث عن الإسراء تبشير وإنباء بمستقبل:

الثابت أنّ الإسراء وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة، فإنّ سورة الإسراء أُنزلت كذلك، فهي مكيّة إلاّ آيات معلومات، وقد كان المسلمون يومئذ بمكة قليلٌ مُستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطّفهم النّاس، فلم يكن لبني إسرائيل يومئذ صلة ولا شأن مع المسلمين، ولم يكن لهم أثر بمكة ولا خطر، يقتضي أن يتحدّث الله عنهم في سورة مكيّة بمثل هذا التفصيل ..

فما السّرُّ في أن يُخبر الله عن إسراءه برسوله صلى الله عليه وسلم في آية واحدة أول السورة، ينقطع بعدها الحديث عن الإسراء جُملة إلى آخرها، ويبدأ الحديث عن بني إسرائيل، وما أنعم عليهم وعهد إليهم، وعن دور خطير يكون لهم ..

وما وجه المناسبة بين هذه الآيات والأحداث؟

الّسّرُّ في ذلك أنّ الله يُحدّثُ عن الإسراء بقدر ما يُبشّرُ نبيه والمسلمين المضطّهدين بمكة المستضعفين في الأرض، بأنّ أمرهم سيمتد ويعلو وشيكاً حتى تَدين لهم عاصمة الشّرك وعاصمة أهل الكتاب، فهو سبحانه وتعالى يقول: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)، ولم يقُل من مكة إلى بيت المقدس كما هُو الحال، إذ الكعبة يومئذٍ لم تكن مسجداً، وإنّما كانت بيتاً تقوم حوله الأصنام، ويُطيّفُ به العائدون المشركون، ولم يكن هيكل داوود وسليمان في دولة يهوذا وإسرائيل مسجداً، وإنما كان بيتاً يأكل بنو إسرائيل من حوله السُّحت ويعيثون الفساد ..

 

ولكن الله عزو وجلّ حدّث عن هذا الإسراء بأنه انتقال من مسجد إلى مسجد، تبشيراً للمسلمين بأن أمرهم سيعلو ويتم، بحيثُ يُصبح البلد الذي استُضعفوا فيه وهانوا وحُلّت حُرماتهم فيه "مسجداً حراماً" ودار أمن وإسلام، ليس هذا فحسب بل سيمتد نُفوذه وضياؤه بحيثُ يصل عاصمة أهل الكتاب، ويُصبحُ هيكل داوود وسُليمان لهم "مسجداً أقصى" كذلك فهم أولى به (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) ..   

وهُنا يتضح الجواب ويظهر وجه المناسبة بين قوله تعالى: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ... وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ) وبين آية الإسراء الأولى ..

فقد اتصل الحديث، وإن انتقل الكلام من الإنباء بمصير الهيكل إلى الإنباء عن مصير أهله ..

 

سورة بني إسرائيل ..

وبحق ما سُمّيت سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل، فإنها أحق بهذه التسمية وأجدر، لأنها لم تتحدث عن الإسراء إلاّ بقدر ما بشَّرت بصيرورة الكعبة والهيكل للمسلمين حرماً ومسجداً، ثم اتصل الحديث ببني إسرائيل وخطْبهم مع المسلمين بعد، فقال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا)، فإذا لاحظنا أن الله عز وجل لم يُحدّث عن بني إسرائيل في سورة مكيّة إلاّ بمقدار ما تُساق العبرة من مواقفهم من موسى ووصاياه، وموقفهم من فرعون وجنوده، وحدّث عنهم في السور المدنية كثيراً فسجّل لهم ضُروباً من الفساد والإفساد، فحدّث عن نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قُلُوبنا غُلف، وحدّث عن ظُلمهم، وصدّهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل ..

وحدّث عن اعتدائهم في السبت، وحذّرهم الموت، وسكوتهم على المنكرات، واشْتراءِهِم بآيات الله ثمناً قليلاً، وحدّث عن قتلهم أنفسهم، وإخراجهم فريقاً من ديارهم يتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وقولهم ليس علينا في الأميين سبيل ... إلخ ..

 

الإفساد مرتين ..

  فإذا لاحظنا هُنا أن الله ينص على أنّه قضى أنهم يُفسدون في الأرض مرتين، فإذا جاء وعد أولاهُما كان كذا ... دلّ ذلك على أنّ المرتين غير ما سبق أن سجّل لهما، وأنهما يقعان في المستقبل بالنسبة لمن أُنزل عليه "الكتاب" صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ الحديث من أوّله تبشير وإيماءٌ لمستقبل، فذلك من الإنباء بالغيب والإخبار بما لم يقع، وإلاّ فهُم أفسدوا من قبل سبعين مرّة، فالمرتان المعنيّتان في الآية وقعتا بعد، وقد أكّد ذلك إعجاز القُرآن، وصدقُ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ..

أولاهما: قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) [الإسراء: 5] .. لا تنطبق هذه المرة تمام الانطباق إلاّ على الدور الذي قاموا به على عهد النّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما عاقبهم الله به وسلّط عليهم فيه ..

 

فهم أفسدوا في الأرض، ونقضوا عهد الله ورسوله، وكان صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم لأوّل ما وصل المدينة: "أنهم أُمّة مع المسلمين ، للمُسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وأنّ بينهم النصرة والأسوة والبر دون الإثم غير مظلومين، ولا مُفاخر عليهم، وأنهم يدٌ واحدة على من حارب أهل هذه المعاهدة، او داهم يثرب ... إلخ" ..

رغم هذه الرعاية والمُصَافاة والمساواة، انطلقوا بالمكر والبغي والفساد في الأرض، يُشككون في شخص النبي صلى الله عليه وسلم ونزاهته ورسالته، ويُفتون المشركين أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ..

ويفتحون دورهم وصدورهم لأعداء النبي صلى الله عليه وسلم، ويُدلُّونهم على عورات المؤمنين، وبلغ من أمرهم أن همُّوا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن هيّجوا قُريشاً وغطفان حتى حاصروا المدينة للقضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته وأتباعه، وانضمُّوا إليهم، ونقضوا عهد الله ورسوله في ساعة العسرة ويوم الأحزاب، فسلّط الله عليهم عباده المؤمنين فأجلوا بني النضير، وقتلوا بني قُريظة وسَبَوْهُم، ثُمّ فتحوا خيبر، ثُمّ منّ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فاستبقاهم عُملاء، حتى أجلاهم عُمر في خلافته، وكان وعداً من الله للمؤمنين بالتمكين، وقد فعل.

 

هذه هي المرة الأولى لا تنطبق أوصافها إلاّ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

(أ) – فهم الذين يستحقون شرف هذه النسبة "عباد لنا"؛ لأنهم الموحدون أتباع عبد الله الذي أُسري به، أمّا أتباع "بختنصر" أو "سابور" أو "ضحابين" أو "سنحاريب" .. إلخ ما اضطربت فيه أقوال المفسرين، فقد كانوا عُبّاد وثن لا يستحقون شرف الاختصاص بالله في قوله (لَنَا) ..

(ب) – وهُم الذين وصفهم الله في كتابه بأنهم: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29] ..

(ج) – وهُم الذين لم يُكلّفهم تأديب اليهود إلّا أن (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ)، أمّا أتباع "بُختنصر"، فقد ذكروا أنّه قُتل على دم "زكريّا عليه السلام" سبعين ألفاً، وأنّه دخل بيت المقُدس فَسَبى أهله، وسَلب حُلِيّهُ .. إلخ، فهو اجتياح، وليس جوساً خلال الديّار .

 

رد الكَرَّة ..

قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) .. رَدّت (الكَرَّة) لليهود علينا بعد ألف وثلاثمائة ونيّف وسبعين سنة من تأديب الله لهم منذ بعث عليهم عباده المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ) ..

 

بعد هذه المدة التي أشار الله سبحانه وتعالى لطولها بقوله (ثُمّ) التي تقتضي في العطف تراخياً في الأجل –رُدّت لليهود (الكَرَّة) وأُمدوا بثلاث، ما أُمدوا بمثلها في تاريخهم:

(1) – (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ): بأموال تتدفق عليهم من أقطار الأرض على ما أرادوا من صعبة أو سهلة..

(2) – (وَبَنِينَ): بنين مُهاجرين ومُقاتلين، يُنتخبون انتخاباً لحماسهم، وصلاحيتهم لبناء دولتهم ..

(3) – (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا): ولم يكن اليهود في يوم ما أكثر نفيراً وناصراً منهم اليوم، ولم يتمتع اليهود في تاريخهم، ولا أمة في الأرض غيرهم، بمثل ما يتمتعون به من كثرة الناصر لهم والنّافر لنجدتهم، إذا غضبوا غضبت لهم أمريكا وانجلترا وفرنسا وأمم الغرب جميعاً، وإن دعوا أجابهم الظالمون وتنادوا لنصرتهم، لقد اتفق الشّرق والغرب -ولم يتّفق يوماً- على إنشاء إسرائيل وتقسيم فلسطين، وسكتوا –ولم يسكتوا يوماً- على مأساة اللاجئين والمنكوبين والمشرّدين ..

كل هذه الأوصاف تؤكد أن الدور الذي نُعانيه اليوم، هو (الكَرَّة) المعنية في الآية الكريمة، وكُلُّ ما ذكره المفسّرون بعيد لا تنطبق عليه هذه الصفات ..

وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فُصّلت: 53] ..

 

فُرصة للاختيار ..

قال الله تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) ..

بعد أن قرر سبحانه وتعالى أنه سيرد لليهود (الكَرَّة)، قرّر أنها فُرصة لهم ليختاروا لأنفسهم وليرسموا نهايتهم؛ للذين أحسنوا الحُسنى، وللذين أساءوا السوأى ..

 

وعد الآخرة ..

ثُمّ قرر سبحانه أنه وهو الخلاّق العليم، يعلم أنهم لن ينفكوا عن فسادهم وإفسادهم، فقرر بعد ذلك على الفور عاقبة أمرهم؛ لأنها معروفة محتومة؛ فقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ...) [الإسراء: 7 -8] ..

يُقرر الله تعالى أنهم لن يستقبلوا النعمة بالشُّكر ولا (الكًرَّةَ) بالذّكر والانتهاء عن المنكر والفساد والبغي، وإنّما سيُعاودون فسادهم الموروث وإفسادهم المتأصّل على نحو يُدخلهم في شديد مقت الله ونقمة عباده بما يبعد أن تُدركهم عند ذلك رحمته، فيقول سبحانه: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ) سَلّطنا عليكم عبادنا الأوّلين الذين دخلوا المسجد، ثُمّ رُدّت لكم (الكَرّة) على خلائفهم (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ) بما ترون من مصارعكم، ومصارع أمانيكم وأحلامكم ودولتكم، وما تُعاينون من سوء النّظر في المآل والأهل والبلد (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) دخول العزيز الظاهر (كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ظافرين منصُورين (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) تدميراً ..

وذلك دورنا المرتقب، وعملنا الذي نرجو أن يُشرفنا الله به في القريب، فإنّا لنطمعُ أن يُعذّبهم الله بأيدينا، ويُخزيهم، وينصرنا عليهم، ويشفي صُدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قُلوبنا ويتوب الله على من يشاء والعاقبة للمُتّقين ..

وقد قرّر سبُحانه وتعالى أنّه سيجمعهم ألفافاً لنُبيدهم؛ فقال سبحانه: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) [الإسراء: 104] ..

 

بُشرى للمؤمنين ..

يُؤكِّدُ هذه النهاية ويُبشّر بقُرب وقُوعها، قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ) ..

1 – فإن العطف (بالفاء) يقتضي الترتيب مع التعقيب؛ فالوعد واقعٌ قريباً بعد هذه الكَرَّة.

2 – والتعبير (بإذا) يدل على تحقيق المجيء لا محالة.

3 – وبشائر النّصر التي تحدونا أولاً وأخيراً في هذه السُّورة.

 

قال الله عزّ وجل بعد هذه الآيات من أول السورة: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) ..

وقال الله تعالى في آخر السُّورة: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)) [سورة الإسراء] ,,

 

  "سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا" ..

 

* - بقلم: العالم الجليل، العلاّمة الشيخ عبد المعز عبد الستار (رحمه الله)

 

مجلّة (الأزهر) الغرّاء (الجُزء السادس– عدد غرة جُمادى الآخرة 1376هـ - 2 يناير 1957م – المجلد الثامن والعشرون)  



مقالات ذات صلة