تفاصيل المقال

مدخل حول إعجاز القرآن الكريم – المُفكر الإسلامي أ. د محمد عمارة ..

مدخل حول إعجاز القرآن الكريم – المُفكر الإسلامي أ. د محمد عمارة ..

 

عندما نزل الروح الأمين – جبريل عليه السلام – بالقرآن الكريم علي قلب الصادق الأمين محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم .. مثل هذا القُرآن – لأول مرة في تاريخ مُعجزات الأنبياء والمرسلين: ((المعجزة .. والرسالة)) معاً ..

ففي الرسالات السابقة علي رسالة الرسول الخاتم  صلى الله عليه وسلم كانت المعجزات منفصلة عن كتب الرسالات .. فكانت مُعجزات مادية، تُدهش العقل، الذي كان في طور الطفولة، يحتاج إلي الانبهار بالمدهشات ..

وعندما بلغت الإنسانية سن الرشد، جاءت مُعجزة الرسالة الخاتمة والخالدة معجزة عقلية – هي القرآن – الذي يحتكم إلي العقل، ويدعو للتفكر والتدَّبر والنَّظر، ويستنفر العقل للتعقُّل، بدلاً من إدهاشه وشلّه عن التفكير ..

 

وبعد أن كانت المعجزة المادية – في الرسالات السابقة – حُجَّة علي مَنْ شاهدها واندهش بها فقط – ومن ثَمَّ فإنها موقوته – جاءت معجزة الرسالة الخالدة في ذات الكتاب الخالد، الذي تعهد الله بحفظه: (إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ) [الحجر: 9]،  ولم يتركه لحفظ الناس – الذين يجوز عليهم الخطأ والنِّسيان والضلال ..

وإذا كانت سُنَّة التدافع بين الحق والباطل، هي سُنَّة إلهية عامَّة ودائمة (وَكَذلِكَ جَعَلنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطينَ الإِنسِ وَالجِنِّ يوحي بَعضُهُم إِلى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرورًا وَلَو شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلوهُ فَذَرهُم وَما يَفتَرونَ) [الأنعام: 112].

فلقد جاء الإعجاز القُرآني مُتحدياً لكل أصحاب العقائد والفلسفات الخارجة عن العبودية لله الواحد .. في عصر نزوله .. وعلي امتداد الزمان والمكان إلي أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها .. الأمر الذي أثار – ولابد أن يُثير – الافتراءات علي هذا القرآن – منذ لحظة نزوله وعلي مر العصور .. إنه الإعجاز الخاتم والخالد لسلسلة النُّبوات والرسالات .. والتحدي الدائم للخارجين عن حظيرة الإسلام .. ومن ثَمَّ فإن معارضته والافتراء عليه، ومُحاولات تشويهه، هي الأخرى دائمة علي امتداد العصور ..

 

ولذلك، فإن آيات التحدي قد انتشرت في سُور القرآن الكريم: (الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: 1 – 2].

(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 41 – 42].

(بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) [البروج: 21 – 22].

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) [الواقعة: 77 – 80].

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82].

(وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [يونس: 37 – 38].

(أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور: 33 – 34].

( الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [السجدة: 1 – 3].

(أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل فَأتوا بِعَشرِ سُوَرٍ مِثلِهِ مُفتَرَياتٍ وَادعوا مَنِ استَطَعتُم مِن دونِ اللَّـهِ إِن كُنتُم صادِقينَ * فَإِلَّم يَستَجيبوا لَكُم فَاعلَموا أَنَّما أُنزِلَ بِعِلمِ اللَّـهِ وَأَن لا إِلـهَ إِلّا هُوَ فَهَل أَنتُم مُسلِمونَ) [هود: 13 – 14].

(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 23 – 24].

هكذا تناثرت عشرات آيات التَّحدي في سور القرآن الكريم، مُعلنة استحالة مُحاكاة هذا الإعجاز؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد ..

 

* - عندما تَحَدَّي القرآن جميع المكذبين بأنَّه الوحي المجسد لنبأ السماء العظيم. ودعاهم – إن كانوا صادقين – أن يستجمعوا طاقتهم وملكاتهم، ويجمعوا شُركاءهم ومعبوداتهم، ليأتوا بعشر سُور من مثل القرآن .. أو بسُورة من مثله .. استخدم مصطلح ((المثل)) .. وذلك لحكمة بالغة لا يُدركها إلا البلغاء، الذين يعرفون أسرار البلاغة التي بلغت الذروة في هذا القرآن الكريم .. ففي التشبيهات والمقارنات هُناك عدة مصطلحات، لكلِّ منها معني مُحدد في هذه التشبيهات والمقارنات ..

هناك مُصطلح  ((النّدَ)) .. وهو يعني المشاركة في الجوهر فقط.

وهناك مُصطلح ((الشِّبه)) .. وهو يعني المشاركة في الكيفية فقط.

وهناك مُصطلح ((الشّكل)) .. وهو يعني المشاركة في القدر والمساحة فقط.

 

لكن مصطلح ((المثل)) – كما يقول الرَّاغب الأصفهاني [ 502 هـ – 1108م] – في كتابه (المفردات في غريب القرآن): ((عام في جميع ذلك)) .. أي معناه المشاركة في الجوهر .. والكيفية .. والكمِّية .. والقدر .. والمساحة – جميعاً – ..

إنَّ في القرآن سَجْعاً .. لكن وجود السَّجع في الكلام لا يجعل هذا الكلام ((مثل القرآن .. وإنَّ في القُرآن آيات جاءت منظومة مثل نَظْم الشِّعر (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران: 92]. لكن الشِّعر لا ((يُماثل)) القُرآن .. إذ لابدّ ((للمثل)) من المشاركة في جميع الوجوه .. وليس في وجه واحد من الوجوه .. كذلك تَمّيَّزَ القُرآن وامتاز وفارق كلَّ ألوان الإبداع البشريّ في الصنعة والإبداع .. إنَّه قرآن عربيّ، لا تخرج كلماته وآياته وسوره عن حروب العربية ومفرداتها .. ومع ذلك، فإن أرباب البلاغة قد اكتشفوا – ولا يزالون يكتشفون – أنَّ الإبداع والتركيب والصِّنعة في هذا القرآن الكريم قد تَمَيَّزَتْ وفارقت كل ما اعتاده ..

 

البشر الذين استخدموا ذات المفردات، بما في ذلك صناعة الحديث النبويّ، الذي صاغه الرسول صلي الله عليه وسلم – وهو الذي أُوتي جوامع الكلم – .. ولذلك، فلقد أصاب الدكتور طه حسين [1306 –  1393 هـ / 1889 – 1973م] – لأنَّه أحد بُلغاء العصر – كَبدَ الحقيقة، عندما قال: ((إنَّ الكلام العربي: شعر .. ونثر .. وقرآن)) .. وعلي سبيل المثال، فإنَّ أسلوب القرآن وصنعته ينفردان – دون كل صناعات الأساليب البشرية – باستخدام كلمة ((المطر)) في العذاب والأذى والانتقام .. أما في السَّراء فيستخدم كلمه ((الغيث))! .. ويستخدم مُصطلح ((التغيير)) للسلبي .. وفي الإيجابي يستخدم مصطلح ((الإصلاح))، ! .. و ((المرضع)) – في القرآن – هي المرأة في فترة الرضاعة .. أما ((المرضعة)) فهي المرأة في حال الإرضاع ! .. و ((الجسم)) – في القرآن – تأتي للحيّ .. أما الميت فهو ((جسد)) ! .. و (( السَّنة )) تأتي للشمسية .. بينما ((العام)) يأتي للقمرية ! .. و ((القَسَم)) يأتي لمطلق اليمين .. بينما ((الحَلِف)) هو الحنث في اليمين ! ..

 

وهناك فارق بين ((المجئ)) وبين ((الإتيان)) – في القرآن الكريم – فالمجيء يكون في مكان أو زمان قريب .. بينما الإتيان يستخدم في حالة المكان أو الزمان البعيد! .. وكلمة ((العباد)) تغلب في المؤمنين المطيعين، بينما كلمه ((العبيد)) تغلب في الكفار المعصاة ! ..

ولقد جاءت ((السماء)) – في القرآن الكريم – مُفرداً وجمعاً .. بينما جاءت ((الأرض)) مُفردة فقط ودائماً ! .. وجاء ((البصر)) مُفرداً وجمعاً، بينما جاء ((السمع)) مُفرداً فقط ! ..

 

وجاء ((النهار)) مُفرداً، وإذا جمع استخدم لفظ ((أيام)) – لا ((نُهر)) – .. وجاء ((الصراط))، مُفرداً، وإذا أريد الجمع استخدم لفظ ((سُبُل)) ! .. وجاء ((النور)) مُفرداً، لا جمعاً ! .. وجاءت ((الظُّلمات)) جمعاً لا مُفرداً ! ..

 وكان التزام الجمع في ((الألباب)) و ((الأكواب)) و ((الأصفاد)) و ((الأباريق)) و ((السرابيل))، و ((الأساطير)) و ((الأرائك)) و ((العالمين)) ولم يَرِد أيّ منها مُفرداً .. ففارقت الصنعة في القرآن الكريم كل صناعات الأساليب البشرية، بما في ذلك الحديث النبوي الشريف ! ..

 

 في القرآن الكريم من أوجه التناسب ما يعلو به علي أيه ((هندسة)) بشرية في أي أسلوب من الإبداعات الإنسانية .. وعلي سبيل المثال , فالحروف المعروفة التي بدأت بها بعض السور القرآنية – مثل ( آلم ) .. و ( حم ) .. و ( الر ) .. إلخ . قد اشتملت علي نصف حروف الأبجدية العربية – أربعة عشر حرفاً – وفي هذه الحروب الأربعة عشر حرفان منقوطان – هما ( ق ، ن ) – واثنا عشر حرفاً غير منقوطة ! .. وفي أحرف الأبجدية الأخرى الأربعة عشر حرفان غير منقوطين – هما ( و ، د ) – والاثني عشر الأخرى الباقية منقوطة ! ..

 

وفي هذه الحروف – التي بدأت بها بعض السور – نِصْف الحروف المهموسة في الأبجدية العربية ! .. ونِصْف الحروف المقلقة ! .. ونِصْف الحروب المهموزة ! .. وفيها من مخارج الحروب النصف من حروف كل مخرج !! ..

 

وإذا كان القرآن الكريم قد بدأ بـ (الْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) في سورة الفاتحة .. فإن كل أرباع القرآن الكريم – الأربعة – قد بدأت بـ [الحمد لله] ! .. فالربع الثاني يبدأ – بالأنعام – (الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) – والربع الثالث يبدأ بالكهف – (الحَمدُ لِلَّـهِ الَّذي أَنزَلَ عَلى عَبدِهِ الكِتابَ) - .. والربع الرابع يبدأ بفاطر – (الْحَمْدُ لِلَّـهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .. ! ..

 

وفي هذه القطرة – من البحر – البرهان علي أن هذه الهندسة المفارقة لكل ألوان هندسات الأساليب البشرية، هي إشارة إلي كنوز الإعجاز المودعة في القرآن الكريم – الذي لا تنتهي عجائبه – ..

* - بقلم المفكر الإسلامي الكبير العلاّمة أ. د محمد عمارة (حفظه الله) ..

 



مقالات ذات صلة