تفاصيل المقال

من العجز والجهل .. التشكيك في مصدر القُرآن الإلهي  - (2) -  بقلم: أ. د  إبراهيم عوض

من العجز والجهل .. التشكيك في مصدر القُرآن الإلهي - (2) - بقلم: أ. د إبراهيم عوض

وأما قصة الصلاة عند النصارى .. فحكاية طويلة !!

أما الصلاة عند النصارى فهي عبارة عن طلاسم وأحاجي وألغاز تحتاج إلى فك، وتجعلنا نشعر بعظمة وروعة وجمال وبساطة ويسر الإسلام، ونجزم قطعاً ألا صلة البتة بين صلاة المسلمين وصلاة النّصارى، وأنقل طريقة وكيفية صلاتهم من "قاموس الكتاب المقدس" (مادة "صلى، يصلي، صلاة"): "تُوَجَّه الصلاة لله كثالوث قدوس. كما تُوَجَّه أصلا للآب باسم الابن، وبواسطة الروح القدس. كما ترسل لكل من الأقانيم الثلاثة لمساواة الابن والروح في الجوهر والأزلية مع الآب. والصلاة لكل من الآب والابن والروح القدس متضمَّنة في البركة الرسولية: "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس، فلتكن معكم جميعًا" (2 كو 13: 14). وكانت الصلاة ترفع للمسيح الناهض من القبر، وكان المسيحيون يدعون باسمه (1 كو 1: 2)، وصلى إستفانوس إليه مباشرة، وبولس يضرع إليه ويشكر، والمخلصون يرفعون له المجد والسجود (اع 7: 59 و60 و2 كو 12: 8 و9 و1 تس 3: 11 و1 تي 1: 12 ورؤ 1: 5 و6). أما الروح القدس فيعلمنا كيف نصلي (رو 8: 26)...

 

وتستعمل بعض الكنائس المسيحية كتبًا للصلاة تجمع فيها الطلبات والابتهالات والاعترافات التي نطق بها القديسون في كثير من أجيال الكنيسة ... وأما الصلوات الارتجالية ففَضْلها أنها توضّح أفكار الفرد الذي يصلي بنوع خاص وتحفظ حريته وتتنوع حسب الظروف... ولا تنحصر الصلاة في موضع ولا في زمن بل يجوز أن يصلَّى في أي موضع كان (1 تس 5: 17). على أنه يليق حفظ أوقات معينة للصلاة: فكان اليهود والرسل يصلون عند الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة من النهار، وعند بداية الليل ونهايته، وعند مناولة الطعام (مز 55: 17 ودا (6: 10) ولو (18: 1) واع (3: 1) و (10: 3) و(9 و30). وألّف المسيحيون الأولون الصلاة والشكر عند تناول الغَدَاء (1 تي 4: 3 و4). وقد أخذت بعض الكنائس عن اليهود تلاوة مزامير وصلوات معينة في هذه الساعات".

 

ونحو ما ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في موسوعته المتميزة (اليهود واليهودية والصهيونية)، ذكرته [موسوعة (دائرة المعارف الكتابية)] في مادتها عن "الصلاة" في العهد القديم مُوثقاَ من خلال نصوص (العهد القديم) الكتاب المقدس عند اليهود، الأمر الذي يتبين معه  للقارئ الكريم مدى الادعاء والتهافت في كلام (جوزيف هِلْ).

 

اعتراف مُذهل لمستشرق مُتعصب بأهمية ومكانة الصلاة عند المسلمين ..

ورغم ما ادعاه المستشرق الجرماني (هِلْ) من ادعاء سخيف في موضوع الصلاة الإسلامية نراه يلقى الضوء بقوة على دَوْر هذه العبادة في تخليص العرب من تمردهم وكراهيتهم الخضوع لرئاسة الغرباء وطَبْعهم بطابع النظام والطاعة والوحدة والتضامن والمساواة والتواضع والتخلص من العصبية القبلية، وهى المعاني والقيم التي يتشربها المسلم حين يقف أمام ربه في الصلاة، وعن يمينه وشماله وقدامه وخلفه إخوانه من المسلمين المصلين.

 

 ولا شك أن هذه من النظرات العميقة التي ينبغي أن نذكرها للمؤلف رغم اختلافنا معه. وكثير من المسلمين لا يخطر على بالهم هذا الجانب من جوانب عبقرية الصلاة، بل يؤدونها والسلام، ثم هم بعد ذلك لا يهتمون خارج الصلاة لا بنظام ولا بطاعة ولا بتعاون، بل في بعض الأحيان لا يُراعون ذلك أثناء تأديتهم إياها.

 

كذلك يُبدى المستشرق الجرماني (هِلْ) إعجابه الشديد بمنظر المسلمين أثناء الصلاة، قائلا: "إنه ما من أحد يُشاهد المسلمين وقد انتظموا صفوفا في الصلاة يُؤدون شعائرها في تناغم مُدهش وهيبة ونظام، إلا ويُلاحظ على الفور القيمة التربوية لتلك الصلاة النظامية".

 

 وبالمناسبة فإن كثيراً من المستشرقين الذين شاهدوا صلاة المسلمين الجماعية قد أَبْدَوْا نفس الرأي، وعلّقوا بنفس الكلام، وعبّروا عن نفس الانبهار بما رَأَوْا وسمعوا. وإني لأنتهز هذه الفرصة وأسأله: أَوَ يمكن أن تكون هذه الصلاة التي أدهشتك مأخوذة من صلاة اليهود أو النصارى؟! فلماذا لا تشعر بذات الانبهار أمام تلك الصلاة الأخرى؟!

 

مع بعض أباطيل وأضاليل موسوعة المعارف الإسلامية = الاستراقية ..

وفى مادة "جُمعة" من [موسوعة "دائرة المعارف الإسلامية"] يزعم محُررها أن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم الجمعة بأتباعه في المدينة كان تقليداً للطريقة اليهودية، لكن دون أن يُوضح لنا ما تلك الطريقة اليهودية، ولا متى رأى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود يُصلون؟! ولا ما هي وجوه الشبه بين صلاة الجمعة وصلاة اليهود الجماعية؟!، بل دون أن يقف أمام الحقيقة التاريخية التي تقول إنّ صلاة الجمعة قد صليت في المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان يؤم المسلمين فيها قبل قدومه الصحابي الجليل سعد بن زرارة رضي الله عنه.

 

وبالمثل يزعم كاتب مادة "رمضان" في نفس موسوعة دائرة المعارف الاستشراقية: "أن الصوم الذى حل محل عاشوراء كان عبارة عن عشرة أيام فقط لا شهر كامل، وأن تلك الأيام العشرة المدعاة توازى أيام التوبة عند اليهود التي تسبق يوم الكفارة. وهو خبط كخبط العشواء لا دليل عليه.

 

 وفى مادة "جمرة" يقول المستشرق (بوهل) إن رمى الجمار مأخوذ من الوثنية الجاهلية، رغم أنه يمثل جزءاً من شعيرة الحج كما وصلتنا عن إبراهيم. وهذا الرمي هو عنصر من عناصر الحج التي بقيت سليمة لم تُمس، فأبقاها الإسلام كما هي بعد أن نفى العناصر الوثنية التي طرأت على تلك الشعيرة الكريمة، ومنها إزالة صنمي (إساف، ونائلة)، اللذين كانا يقومان على الصفا والمروة عند الكعبة، ومَنْع النساء من الطواف بالبيت الحرام عرايا كما كان يحدث في الجاهلية، وإخلاص التلبية لله بعدما كان الجاهليون يقولون فيها: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك. تملكه وما مَلَك"، وإيجاب الإفاضة من مكان واحد هو عرفات على عكس ما كان يفعله بعض العرب في الجاهلية من الإفاضة من موضع غير الذى يفيض منه سائر الناس.

 وعلى أية حال فرمى الحصيات هو عمل من أعمال الحج يأتيه المسلم تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى تعبيراً عن كراهيته للشيطان ولعنه ومحاربته. فأين الوثنية هنا؟! إن هذه الشعيرة، على العكس، تبرز التوحيد إبرازاً، إذ يُعلن المسلم بكل قواه أنه عبد لله يطيعه وحده، ويعصى الشيطان وينفر منه ومن وساوسه، ويُعلن خصومته له، وحربه عليه دون هوادة.

 

وفى مادة "القَسَم" نقرأ أن الإسلام أخذ كفارة اليمين من اليهودية أو النصرانية، رغم أن كفارة الحنث في القسم في حد ذاتها ليست مقصورة على اليهودية، كما أن شكل الكفارة مختلف في الإسلام عنه في تلك الديانة: ففي الآية [(89) من سورة "المائدة"]، قال الله جلّ شأنه: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

 

أما في اليهودية فنقرأ في الإصحاح الخامس من سفر "اللاويين" في العهد القديم أنه "إِذَا حَلَفَ أَحَدٌ مُفْتَرِطًا بِشَفَتَيْهِ لِلإِسَاءَةِ أَوْ لِلإِحْسَانِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَفْتَرِطُ بِهِ الإِنْسَانُ فِي الْيَمِينِ، وَأُخْفِيَ عَنْهُ، ثُمَّ عُلِمَ، فَهُوَ مُذْنِبٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذلِكَ. 5 فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. 6 وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا: أُنْثَى مِنَ الأَغْنَامِ نَعْجَةً، أَوْ عَنْزًا مِنَ الْمَعْزِ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ. 7 وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ كِفَايَةً لِشَاةٍ فَيَأْتِي بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ الَّذِي أَخْطَأَ بِهِ: يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ إِلَى الرَّبِّ، أَحَدُهُمَا ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ وَالآخَرُ مُحْرَقَةٌ. 8  يَأتي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُقَرِّبُ الَّذِي لِلْخَطِيَّةِ أَوَّلاً. يَحُزُّ رَأْسَهُ مِنْ قَفَاهُ وَلاَ يَفْصِلُهُ. 9 وَيَنْضحُ مِنْ دَمِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ عَلَى حَائِطِ الْمَذْبَحِ، وَالْبَاقِي مِنَ الدَّمِ يُعْصَرُ إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ خَطِيَّةٍ. 10 وَأَمَّا الثَّانِي فَيَعْمَلُهُ مُحْرَقَةً كَالْعَادَةِ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ.   11 وَإِنْ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ يَمَامَتَيْنِ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ، فَيَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَمَّا أَخْطَأَ بِهِ عُشْرَ الإِيفَةِ مِنْ دَقِيق، قُرْبَانَ خَطِيَّةٍ. لاَ يَضَعُ عَلَيْهِ زَيْتًا، وَلاَ يَجْعَلُ عَلَيْهِ لُبَانًا لأَنَّهُ قُرْبَانُ خَطِيَّةٍ. 12 يَأْتِي بِهِ إِلَى الْكَاهِنِ فَيَقْبِضُ الْكَاهِنُ مِنْهُ مِلْءَ قَبْضَتِهِ تَذْكَارَهُ، وَيُوقِدُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ عَلَى وَقَائِدِ الرَّبِّ. إِنَّهُ قُرْبَانُ خَطِيَّةٍ. 13 فَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ ذلِكَ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. وَيَكُونُ لِلْكَاهِنِ كَالتَّقْدِمَةِ".

 

وواضح أنه لا يوجد أي وجه شبه بتاتاً. فالحَلِف عند اليهود في حد ذاته خطيئة يجب التكفير عنها، بينما هو في الإسلام جائز، أما الكفارة فعلى الحنث فيه ليس إلا. ثم إن الكفارة يقوم بها المسلم بنفسه بخلافها في اليهودية حيث لا بد من كاهن يكفر عن الآثم خطيته.

 كذلك في الوقت الذى تتم الاستفادة فيه من كفارة المسلم إذ ينال خيرُها الفقيرَ والمسكينَ، أو الحانثَ نفسَه بصوم ثلاثة أيام تتهذب بها أخلاقه، نجدها في اليهودية تضيع هدراً لا يستفيد منها أحد، اللهم إلا ما يذهب منها للكاهن، الذى ليست له في الحقيقة شغلة ولا مشغلة كما هو واضح؛ لأن الحانث يستطيع تقديم الكفارة بنفسه.

 

 ثم إن تلطيخ جدران المعبد بالدم يُذكرنا بالممارسات الهمجية عند الوثنيين. ومن ثم لقد كان الأحرى بكاتب المادة أن يخرس فلا ينبس ببنت شفة، لكنهم للأسف يقبلون على التدليس والكذب عن علم وقصد بقلوب ميتة وضمائر خربة ملوثة.

 

وفى مادة "الميتة" من نفس الموسوعة الاستشراقية يحاول المستشرق (شاخت) عبثاً الزعم بأن: "تحريم الميتة في الإسلام إنما يرجع إلى الجاهلية، إذ كان العرب قبل الإسلام يُحرمونها ولا يأكلونها"، مع أن هذا غير صحيح، إذ كانوا يُحاجُّون الرسول عند نزول النهى القرآني عن أكلها، بأنهم لا يَرَوْن أيّ فرق بين أن يكون الحيوان قد ذبحه بشر، أو أن يكون قد ذبحه الله بموته ميتة طبيعية. قال الله جلّ وعلا في تحريمها: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، وإن تعدد الآيات القرآنية في تحريم لحم الميتة في سورة البقرة والمائدة والأنعام وغيرها ليدل على أن القرآن كان يُحارب عادة متأصلة فيهم. كما أن جعفر بن أبى طالب، حين وقف أمام نجاشي الحبشة يرد على دعاوى عمرو بن العاص وزميله ضد المسلمين هناك، قد أعلن أنهم كانوا يأكلون الميتة، ثم لما جاءهم الإسلام حرمها عليهم. وفى سبب نزول الآية الثالثة من سورة "المائدة" يقول أحد الصحابة: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أُوقِد تحت قِدْرٍ فيها لحمُ مَيْتَةٍ، فأُنْزِل تحريم الميتة، فأَكْفَأْتُ القِدْر".

 

رد افتراءات فَسل (أحمر الهوى) من فُسول المستشرقين على الإسلام ..

ومن هنا فحين يقول خليل عبد الكريم، في كتابه المذكور: "إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أخذ عن الجاهليين تعظيمهم لإبراهيم وإسماعيل، والبيت الحرام، والحجَّ والعمرةَ، والاختتانَ، والغُسْلَ من الجنابة، والصومَ، وتقديسَ شهر رمضان، والاجتماعَ يوم الجمعة، والنفورَ من عبادة الأصنام، وتقديم القرابين لها، وتحريمَ الربا والزنا وشرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ووأد البنات، والإيمانَ بالله الواحد وبالبعث، وتعديدَ الزوجات، والتعشيرَ، والعاقلة، والقسامة، والسلب، والتخميس، والشورى"، ثم يزعم أنه ابن بجدتها، وأنه أتى بما لم يأت به أحد من قبله، نعرف للتو أن دعواه العريضة هذه زائفة، وغير قائمة على أساس.

 

فأما تعظيم الكعبة وجَعْل الحج والعمرة من شعائر الإسلام: فليس مأخوذاً من الجاهليين بل هو من دين إبراهيم، الذى أمره سبحانه ببناء بيته المعظم والتأذين في الناس بالحج كي يأتيه الناس من كل فج عميق.

وقد ذكر القرآن المجيد ذلك وتلاه النبي صلى الله عليه وسلم على مسامع العرب لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً بل عشرات المرات، ومع هذا لم يعترض عليه أي من العرب قط. ثم إن الحج في الإسلام يختلف كثيراً عن حج الجاهليين حسبما بيّنّا قبلاً.

 

 وأما بالنسبة إلى الجمعة: فكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن قريشاً كانت تجتمع في ذلك اليوم في دار الندوة، فيخطب فيها كعب بن لُؤَيّ. وأين هذا من صلاة الجمعة على نحو مخصوص، في وقت من ذلك اليوم مخصوص، وفى مساجد الدنيا جميعها لا في دار معينة من مكة دون سواها، وللناس كلهم لا لكبار قريش فقط، وبخطبة دينية لا بخطبة عن أوضاع قريش؟!

 

 

وأما تحريم الأصنام وقرابينها فهو دين الأنبياء جميعا. كذلك ليس هناك دين سماوي يحلل الربا أو الخمر أو الميسر أو الزنا. ثم إن الحنفاء، الذين يعزو الكاتب خليل عبد الكريم إليهم تحريم هذه الفواحش، كانوا يؤُكدون أنهم على دين إبراهيم، ولم يزعموا يوماً أنهم أَتَوْا بأي شيء من هذا من عند أنفسهم. وقل مثل ذلك في الختان.

 

 كذلك فالصوم موجود في كل الأديان تقريبا، علاوة على أنه في الإسلام مختلف تماما عنه في اليهودية والنصرانية والمجوسية اختلافا عظيما. على أن ثم سؤالاً خطيراً يحوك في القلب رداً على هذا الزعم الكاذب: ترى لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أتى بشيء جديد في هذه الشرائع، فلِمَ وقف منه العرب كلهم على بكرة أبيهم لسنوات طوال موقف الرفض والعداوة والكراهية، وآذَوْه هو وأتباعه وبيّتوا النية على قتله، بل قتلوا بعضاً من صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وظلوا يحاربونه هو والمؤمنين به حرباً لا هوادة فيها، إلى أن فاؤوا لرشدهم بعد أعوام طوال فتراجعوا عن سخف موقفهم العدائي هذا؟

 

وأما تعدد الزوجات فقد كان معروفاً عند كل الأمم تقريبا في الشرق والغرب، علاوة على أن بعض المجتمعات كانت تعدد بالمئات، بل ما زالت هناك حتى الآن مجتمعات غير إسلامية تمارس التعدد. ومن ناحية أخرى فقد قصر الإسلام التعديد على أربع، ولم يطلقه إطلاقاً كما كان الحال قبلاً. بل لقد فضّل التوحيد مع هذا لدى العجز عن توفير العدل بين الضرائر كما هو معروف.

 ثم إن الإسلام، عندما أحلّ التعدد، قد راعى أن هذا التشريع أكثر موافقة للطبيعة البشرية، وإلا فالأمم الأوربية مثلا، وهى لا تأخذ بالتعدد، ينتشر فيها الزنا والإباحية الجنسية والخيانة على أوسع نطاق كما يعرف القاصي والداني.

 

كما أن الإسلام لم يقر الجاهليين على عبادتهم للأصنام والأوثان وتقديم القرابين لها واعتقادهم في العرّافين والكهان والسحرة واستعانتهم بهم، أو أكلهم الميتة، أو لعبهم الميسر، أو استحلالهم الربا، أو وأدهم لأطفالهم، أو عدوانهم بعضهم على بعض دون حق، أو تطفيفهم الكيل والميزان، أو غرامهم بالخمر، أو تعدد أزواج المرأة الواحدة، أو زواج الاستبضاعِ، أو الشغارِ، أو المقتِ، أو البدَلِ.

 

وبالمثل يزعم خليل عبد الكريم أن الإسلام إنما أخذ الرق عن العرب. والحق أن الرق كان معمولاً به في العالم كله بل ظل موجوداً إلى العصر الحديث حتى في أوربا وأمريكا، وعلى نحو لا يعرف الرحمة البتة. ومع هذا فقد أدخل الإسلام تطورات على هذا النظام تكفل تجفيف منابعه مع الأيام تماما، إذ انتهز كل سانحة لإعتاق الرقيق، فجعله كفارة لعدد من الأخطاء التي يسهل وقوع الإنسان فيها: كالحنث في اليمين، وإيذاء السيد لعبده، والإفطار العمد في رمضان، والقتل الخطأ، ورغبة الرجل في مراجعة زوجته التي ظاهَرَ منها... إلخ، فضلاً عن تشريعه للمكاتبة، التي بمقتضاها يحق للعبد والأَمَة أن يحررا نفسيهما بما يستطيعان تدبيره من مال.

 

بل إن الإسلام قد أوجب مُعاملة الرقيق معاملة حسنة بحيث يطعمهم سيدهم ويكسوهم مما يطعم هو ويلبس، وإذا كلفهم بشيء ثقيل فليعاونهم، وحَبَّبَ إلى مالك الرقيق إعتاقهم تقرباً إلى الله. وقبل هذا كله لا بد من معرفة أن الإسلام لم يُقنِّن الرق. وكل ما جاء فيه عن هذا الموضوع هو كلامه عن مصير أسرى الحرب في الآية الرابعة من سورة "محمد"، وهذا نصها: "فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا...". وليس في الآية الكريمة، كما نرى، أي كلام عن استرقاق الأسرى، الذين كانوا آنذاك هم المصدر الوحيد للرق في الإسلام، فقد ألغى دين محمد صلى الله عليه وسلم استرقاق المخطوفين ومرتكبي جرائم القتل والسرقة والزنا والمَدِينِين الذين يعجزون عن الوفاء بديونهم والأولاد الذى يرى آباؤهم، لسبب أو آخر، بيعهم والأشخاص الذين تدفعهم الحاجة إلى بيع أنفسهم. وفوق هذا فقد قرر الإسلام للأرقاء حقوقاً عظيمة ليست موجودة في أيّ دين من الأديان ولا عند أمة من الأمم، لم يكونوا يحلمون بها على الإطلاق.

 

وعلى نفس الشاكلة يُرْجِع خليل عبد الكريم التخميس، أي أخذ الدولة الإسلامية خمُس الغنائم التي يحصل عليها الجيش من الحرب مع الأعداء، وضمه إلى خزينتها للإنفاق منه على مواطنيها ومصالحهم، إلى ما كان معروفا في الجاهلية من أخذ شيخ القبيلة أو قائدها في الغارة ربع الغنيمة.

 والمسألة هنا ليس فيها سوى أمرين اثنين لا غير: فإما أن تأخذ الدولة نصيباً من الغنائم تنفقه في مطالبها التي لا تنتهى، وإما ألا تأخذ. والدول كلها تأخذ غنائم الحروب جميعاً لا خمسها فحسب. فهل ورثت ذلك عن عرب الجاهلية هي أيضاً؟! إن الربع الذى كان يأخذه شيخ القبيلة أو أمير الغزوة كان يذهب إليه وحده، أما الخمس فيذهب إلى خزينة الدولة. فعلام التصايح إذن؟!

 

والأمر كذلك في شأن الشورى، التي يصرخ خليل عبد الكريم بأنها مأخوذة من الجاهليين. وماذا في ذلك لو كان صحيحا؟! أكان يريد أن ينصر الإسلام الاستبداد والعسف والطغيان على الشورى والحرية؟!

 ثم إن الإسلام قد وضع الخطوط العامة للشورى، وترك للمسلمين الساحة بعد هذا كي يصولوا ويجولوا بغية استحداث النظام الذى يُساعدهم على تطبيق ذلك المبدأ السياسي العظيم مُسترشدين بتجارب الأمم الأخرى.

 

فالمهم هو الحفاظ على الشورى والعمل بها، والفرار من الاستبداد والغشم. ويكفى أن الله قد أمر رسوله، وهو مَنْ هو، أن يتخذ الشورى مبدأً دائماً له؛ فقال جلّ شأنه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159]، فهل هناك برهان أقوى من ذلك البرهان على إعلاء الإسلام من شأن الشورى؟! ولقد كانت حياته كلها تجرى على المشاورة واستطلاع آراء الآخرين سواء في الحرب أو في السلم. ولهذا ما فشل قط، بل كانت حياته كلها نجاحاً في نجاح.

 

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً رسولاً، وكانت السماء تُوجهه وتَنصره وتُبصِّره بالحق والخير والفلاح وترعاه وتوحى إليه. ومن بين ما أوحته إليه أحكام الشريعة. وقد وافق بعض تلك الأحكام ما أتى به الأنبياء السابقون. وهو أمر طبيعي لا جَرَم فيه، فالنبوات من عند الله، ومن ثم فالمتوقع أن تكون هناك نقاط اتفاق في الأمور التي لا تتغير فيها أحوال البشر وأوضاعهم. أما إذا تغيرت الأوضاع فإن تلك الأحكام تتغير معها. ولا مانع أبداً أن يكون هناك اتفاق بين بعض تلك الأحكام وبين ما عند العرب. وليس هذا بالمستغرب، فالبشر ليسوا شياطين لا يمكنهم التوصل إلى حق أو خير أبداً.

 

وأغلب الظن أن نقاط الاتفاق بين الأحكام التشريعية الإسلامية وبين ما كان موجوداً هنا أو هناك لدى العرب، مرجعها أن الأحكام التي يسير عليها العرب في الجاهلية هي من بقايا أديان سابقة نسى العرب أصلها، وظننا نحن أنها من صنع العرب أنفسهم. ولقد كان لدى العرب أنبياء كهود وصالح وشعيب. أو يمكن أن يكون جاء بها نبي غير عربي ثم وصلت إلى العرب، فأخذوا بها. ولقد كانت السماء ترعى خُطَا البشرية طوال الوقت منذ فجر التاريخ الأول حين لم يكن هناك سوى آدم وحواء وذريتهما، إذ كانت ترفده بين الحين والحين بالنبيين والمرسلين، وتُلهمه الصواب والخير فيكتشف ويبدع ويخترع ويَبْلُغ كثيراً من الحقائق والمنافع والخيرات.

 

 ألم يقل الله سبحانه: (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان: 1]، والجواب: لا لم يحدث أن أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن فيه شيئاً مذكوراً، بل كان الله ينظر إليه دائماً بعين الرحمة والتوجيه، ويأخذ بيده ويدله على الطريق. وإذا توافق ما جاء الإسلام به وما عند هؤلاء القوم أو أولئك فليس بضائره شيئا، فالمهم هو الحق والخير، وما عدا هذا لا يهم في قليل أو كثير.

 

بقلم: أ. د إبراهيم عوض - (حفظه الله) .. 



مقالات ذات صلة