تفاصيل المقال

القُرآن العظيم وأثره في الاستراتيجيات العبقرية للنبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات والمعارك الحربية – (1) .. العالم الجليل، فضيلة الشيخ عبد اللطيف زايد (رحمه الله)

القُرآن العظيم وأثره في الاستراتيجيات العبقرية للنبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات والمعارك الحربية – (1) .. العالم الجليل، فضيلة الشيخ عبد اللطيف زايد (رحمه الله)

مدخل حول عظمة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم:

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن إله إلاّ الله، وأشهد أنّ مُحمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

فإنّ شخصية نبينا مُحمد صلى الله عليه وسلم تقف وحيدة بين شخصيات العالم وعظماء التاريخ، فريدة في تاريخ البشرية كُلّها، فإنّ جميع المحامد والفضائل العُليا وجدت فيه، وانتهت إليه، دون سواه من النّاس، فهو صلى الله عليه وسلم قمة شمَّاء،  من أي جهة إليه وجدّته عظيماً، وصدق فيه قول الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4] ..

 

وللنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم ميزة ثانية، وهو أنّ سيرته العطرة، وجميع تصرفاته وما صدر عنه، كله مسجل ومدون في كتب متعددة من كتب الحديث والسيرة النبوية، وهذه الكتب شاملة لكُلّ ما جاء عنه، حتى شملت هذه المدونات الأمور الخاصة التي في البيت، ومع نسائه أمهات المؤمنين، وما عُرف عن أحد قط حديثاً أو قديماً، تحدّث عن نفسه بهذه الصراحة والوضوح ..

 

والميزة الثالثة أنّ كُلّ ما صدر عن الرّسول صلى الله عليه وسلم قد بُحث ونُوقش و وُضع تحت منظار العقل والنّقل، بطريقة فريدة في العالم، وهذا البحث وهذه المناقشة كانت من طبقات من الرّجال لا عهد للعالم كله بأمثالهم، فقد امتازوا بالصدق، ودقّة الضّبط والنقل ..

 

والميزة الرابعة أنّه نتيجة لبحث ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت علوم ومعارف وأبحاث تكاد أن تبلغ الغاية، وتصل إلى النهاية تحت قُبَّة السنة المُطهّرة والسيرة العطرة، وهذه العلوم خاصّةٌ بالمسلمين وحدهم دون سواهم ..

وهُناك أمر يخص هذا البحث وهو الجانب الاستراتيجي العسكري عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثر التربية القُرآنية في تنمية مواهبه وصقْل تجاربه وخبراته وإبرازها في إدارة ميادين المعركة ومُلاقاة وتأديب المعتدين على الدولة الإسلامية الوليدة من خلال الغزوات التي شارك فيها، وكذلك السرايا التي أمر بها  صلى الله عليه وسلم ، فالرّسول صلى الله عليه وسلم يُعتبر  قائداً رائداً كبيراً في الأمور الاستراتيجية ومسائل الدولة السياسية والعسكرية في الغزوات والمعارك الحربية، وفيما يخص العبقرية العسكرية للنبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الغزوات، فقد ابتكر النبي صلى الله عليه وسلم أموراً في فنيّة القتال ومُواجهة الأعداء، وبعض هذه الجوانب لم يعرفها ولم يأخذ بها القادة في الاستراتيجيات العسكرية إلا في العصور المتأخرة ..

هذا والله سبحانه وتعالى أسألُ أن ينفعنا بهذه السيرة العطرة، فجزى الله رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم خير ما يجزي نبيّاً عن أُمَّته، وبعد ..

 

فإنّ النّبي محمد صلى الله عليه وسلم اختاره الله عزّ وجلّ واجتباه واصطفاه ليهدي النّاس إلى الصراط المستقيم، ويُبيّن لهم معالم الحقّ، ويُخرجهم من الظُّلُمات إلى النُّور، ويصل بهم إلى السَّلام الكامل في الدُّنيا والآخرة ..

 

ولقد أشار الله عزّ وجلّ إلى هذه الأمور في كثير من الآيات مُبيّناً لها ومُوضّحاً ومُحدّداً لها ومُفصّلاً .. فمن أمثلة ذلك؛ قول الله تعالى:

(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]. وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 33].

وقوله جلّ شأنه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد) [إبراهيم: 1]. وقوله سبحانه: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47). [الأحزاب: 45 – 47].

والأمثلة على ذلك كثيرة والشّواهد مُتعددة. هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم، وبهذا أُرسل وبُعث، وبهذا كان رحمةَ للعالمين، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]. وقال هو نفسه صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ))[1].

وهو سيد ولد آدم ولقد اصطفاه الله من سلسلة سادة كرام، قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))[2].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((لَمْ يَلْتَقِ أَبَوَايَ فِي سِفَاحٍ، لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُنَقِّلُنِي مِنْ أَصْلَابٍ طَيِّبَةٍ إِلَى أَرْحَامٍ طَاهِرَةٍ، صَافِيًا، مُهَذَّبًا، لَا تَتَشَعَّبُ شُعْبَتَانِ، إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا))[3].

 

 

ومع هذا الاصطفاء والتميز فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر فيه جميع صفات البشر التي خلق الله الناس عليها. لقد نشأ كما نشأ غيره من البشر، تربى في مكة ودرج على أرضها، وأكل الطّعام الذي يأكله أهلها، وجلس على تُرابها، وعاش في قُريش كرجل منهم يتعامل معهم ويُشاركهم أيّامهم، ويرعى أغنامهم، ويُتاجر في أموالهم، وتزوج من نسائهم وأنجب أولاداَ عاشوا معهم ..

وقد أصرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة على أن يُؤكد هذه البشرية تأكيداَ كبيراً حتى لا يُغالي فيه الناس، كما حدث لبعض الأنبياء السابقين حينما تغالى فيهم قومهم، ولعلنا نذكر ما حدث لعيسى عليه السلام حينما غالى فيه النّصارى فجعلوه ابن الإله، أو جعلوه أُقنُوماً ضمن أقانيم ثلاثة، هي "الله" بزعمهم؛ تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً، قال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73] ..

 

 

ولقد أكّد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه البشرية بما لا يدع مجالاً للغُلوّ والتطرف، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ ..)، وقال جلّ شأنه: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) [الإسراء: 93].

 

وفي حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: ((فَقَدْ غَوِيَ))[4].

 يُريد بذلك أن مجرد جمعه مع الله عزّ وجلّ في ضمير واحد في قوله: " وَمَنْ يَعْصِهِمَا " قد يُوهم مساواته لله سُبحانه وتعالى، وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُهُ الْكَلَامَ، فَقَالَ: "مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ". فَقَالَ: ((جَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا ! مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ))[5].

وفي لفظ آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ"، قَالَ: ((جَعَلْتَ لِلَّهِ نِدًّا، مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ))[6].

 

 

وفي صحيح البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))[7].

قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: " قال ابن الجوزي –رحمه الله-: لا يلزم من النَّهي عن الشيء وقوعه؛ لأنّا لا نعلم أحداً ادَّعى في نبينا صلى الله عليه وسلم ما ادَّعته النَّصارى في عيسى عليه السلام، وإنَّما سبب النَّهي فيما يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لمـَّا استأذن في السُّجود له فامتنع ونهاه، فكأنَّه خشي أن يُبالغ غيره بما هو فوق ذلك، فبادر إلى النَّهي تأكيداً للأمر" ..

وقال ابن التين رحمه الله: معنى قوله: " لا تَطَرُوِني " لا تمدحوني كمدح النَّصارى، حتى غَلا بعضهم في عيسى عليه السلام فجعله إلها مع الله، وبعضهم ادَّعى أنَّه هو الله، وبعضهم ابن الله، ثم أردف النَّهي بقوله: " أنا عبد الله "، قال: والنُّكتة في إيراد عمر هذه القصة هنا: أنَّه خشي عليهم الغُلو، يعني: خشي على من لا قُوة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة، فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق، فيطريه بما ليس فيه فيدخل في النَّهي" [8] ..

 

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

 

* - بقلم: العالم الجليل، فضيلة الشيخ عبد اللطيف زايد (رحمه الله)

 __________

[1] - [أخرجه الحاكم في المُستدرك؛ برقم: (107) –وقال: هذا حديثٌ صحيح على شرطهما- وأخرجه الهيثمي في "مجمع الزوائد"؛ برقم: (13940)؛ وقال: رواه البزّار والطبراني في الصغير والأوسط، ورجال البزّار رجال الصحيح].

[2] – [أخرجه مُسلم في الصحيح؛ برقم: (2276)].

[3] – [أخرجه أبو نُعيم في "دلائل النُّبُوّة"؛ برقم: (15)؛ وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" في (ص: 320): "هو موضوعٌ، وضعه بعضُ القُصّاص" ]، وعلى فرض صحة الحديث، فالمقصود منه أن النبي صلى الله عليه وسلم وُلد من زواج صحيح لا من سفاح، وأن الله اختار نسبه، وصانه أن يكون فيه فجور، كما صرح به في أول الحديث: (لَمْ يَلْتَقِ أَبَوَايَ فِي سِفَاحٍ ..)؛ هذا والعلمُ عند الله تعالى ..

[4] – [أخرجه مسلم في صحيحه؛ برقم: (870)].

[5] – [أخرجه أحمد في المسند؛ برقم: (3121)].

[6] – [الأدب المفرد؛ للإمام البخاري؛ برقم: (783)].

[7] – [صحيح البخاري؛ برقم: (3261)].

[8] – [فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ للحافظ ابن حجر: (ج12/ص154].

 

 



مقالات ذات صلة