تفاصيل المقال

في الذكرى الثانية عشرة لرحيل أستاذي رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي – (1) .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد

في الذكرى الثانية عشرة لرحيل أستاذي رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي – (1) .. بقلم: د. حمدي أبو سعيد

اثنا عشر عاماً بالتمام والكمال مرَّت على رحيل أستاذي رجل القُرآن الكريم عالم "البيولوجيا" النابغة الأستاذ الدكتور حسن المعايرجي طيَّب الله ثراه، والذي رحل عن عالمنا إلى وجه ربِّه الكريم في يوم الأربعاء: 29 من شهر مُحرم 1429هــ الذي وافق: 6 فبراير 2008م، بعد حياة حافلة بالعمل للإسلام وخدمة العلم والقُرآن، تقبَّله الله في عليين مع النبيين والصدّيقين والشُّهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً ..

 

ورغم مُرور هذه السنوات، فلا تزال ذكراه عطرة بين تلامذته ومُحبيه، ولا يزال أستاذنا رجل القُرآن الكريم الدكتور حسن المعايرجي (رحمه الله) الذي أعطى حياته كلها للعلم وخدمة القُرآن العظيم في قُلوب الجميع، بأخلاقه الطيبة القُدوة، ودأبه الكبير، وصبره الجميل، ومُثابرته التي لا نظير لها في البحث والدَّرس وتتبع كل ما يتعلَّق بخدمة القُرآن الكريم على وجه العموم، وما يتعلَّق بترجمات معاني القُرآن التي كتبها مسلمون أو غير مسلمين على وجه الخصوص ..

 

لا زلت أعيش في رحاب أستاذي الراحل (رحمه الله) مع أجواء من حُبِّه العميق وحُسن صُحبته للقُرآن العظيم، والحرص الشديد على الإبداع والتَّفَنُن في خدمته .. لا زلت أعيش في رحاب أستاذي الراحل مع الهمة العالية والجودة والاتقان في أجمل صُوره .. لا زلت أعيش في رحاب أستاذي الراحل مع غَيْرته الشديدة على القُرآن الكريم، ومُتابعته الدقيقة لكُل ما تقذفه المطابع في الشرق والغرب من كتابات ومقالات وترجمات تتضمن قَدْحاً وهجوماً على الإسلام والقُرآن ونبي الإسلام  ..

 

لا زلت أعيش في رحاب أستاذي وحالة الحزن العميق التي لا تُفارقه على ما آلت إليه أوضاع أمة الإسلام من نزاع وشقاق وتمزق وقتال وحروب إبادة لا تنتهي ضد المسلمين في كُلِّ مكان .. لا زلت أعيش في رحاب أستاذي المعايرجي (رحمه الله)  وسعيه الدؤوب الذي لا ينقطع لدى الهيئات والمؤسسات الإسلامية والفعاليات الحكومية الرسمية والأهلية لإقامة مشروعه الأثير  ((الهيئة العالمية للقُرآن الكريم)) .. لقد عاش أستاذي المعايرجي (رحمه الله) من أجل القُرآن العظيم، ولقي ربَّه  راضياً مَرْضيّاً في رحاب القُرآن العظيم ..

 

اثنا عشر عاماً مرت وذكراك في قلوبنا يا دكتور حسن، لم ننس –أبدا- حُبك وعطفك واحتضانك لأبنائك الشباب من طلبة العلم الصغار .. كنت كريماً عطوفاً تستمتع وتصغي إليهم بشغف، كُنت تحثهم على الاجتهاد في طلب العلم والدأب والاستمرار في البحث العلمي .. كان باب مكتبك في مركز البحوث والعلمية والتطبيقية الجامعي الذي كنت تُديره مفتوحاً للجميع، رغم كثرة انشغالاتك العلمية والبحثية والإدارية، وكان باب بيتك العامر مفتوحاً للجميع، وكان هاتفك في البيت أو المكتب مفتوحاً طوال الوقت للجميع .. ما رأيناك أغلقت بابك –أبداً- دوننا، ولا دون أحد قصدك في أي شيء .. كان هاتفك يستقبلُ يوميّاَ عشرات المكالمات من الداخل والخارج من علماء ودعاة وباحثين وغيرهم ممن يطلبون المساعدة مالياً أو يطلبون استشارتك علميَّا، أو يطلبون الكتب وتفاسير القُرآن العظيم التي كُنت تطبعها وتُوزعها على المراكز الإسلامية وتُرسلها عن طيب خاطر لكُلِّ من كان يطلبها ..  رأيناك وعرفناك يا أستاذي تُساعد الجميع من تعرف ومن لا تعرف، فهذا يبحث في بعض قضايا الغزو الفكري، وآخر يبحث في مسألة علمية تطبيقية، وذاك يبحث في قضية من قضايا التيارات الفكرية أو مُقارنة الأديان، فيصل هذا إلى سمعك، فتُبادر دون طلب من أحد منهم إلى احضار قائمة من الكتب والمراجع، أو عناوينها وأماكن وجودها لكُلِّ أحد، وتطبع ما تيسر لك الوصول إليه من البحوث ذات الصلة على شبكة المعلومات الدولية (انترنت)، ويُفاجأ الجميع بما فعلت دون طلب منهم .. فأي أستاذ كريم كنت أنت؟! .. وأي مُعلِّم ومُربٍّ فاضل كُنت أنت؟! .. وأي عالم جليل خلوق كُنت أنت يا دكتور حسن؟! ..

 

ولا زالت فُيوضات أخلاقك القُدوة أستاذي، وإشراقات نصائحك العطرة وتوجيهاتك الكريمة تُظللنا ونعيش في رحابها نحن أبناؤك ومُحبوك؛ تلاميذ أوفياء وأبناء بررة لأستاذنا المعايرجي رجُل القُرآن .. ولم ننس طعم ولا مذاق "فطيرة التفاح" اللذيذة، التي كانت تصنعها بمهارة عالية وبمذاق خاص أمُّنا الفاضلة الحاجة (أم/ الدكتور عبد المجيد) بارك الله فيه وحفظه من كُلِّ سُوء، ورحمها الله رحمة واسعة وجزاها عنَّا جميعاً خير الجزاء، الفطيرة التي لم أرى ألذ ولا أطيب منها قبلُ أو بعد في حياتي .. والتي كُنت تجمعنا عليها بين الحين والأخر،  فجزاك الله عن أبنائك وتلاميذك ومُحبيك خير الجزاء يا دكتور حسن  ..

 

لقد تعرَّفت على أستاذي الدكتور حسن المعايرجي (رحمه الله) في أوائل عام 1993م، وكنت آنذاك طالب علم صغير، حَدَث السِّن، وكنت أتحدث بحضرته في أمور كثيرة، وكان يستمع إليَّ وإلى غيري من أبنائه ومُحبيه بإنصات كبير واهتمام بالغ، ولم أره يتبرم أو يتضايق، أو تبدو عليه أمارات أي انزعاج من أي كلام مهما بدا، ولو قيل على سبيل الخطأ  –أرى اليوم أنَّ بعض ما كُنت أقوله كان لا يخلو من سذاجة وسطحية-، ولكنه كان يستمع وبانتباه غير عادي، وكان ينصح ويُوجه برفق واسلوب راقٍ لا تشعر معه أنَّ الكلام مُوجَّهٌ إليك أو إلى غيرك من الحاضرين، لقد كان أستاذي الدكتور حسن (رحمه الله)  لي ولإخواني جميعاً بمثابة "الأب الكريم"، و "المعلِّم القُدوة"، و "المربِّي الفاضل" الذي يستمع بكُلِّ حُبٍّ واحترام وتقديرِ لأبنائه وتلاميذه مهما بدت بعض آرائهم ساذجة، دون انتقاد حتى ولو كان عابراً غير مُباشر، ولا أقول توبيخ أو تسفيه .. لأن قاموس أخلاق أستاذي رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي (رحمه الله) لم يكن يعرف سوى الأخلاق الراقية النادرة النبيلة التي لا نظير لها ولا مثيل ..

 

كان أستاذي المعايرجي (رحمه الله)  يُشجعنا جميعاً ويدفعنا إلى الأمام في طلب العلم والثقافة وتنمية الفكر وَسَعة الاطلاع والدقة والاتقان في الأعمال، وكان يتعامل مع الجميع على أنهم أبناؤه، وأنَّ كلَّ واحد منهم مشروع مُستقبليّ كبير لخدمة الإسلام .. يا له من أستاذ عظيم .. ولم يُفكر لحظة واحدة، أو يسعى لكي يكون أحدُنا سقفاً لأفكاره، بل كان يُرحب بالنقد البنَّاء، وكان يسع الجميع بكرمه الكبير وحُسن أخلاقه رحمه الله ورضي عنه ..   

لقد كان أستاذي رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي (رحمه الله) صاحب طُموح كبير في خدمة القُرآن، وكثيراً ما سمعته يقول: (إنَّ ما قدَّمته الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل من خدمة جليلة وعناية كبيرة بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – على كثرته وعظمته وأهميَّته – فهو لا يزال  نُقطة في بحر، ما يجب علينا وعلى أمَّة الإسلام أن نُقدمه من خدمة وعناية ورعاية لهذا الكتاب العظيم .. ورحم الله سلفنا الصالح الذين خدموا القُرآن، ورضي الله عنهم وجزاهم الله عن القُرآن وأهله والإسلام والمسلمين خير الجزاء) ..

 

وكان أستاذي رجل القُرآن المعايرجي (رحمه الله) يرى: أنَّ الأجيال المعاصرة أمامها فرصٌ ذهبية كثيرة لم تُتح لغيرهم عبر التاريخ؛ مع  هذا التدفق المعلوماتي الهائل، وتوفر كافة الوسائل التقنية التي قرَّبت البعيد، وسهّلت السفر والانتقال إلى أبعد نُقطة في الكرة الأرضية في ساعات معدودات، وسهّلت على الباحثين عمليات البحث والتنقيب والوصول إلى المعلومات بسهولة ويُسر، ووفرت المصادر والمراجع، كل هذا مع وجود أعداد غفيرة من المسلمين يُجيدون ويتحدثون ويكتبون ويُترجمون بمعظم اللغات العالمية .. وكان يتساءل: فهلاَّ استخدمنا هذه النعم الكثيرة  في خدمة ديننا، وفي تبليغ رسالات ربنا سبحانه وتعالى؟! .. لماذا لم تقم هيئة أو مؤسسة من مؤسسات الإسلام الرَّسمية بالاستفادة من هذه الإمكانيات والقُدرات الضخمة في تبليغ رسالات الله، التي لم تتوفر لسلفنا الصالح رضي الله عنهم، ولا لأي جيل من الأجيال المسلمة عبر تاريخ أمَّتنا الطويل، عن طريق القيام بنشر رسالة القُرآن العظيم تربيةً وتعليماً وتوجيهاُ وتفسيراً وبياناً لمعانيه العطرة بكافة اللغات العالمية التي يتحدَّث بها البشر في عالم اليوم؟!! ..

 

وكان (رحمه الله) يقول: أنَّ الله أعطانا هذه الوسائل الحديثة المتنوعة، ومنَّ علينا بهذه النعم العظيمة لنُحسن استغلالها والاستفادة منها أعظم استفادة في تبليغ رسالة القُرآن العظيم إلى النَّاس كافة، حيث يُمكن أن نُقدِّم تفسير القُرآن الكريم للنَّاس كافَّة بجميع اللُّغات العالمية مكتوباً، ومطبوعاً، ويُمكن أن نُّقدِّمه أيضاً بالصوت والصورة لمن لا يعرف القراءة والكتابة، ونقوم بنشر هذه الملفات الصوتية والمرئية عبر شبكة "الانترنت"، ويُمكن أن نقوم –أيضاً- بإنتاج فيديوهات وصوتيات لعرض قصص القُرآن بطريقة فنِّية مُتميِّزة تُناسب الفئات العُمرية المختلفة، وبخاصة الأطفال،  ونقوم بنشرها بكافة اللُّغات العالمية للتعريف بالقُرآن وبرسالته العظيمة ..

 

كان همُّ أستاذنا المعايرجي (رحمه الله) وشُغله الشاغل، هو الحرص الكبير على تبليغ الرسالة القُرآنية بجميع اللغات التي يتحدَّث بها كافَّة البشر، فقد كانت هذه الغاية، وهذا الهمّ الكبير هو محور حياته وحركاته وسكناته، كانت معه في نومه ويقظته، وفي سفره وإقامته، وفي حِلِّه وترحاله (رحمه الله) .. كان جُلُّ همِّه واهتمامه الذي يشغل باله طوال الوقت، رحمه الله؛ هو: كيف نخدم القُرآن العظيم  في عصر التدفق المعلوماتي الرَّهيب، الذي يشهد تراجعاً حضاريّاً إسلاميّاً على كافة المستويات، وهذا يتطلب بذل جُهود مُضاعفة من العمل  الدؤوب لسد الخلل ومُعالجة النَّقص والقُصور .. وكان يرى (رحمه الله) أن الطريق إلى تلك الغاية النبيلة  هُو العمل الجاد لإقامة ((هيئة عالمية مُستقلَّة لخدمة القُرآن الكريم))، ولذا بدأ يسعى بدأب لمشروع حياته المبارك: ((الهيئة العالمية للقُرآن الكريم)) ..

 

وكان كثيراً ما يُدندن بكلمات يبث فيها أشواقه لرؤية هذا المشروع الكبير لخدمة الإسلام، الذي كان يعتبره أسمى أمانيه في هذه الحياة، لذا كان يرى أنّ إقامة هذه الهيئة القُرآنية العالمية المباركة من أوجب الواجبات خاصَّة مع وجود هيئات ومُؤسسات إسلامية كثيرة تابعة لدول العالم الإسلامي مُتخصصة في شتى جوانب الإسلام، غير "القُرآن الكريم، الذي لم تكن له مؤسسة مُختصة بخدمته وفق الرؤية الطموحة جدّاً لأستاذي حسن المعايرجي (رحمه الله)؛ فقد كانت هُناك مُؤسسات وهيئات علمية مُتخصصة في (اللغة العربية)، وتُمثِّلها مجامع اللغة العربية في: "القاهرة"، و"دمشق"، و"بغداد"، وهُناك مؤسسات مُتخصصة في (الفقه الإسلامي)، ويُمثلها: "مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف"، و"مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي"، و"مجمع الفقه التابع لمنظمة التعاون الإسلامي"، و"مجمع الفقه الإسلامي بالهند"، و"مجمع الفقه بالسودان"، و"مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية"، المختص بدراسة قضايا الأقليات والتجمعات الإسلامية في المهجر .. وهُناك المؤسسات المتخصصة في (السُّنّة والسيرة النبوية)، ويُمثلها "مراكز بحوث السيرة والسُّنة النبوية" في الأزهر الشريف، والمدينة المنورة، وقطر، والسودان، وماليزيا، وغيرها من بلاد المسلمين ..

 

و كان أستاذي المعايرجي (رحمه الله) يقول: رغم وجود هذه المؤسسات التي تحتضن وتستوعب العديد من التخصصات في العلوم الشرعية والعربية، فإنَّه لا يُوجد حتى الآن هيئة عالمية للقُرآن الكريم، تكون هيئة عالمية مستقلة –بمعنى الكلمة- مُتخصصة في خدمة القُرآن الكريم، تقوم بمهمة إعداد وطباعة ونشر تفاسير وترجمات تفاسير القرآن الكريم بجميع اللغات العالمية .. ومن هُنا برز مشروعه الكبير والمهم: (("الهيئة العالمية للقُرآن الكريم")) ..

 

وكان (رحمه الله) يرى: أنَّ عدم القيام بتبليغ رسالة القُرآن الكريم كما ينبغي جاء بسبب التقصير في عدم إعداد وطباعة التفاسير القُرآنية بكافة اللغات العالمية، وأن هذا التقصير الكبير والخطير في حق القُرآن الكريم الذي جعله الله نُوراً ورحمةً وهدايةً للعالمين يتحمله الجميع: المؤسسات الرسمية والأفراد على حدٍّ سواء .. وكثيراً ما كان يقول رحم الله أمير المؤمنين سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال: "عجبت لجلد الفاجر، وعجز الثِّقة" .. فاللهم إنّي أعوذ بك من جلد الفاجر، وعجز الثَّقة" .. اللهم إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل .. و أعوذ بك الجُبن والبُخل .. وأعوذ بك من غلبة الدَّين وقهر الرِّجال .. اللهم ارحم ضعفنا، ولا تُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنَّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين")) وصلى الله وسلَّم وبارك على سيدنا مُحمَّدِ وعلى آله وصحبه وسلَّم  .. اللهم آمين، (ورحم الله) أستاذي المعايرجي، وتقبَّله في عليين مع النَّبيين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين وحَسُن أولئك رفيقاً ..

 

* - للمقال –صلة وتكملة بمشيئة الله تعالى-

بقلم: د. حمدي أبو سعيد 

 



مقالات ذات صلة