تفاصيل المقال

في الذكرى الثانية عشر لرحيل رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي  - (2)  بقلم: د. حمدي أبو سعيد

في الذكرى الثانية عشر لرحيل رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي - (2) بقلم: د. حمدي أبو سعيد

في الذكرى الثانية عشر لرحيل رجل القُرآن الدكتور حسن المعايرجي  - (2)

بقلم: د. حمدي أبو سعيد

 

كان أستاذي الدكتور حسن المعايرجي (رحمه الله) يقضي وقته كُلّه مُنشغلاً بمشروع حياته الحبيب إلى قلبه ألا وهو: "تبليغ القُرآن الكريم بكافة اللغات العالمية"، ورصد ومُتابعة الأعمال المعادية من التحريف المتعمَّد لمعاني القُرآن العظيم، الذي يقوم به فئات كثيرة بعضها محسوب على الإسلام، أو يدَّعي انتمائه إلى أمة الإسلام.. وكثيراً ما رأيته (رحمه الله) يتحسر على واقع المسلمين ومؤسساتهم الرسمية الكثيرة التي تُمثل الإسلام، و التي لا تكلّف نفسها مُجرد القيام بموقف مهما بدا صغيراً، أو حتى مُجرد د فعل على هذه الانتهاكات والتحريف المتعمد لمعاني القرآن العظيم، على الرَّغم مما تقوم به هذه المؤسسات من جهود في التعريف بالإسلام .. إلاَّ أنها جهود –رغم أهميتها- مُبعثرة وبعيدة عن صُلب وعمق الرسالة الحقيقية؛ ألا وهي تبليغ الوحي الإلهي، كما أنزله الله سبحانه وتعالى "قُرآناً" و"سُنّة"؛ من خلال القيام بحركة ترجمة واسعة لتفاسير القُرآن الكريم التي تعرض معاني القُرآن بأسلوب واضح سهل مُيسر بعيداً عن التأويلات والتفسيرات والآراء الشاذة والأفكار المتشددة التي لا تخدم الإسلام، ولا تُعبِّر عن رسالة القُرآن الوسطية الصحيحة؛ لأمة الخير والوسطية والاعتدال التي جعلها الله وسطاً بين الأمم، وجعل ديتها وسطاً بين الأديان؛ فقال جلَّ شأنه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [سورة البقرة: 143] ..

 

و كان أستاذي المعايرجي (رحمه الله) يرى أنَّ حركة الترجمة الواسعة لتبليغ الوحي الإلهي، ينبغي أن تشمل الشطر الثاني للوحي الإلهي المُنَزَّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعناه دون لفظه؛ وهو "السُّنّة النبوية المشرَّفة" على صاحبها سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل صلوات الله .. ويكون ذلك من خلال ترجمة شروح مُبسطة مُختصرة واضحة لكُتب السُّنّة النبوية؛ بدءاً من كتاب "الأربعين النووية"، ومروراً بــ "رياض الصالحين"، وكلاهما للإمام النووي رحمه الله (تُ 676هــ)، وصولاً إلى ديوان الإسلام العظيم "صحيح البخاري" للإمام أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله (تُ 256هــ)، و"صحيح مسلم" للإمام مُسلم بن الحجاج القُشيري النيسابوري رحمه الله (تُ 261هــ)، ثُمَّ الأحاديث الصحيحة في كتب السُّنن الأربعة، و"مُوطأ" إمام دار الهجرة الذي ملأ طباق الأرض علماً، الإمام مالك بن أنس رحمه الله (تُ 179م)، و"مُسند" إمام أهل السُّنّة والجماعة المُبجَّل، أبي عبد الله، أحمد بن حنبل رحمه الله (تُ 241هــ)، رحم الله الجميع، ورضي عنهم ..

 

ويتم طباعة هذه الشروح المُبسَّطة لكتب ودواوين السُّنة النبوية بكافة اللغات العالمية، واتاحتها لكافَّة البشر (مطبوعة)، و (مرئية)، و (مسموعة)، مع مُراعاة التبسيط في الشرح والتوضيح الذي يُناسب كافة الفئات العُمرية .. فهل قامت المؤسسات الإسلامية الرَّسمية الكبيرة في العالم الإسلامي بهذا العمل المبارك الذي يُعتبر في عُمق صميم رسالة تبليغ الوحي الإلهي، ويُعتبر أعظم مُنجز حضاري في تاريخ أمَّة الإسلام، وأعظم خدمة يُمكن أن تُقدمها مؤسسة أو دولة أو حتى مجموعة من الدُّول لأمَّة الإسلام، بل وللعالم كُلِّه الذي لا مُنقذ له من هذه الأوضاع المتردِّية غير الإسلام ..

 

المشكلة الكُبرى أنَّ الكثير من المؤسسات الإسلامية الرَّسمية والأهلية وغيرها –رغم ما قدَّمته من أعمال جليلة كثيرة في خدمة الإسلام – يدور معظمها في فلك المعارك الوهمية لبعض الدول والحكومات، وتركت ما هُو من صُلب اختصاصاتها في تبليغ رسالة الإسلام، وصدّ الغارات والمؤامرات التي تُواجه الإسلام ليل نهار، وتعمل على بث الكراهية والتنفير منه، وتسعى إلى شيطنة المسلمين، و التحريض على حرقهم وإبادتهم .. ولا حول ولا قُوَّة إلاَّ بالله ..   

 

إنَّ "القُرآن العظيم" و " السُّنّة المُشَرَّفة" مصدرا الوحي الإلهي .. ومصدرا الهداية والنُّور والسعادة والرَّحمة والعدل والخير والبركة  والرِّضا والأمن والأمان والسَّلامة والسَّلام للبشريَّة كلها ..

تسمع أو تقرأ من التنزيل الإلهي ما يُريح القلب، ويُطمئن النّفس، ويُثبت الفؤاد والعقل، فتعيش أجواء إيمانية رائعة من الحُب والرَّحمة والهداية والنُّور والسَّعادة والطُمأنينة والخير والبركة: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)[سورة المائدة] ..

 

(إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[سورة الإسراء: 9] ..

 

(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [سورة الزُّمَر: 23] ..

 

- ومن رحاب نور النُّبُوّة؛ اقرأ معي هذا الحديث الشريف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّهَا النَّاسُ: فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)) ..  [صحيح مُسلم؛ برقم: (2408)] ..

 

- وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الشيطانَ قد يَئِسَ أن يُعبَدَ بأرضِكم، و لكن رضِيَ أن يُطاعَ فيما سِوى ذلك مما تُحاقِرون من أعمالِكم، فاحْذَروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، و سُنَّةَ نبيِّه)) [صحيح الترغيب؛ برقم: (40)] ..

 

و كان أستاذي المعايرجي (رحمه الله) يرى أنَّه يُمكن أن تقوم -على الأقل- الآن مراكز بحوث السيرة والسُّنّة النبوية في الجامعات الإسلامية بعملية الشرح المختصر المُبسَّط المُيسَّر لكُتب السُّنّة النبوية المُشرَّفة؛ وذلك حتى تقوم هيئات ومُؤسسات إسلامية عالمية مُتخصصة في ترجمة ونشر كُتب السُّنّة النبوية المُشرَّفة تعمل على تقديم شروح وترجمات لكتب السُّنّة تُناسب أربعة مُستويات ثقافية على الأقل: ألأول: للصغار واليافعين. والثاني: للشباب والفتيات في مستوى طلبة الجامعات، والثالث: لفئة المثقفين (ثقافة عامَّة)، والرابع: لفئة المتخصصين من طلبة العلم والباحثين في الدِّراسات الإسلامية ..وهكذا يُمكن أن نخدم سُنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم، مع قيامنا بخدمة القُرآن على النحو الذي يُقدِّمه مشروع ((الهيئة العالمية للقُرآن الكريم)) وفق رؤية أستاذي الدكتور حسن المُعايرجي  (رحمه الله)  ..

 

إنَّ من إكرام الله وفضله وتوفيقه لعباده ..ومن السَّعادة الكبيرة والشَّرف العظيم في الدُّنيا والآخرة؛ اصطفاء الله واختياره لمن يقوم بخدمة كتابه الكريم، وسُنَّة نبيه الحبيب صلى الله عليه وسلم، والعيش في رحابهما، فأسأل الله العلي القدير أن يُوفقنا لنيل هذا الشرف الكبير، وأن يجعلنا بفضله وكرمه من أهل القُرآن، ومن أهل شرف خدمة القُرآن والسُّنّة إنَّ ربي كريمٌ ودُود .. وأسأل الله العظيم ربِّ العرش العظيم بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى أن يتغمَّد أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي بواسع رحمته، وأن يتقبَّله في عليين مع النبيين والصدِّيقين الشُّهداء والصَّالحين، وحسُنَ أولئك رفيقاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين  ..

 

* - للمقال –صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى ..

بقلم: د. حمدي أبو سعيد

 

 



مقالات ذات صلة