تفاصيل المقال

شهادات بعض رؤوس البلاغة والفصاحة بإعجاز القُرآن الكريم – بقلم: المفكر الإسلامي أ. د محمد عمارة -(حفظه الله- ..

شهادات بعض رؤوس البلاغة والفصاحة بإعجاز القُرآن الكريم – بقلم: المفكر الإسلامي أ. د محمد عمارة -(حفظه الله- ..

 

ولأن الصنعة لا يُدْرِكُ قَدْرَهَا ومستواها إلا "الصُّنَّاع" .. ولأن العلم لا يُدْرِكُ أسرارَهُ إلا العلماء .. رأينا شهادات أهل صناعة البلاغة لإعجاز هذا "القرآن" .. ولتفرده .. ولمفارقته طاقات البشر والمعتاد والميسور للناس ...

 

o    فأبو عبد شمس، "الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم" [95 ق.هـ – 1هـ/ 530 – 622 م] – وهو من زعماء قريش .. وزنادقتها .. ومن قضاة العرب في الجاهلية – والمُلَقَّب "بالعَدْل" – لأنه كان عدْل قريش كلها – عندما سَمِعْ رسول الله صلي الله عليه وسلم – يتلو – وهو في المسجد – سورة ((غافر)) – أدرك – رغم شركه – أنه أمام صنعة إعجاز مفارقة لقدرات البشر وعاداتهم وإمكاناتهم .. فقال: ((والله لقد سمعْتُ من محمدٍ كلاماً آنفاً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله ما هو بكاهن، فقد رأينا الكُهَّان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، و والله ما بمجنون، فقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخَنْقه ولا تخالجه ولا وسوسته، و والله ما هو بشاعر، فقد عرفنا الشعر كله، رجَزَه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بشاعر: والله ما هو بساحر، فقد رأينا السُّحَّار وسحرهم، فما هو بنَفْثه ولا عُقده .. والله إن لِقّوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فَرْعَه لمثمر، وإنه يعلو ولا يُعْلَي عليه .. وما أنتم – [يا معشر قريش] – بقائلين – [فيه] – من هذا شيئاً إلا وأنا أعرف أنه باطل)) !! ..

لقد شهد الصانع الماهر – لأنَّه  "عدْل" – رغم شركه – بأنَّ ما سمعه ((ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن)) أبداً .. ومن ثَمَّ فلابد أن يكون كلام رب الإنس والجن – سبحانه وتعالي رب العالمين ..

 

 

 

o    أما "عُتبه بن ربيعة بن عبد شمس" – أبو الوليد – [2 هـ – 624 م] – وهو من سادة الشرك في مكة – فلقد شِهَد – هو الآخر – رغم شركه – مفارقة "القرآن الكريم" لطاقات البشر وقدراتهم .. فقال: ((لقد سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة .. و والله ليكونن لهذا الذي سمعت نبأ عظيم)) ! ..

هكذا وَقَفَ الخبراء، وأساطين البلاغة والفصاحة، أمام هذا "الإعجاز القرآني"، شاهدين بألوهيته .. حتي وإنْ مَنَعَتْهُم العصبية الجاهلية وتقليد الآباء من إعلان الإيمان برسالة هذا القرآن الكريم ..

 

 

 

o    في سنة 1926 م كَتَبَ الدكتور "طه حسين" [1306 – 1393 هـ 1889 – 1973م] كتابه [الشعر الجاهلي] – وكان الرجل في ذلك التاريخ يمرُّ بمرحلة انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي .. فسطر في هذا الكتاب ثمانية وعشرين سطراً شكَّكَ فيها ببعض ما وَرَدَ في "القرآن الكريم" – من رحلة إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – إلي الحجاز، وإقامتهما قواعد البيت الحرام – ثم حَذَفَ الرجلُ هذه السطور، وطَوَّرَ كتابه، وغَيَّرَ عُنوانه – إلي  [في الأدب الجاهلي] – وتجاوز هذه المرحلة التي كان فيها مُنبهراً بمناهج الشكَ الغربية – الشكَ العبثي لا المنهجي – ووَصَلَ إلي الدعوة إلي وجوب أن ينص في الدستور علي أن لا يصدر قانون يخالف "القرآن الكريم" ! ..

 

 

 

لكن "طه حسين" – حتي في مرحلة جنوحه الفكري – وبسبب من أنه كان واحداً من أبرز بلغاء العصر، الذين لم يَلْحَنُوا قطّ في العربية .. ولأنَّه كان أحد أساطين الإدراك لأسرار التركيب القرآني والبيان العربي .. تَحَدَّثَ عن "القرآن الكريم" باعتباره إعجازاً للبشر  .. ومُتميزاً عن صناعات البشر في عالم الأساليب .. فَكَتَبَ عن تَفَرُّدِ "القرآن" وعُلُوِّه علي كلِّ مستويات الإبداع البشري، يقول : "لقد قلْت في بعض أحاديثي عن نشأه النثر عند العرب: إنَّ "القرآن" ليس شعراً ولا نثراً، وإنما هو "قرآن"، له مذاهبه وأساليبه الخاصة في التعبير والتصوير والأداء" ..

 

 

"فيه من قيود الموسيقي ما يُخيل إلي أصحاب السذاجة أنه شعر، وفيه من قيود القافية ما يُخيل إليهم أنه سجع، وفيه من الحرية والانطلاق والترسُّل ما يُخيل إلي بعض أصحاب السذاجة الآخرين أنه نثر" ..

"ومن أجل هذا خُدِعَ المشركون من قريش، فقالوا: إنَّه شعر، وكذبوا في ذلك تكذيباً شديداً .. ومن أجل هذا خُدِعَ كذلك بعض المتتبعين لتاريخ النثر، فظنوا أنَّه أول النثر العربي، وتكذيبهم الحقائق الواقعة تكذيباً شديداً، فلو قد حاول بعض الكتاب الثائرين – وقد حاول بعضهم ذلك – أن يأتوا بمثله لما استطاعوا إلا أن يأتوا بما يُضحك ويُثير السُّخرية" ! ..

نعم .. كَتَبَ طه حسين ذلك .. وشَهدَ بهذا منذ أربعينات القرن العشرين ..

 

* - بقلم المفكر الإسلامي الكبير، أ. د محمد عمارة  -(حفظه الله)- .. 



مقالات ذات صلة