تفاصيل المقال

ضوابط تفسير القرآن الكريم (1 – 3)، أ. د . إبراهيم عوض، ألمفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

ضوابط تفسير القرآن الكريم (1 – 3)، أ. د . إبراهيم عوض، ألمفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

 

ما هي الشروط والمواصفات التي ينبغي توفرها في من يتصدى لتفسير القرآن؟ ..

في الإجابة على ذلك السؤال نبدأ بالإشارة إلى ما قاله الزركشي، في الفصل الخاص بـــ "حاجة المفسر الى الفهم والتبحر في العلوم” من كتابه: ((البرهان في علوم القرآن))، من أن فهم القرآن يحتاج إلى معرفة كل العلوم؛ لأن بحر القرآن زاخر عميق، وإن كان قد عاد فخص بالذكر أربع ركائز تضبط الاستفادة من تلك العلوم التي لا تتناهى، قائلا‏:‏ “لطالب التفسير مآخذ كثيرة‏‏ أمهاتها أربعة:

 

الأول‏:‏ النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطراز الـمُعْلَم. لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع، فإنه كثير …

 

الثاني‏:‏ الأخذ بقول الصحابي، فإنَّ تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم …

 

الثالث‏:‏ الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي …

 

الرابع‏:‏ التفسير بالمقتضَى من معنى الكلام والمقتضَب من قوة الشرع، وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما حيث قال‏:‏ ((اللهم فَقِّهْه في الدين وعَلِّمْه التأويل)) ، والذي عناه عليٌّ رضي الله عنه بقوله‏:‏ ((إلا فهمًا يؤتاه الرجل في القرآن‏)).‏ ومن هنا اختلف الصحابة رضي الله عنهم في معنى الآية، فأخذ كلٌّ برأيه على منتهى نظره‏.‏ ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[سورة الإسراء: 36]. وقال جلَّ شأنه: (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[سورة البقرة: 168]. وقال تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [سورة النحل: 44] .. أضاف البيان إليه‏” ..

 

وفي كتاب ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي: (قال العلماء‏:‏ من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن، فما أُجْمِل منه في مكان فقد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصِر في مكان فقد بُسِط في موضع آخر منه‏ … فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنها شارحة للقرآن ومُوضّحة له‏.‏ وقد قال الشافعي رضي الله عنه‏:‏ "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن. قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) [سورة النساء 105] في آياتٍ أُخَر.

 

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ((ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه))، عَنَى السُّنّة. فإن لم يجده من السُّنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختُصّوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح‏ ..

 

وقد روى الحاكم في “المستدرك” أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزل، له حكم المرفوع‏.‏ وقال الإمام أبوطالب الطبري في أوائل تفسيره: "… اعلم أن من شرطه صحة الاعتقاد أولا لزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصًا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين؟ ثم لا يُؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يُؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى؟؛ ولأنه لا يُؤمَن إن كان متَّهمًا بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويَغُرّ الناس بليّه وخداعه …

 

ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم ومن عاصرهم ويتجنب الـمُحْدَثات. وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعلى نحو أن يتكلم على “الصراط المستقيم”، وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد، فيدخل منها ما يدخل في الجمع، فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء، فطريق السُّنّة وطريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أبي بكر وعمر، فأيّ هذه الأقوال أفرده كان مُحسنًا‏.‏ وإن تعارضت رد الأمر إلى ما ثبت فيه السمع ..

 

فإن لم يجد سمعًا، وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما، رجَّح ما قَوِيَ الاستدلال فيه كاختلافهم في معنى حروف الهجاء: يُرجّح قول من قال إنها قَسَم‏. ‏وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه، فيؤمن بمراد الله تعالى ولا يتهجم على تعيينه وينزّله منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه‏) ..‏

 

ثم عاد الإمام السيوطي رحمه الله فطرح القضية من جديد مُورداً الآراء المختلفة فيها فقال: (اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم‏:‏ لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو الأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك‏. ومنهم من قال‏:‏ يجوز تفسيره لمن كان جامعًا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علمًا:

 

أحدها‏:‏ اللغة؛ لأن بها يُعرف شرح مُفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع‏‏.‏.. ولا يكفي في حقه معرفة اليسير منها، فقد يكون اللفظ مُشتركًا، وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد الآخر‏ .. ‏

 

الثاني‏:‏ النحو؛ لأنَّ المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره‏ .‏..

 

الثالث‏:‏ التصريف؛  لأنَّ به تُعْرَف الأبنية والصيغ ‏.‏..

 

الرابع‏:‏ الاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما، كالمسيح: هل هو من السياحة أو المسح‏؟‏ ..

 

الخامس، والسادس، والسابع‏:‏ المعاني، والبيان، والبديع؛ لأنه يُعْرَف بالأول خواصّ تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصّها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام. وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يُدْرَك بهذه العلوم‏…

 

الثامن‏:‏ علم القراءات؛ لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض‏ ..

 

التاسع‏:‏ أصول الدين بما في القرآن من الآية الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله تعالى، فالأصولي يُؤوّل ذلك ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز ..

 

العاشر‏:‏ أصول الفقه؛ إذ به يُعْرَف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط‏.‏

 

الحادي عشر‏:‏ أسباب النزول والقصص؛ إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية الـمُنْزَلة فيه بحسب ما أُنْزِلت فيه‏ ..

 

الثاني عشر‏:‏ الناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره ..

 

الثالث عشر‏:‏ الفقه‏ ..

 

الرابع عشر‏:‏ الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم‏ ..

 

الخامس عشر‏:‏ علم الموهبة؛  وهو علم يُورثه الله تعالى لمن عمل بما علم ..

وإليه الإشارة بحديث: ((من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم)) ..

 

قال ابن أبي الدُّنيا‏:‏ وعلوم القرآن وما يستنبط منه بحر لا ساحل له‏.‏ قال‏:‏ فهذه العلوم التي هي كالآلة للمفسر لا يكون مُفسرًا إلا بتحصيلها. فمن فَسَّر بدونها كان مُفسرًا بالرأي المنهي عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرًا بالرأي المنهي عنه‏ ..

قال‏:‏ والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي صلى الله عليه وسلم‏. قلت‏:‏ ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول‏:‏ هذا شيء ليس في قُدرة الإنسان. وليس كما ظننتَ من الإشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد" ..

 

وقد نقل د. أحمد الشرباصي هذه الشروط كما هي: لم يخرم منها شيئا، ولم يزد عليها شيئا [(انظر كتابه: “قصة التفسير”: 25- 29)] ..

هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

---------------------------------------------

 

* - وللموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د . إبراهيم عوض، أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس ..

 

 



مقالات ذات صلة