تفاصيل المقال

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (2) – من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (2) – من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

ترجيح الإمام ابن القيم رحمه الله لجواز صوم يوم الغيم احتياطاً، والنهي عنه تطوعا:

فأما صوم يوم الغيم احتياطاً على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه، وإلاَّ فهو تطوع. فالمنقول عن الصحابة يقتضي جوازه ، وهو الذي كان يفعله ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ..

و أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تُوجب صيامه ، وإنما صَامَتْهُ احتياطاً ؛ فقد فهمت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ، أنَّ الصيام لا يجب حتى تَكْمُلَ العدة ، ولم تفهم هي ولا ابن عمر رضي الله عنهم أنه لا يجوز. وهذا أعدل الأقوال في المسألة ، وبه تجتمع الأحاديث والآثار ، ويدل عليه ما رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ: ((إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا)) ..

 

وكان ابن عباس رضي الله عنه لا يصومه ؛ ويحتج بقوله صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: ((لَا تَصُومُوا حَتّى تَرَوْا الْهِلَالَ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدّةَ ثَلَاثِينَ)).. وكان رضي الله عنه يقول: " عَجِبْتُ مِمّنْ يَتَقَدّمُ الشّهْرَ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: ((لَا تَقَدّمُوا رَمَضَانَ بِيَوْمِ وَلَا يَوْمَيْنِ))  كَأَنّهُ يُنْكِرُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم أجمعين ..

 

الدليل على أن الصحابة لم يصوموا الغيم على سبيل الوجوب:

ويدل على أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين لم يصوموا هذا اليوم على سبيل الوجوب أنهم قالوا: " لَأَنْ نَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ نُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " .. ولو كان هذا اليوم من رمضان حتماً عندهم لقالوا: هذا اليوم من رمضان فلا يجوز لنا فطره. والله أعلم ..

 

ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابا وتحرياً ما روي عنهم من فطره بياناً للجواز فهذا ابن عمر رضي الله عنهما ، وقد قال حنبل في مسائله: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما  يقول: " لَوْ صُمْتُ السّنَةَ كُلّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الّذِي يُشَكّ فِيهِ " ..

 

وعن عبد العزيز بن حكيم قال سألوا ابن عمر رضي الله عنهما، قالوا: " نَسْبِقُ قَبْلَ رَمَضَانَ حَتّى لَا يَفُوتَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: أُفّ أُفّ ، صُومُوا مَعَ الْجَمَاعَةِ " ..

 

فقد صح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: (( لا يتقدمن الشهر منكم أحد)) .. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَعُدّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا)) ..

 

وكذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ: فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا ، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدّةَ)) ..

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَعُدّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا)) ..

 

في ثبوت شوال:

 * - وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالصوم بشهادة الرجل الواحد المسلم ، وخروجهم منه بشهادة اثنين ..

 * - وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا شهد الشاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يُفطر ، ويأمرهم بالفطر ، ويصلي العيد من الغد في وقتها ..

 * - وكان يُعجل الفطر ويحض عليه ، ويتسحر ، ويحث على السحور ويؤخره ، ويرغب في تأخيره ..

 

* -  وكان يحض على الفطر بالتمر ، فإن لم يجد فعلى الماء هذا من كمال شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم ونصحهم ، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خُلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع الْقُوَى به ، ولا سيما الْقُوّةُ الْبَاصِرَةُ فَإِنّهَا تَقْوَى به ، وحلاوة المدينة: التمر ، وَمُرَبّاهُمْ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ قُوتٌ وَأُدْمٌ وَرُطَبُهُ فَاكِهَةٌ .. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يُبْسٍ .. فإذا رُطّبَتْ بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده .. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء ، ثم يأكل بعده هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب ..

 

ما كان يفطر عليه صلى الله عليه وسلم:

وكان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي ، وكان فطره على رطبات إن وجدها ، فإن لم يجدها فعلى تمرات ، فإن لم يجد فعلى حسوات من ماء .. وأنَّه  صلى الله عليه وسلم كان يقول عند فطره: ((اللّهُمّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)) [أخرجه أبو داوود] ..

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَفْطَرَ: ((ذَهَبَ الظّمَأُ ، وَابْتَلّتْ الْعُرُوقُ ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى)) [أخرجه أبو داوود] ..

 

إجابة دعوة الصائم:

 * - ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم: ((إنّ لِلصّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدّ)) [أخرجه ابن ماجة، وحسَّنه الحافظ بت حجر] ..

 

تحديد وقت الإفطار:

 وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنًهُ قال: ((قَالَ إذَا أَقْبَلَ اللّيْلُ مِنْ هَاهُنَا ، وَأَدْبَرَ النّهَارُ مِنْ هَاهُنَا ؛ فَقَدْ أَفْطَرَ الصّائِمُ)) .. وَفُسّرَ بِأَنّهُ قَدْ أَفْطَرَ حُكْمًا ، وإن لم ينوه ، وبأنَّه قد دخل وَقْتُ فِطْرِهِ كَأَصْبَح وَأَمْسَى ..

* -  ونهى الصائم عن الرّفَثِ ، وَالصّخَبِ ، وَالسّبَابِ ، وَجَوَابِ السّبَابِ؛ فأمره أن يقول لمن سَابَّه" ((إنّي صَائِمٌ)) .. فقيل: يقوله بلسانه وهو أظهر ، وقيل: بقلبه تذكيراً لنفسه بالصَّوم .. وقيل: يقوله في الفرض بلسانه ، وفي التطوع في نفسه ؛ لِأَنّهُ أَبْعَدُ عن الرياء ..

 

الفطر في السفر:

وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ، فصام وأفطر ، وخَيَّر الصحابة بين الأمرين.

 

الفطر في القتال:

وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُهُمْ بِالْفِطْرِ إذَا دَنَوْا مِنْ عَدُوّهِمْ لِيَتَقَوّوْا عَلَى قِتَالِهِ ..

فلو اتَّفق مثل هذا في الحضر ، وكان في الفطر قُوة لهم على لقاء عدوهم .. فهل لهم الفطر؟ فيه قولان:

 أصحهما دليلاً: أن لهم ذلك ، وهو اختيار ابن تيمية وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق ، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى مِن الفطر لمجرد السفر ، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة ، فإنَّها أحق بجوازه ؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر ، والقوة هنا له وللمسلمين ؛ ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر ؛ ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر ؛ ولأن الله تعالى قال: ((وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ)) [سورة الأنفال: 30] .. والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة ..

 

والنبي صلى الله عليه وسلم قد فَسَّر القُوَّة بالرَّمي .. وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده ، إلاَّ بما يُقَوّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ من الفطر والغذاء ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: ((إنّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ ، فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا)) ، وكانت رخصة ، ثم نزلوا منزلاً آخر ، فقال: ((إنّكُمْ مُصَبّحُو عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا))..

 

فعلل بِدُنُوّهِمْ  من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو ، وهذا سبب آخر غير السفر ؛ والسفر مُستقل بنفسه ، ولم يذكر في تعليله ولا أشار إليه..  فالتعليل به اعتباراً لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص ، وإلغاء وصف القوة التي يُقاوم بها العدو ، وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته يقتضي أن: الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر .. فكيف وقد أشار إلى العلة ونبَّه عليها ، وصرَّح بحكمها ـ وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها ..

 

 ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما ،  يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم فتح مكة: ((إنّهُ يَوْمُ قِتَالٍ فَأَفْطِرُوا)) .. فعلَّل بالقتال ، ورتَّب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء ، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال ..

 

 وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد ؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الفطر: ((هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللّهِ: فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ)) ..

 

 الفطر في السفر:

وسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في أعظم الغزوات وأجلها في غَزاة بدر وفي غَزاة الفتح .. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَيْنِ: يَوْمَ بَدْر ، وَالْفَتْحِ ، فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا))

 

ما اعتمر صلى الله عليه وسلم إلا في ذي القعدة:

وأمَّا ما رواه الدارقطني وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصُمْت ، وَقَصّرَ ، وَأَتْمَمْت)) فغلط: إما عليها وهو الأظهر ، أو منها .. وأصابها فيه ما أصاب ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ((اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَجَبٍ ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللّهُ أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ ، مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا وَهُوَ مَعَهُ ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطّ ، [صحيح مسلم؛ برقم: 1255] ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا: عُمَرُهُ كُلّهَا فِي ذِي الْقَعَدَةِ ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ قَطّ)) ..

 

فصل حد السفر لرخصة الإفطار:

ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يُفطر فيها الصائم بحدٍّ ، ولا صَحَّ عنه في ذلك شيء .. وقد أفطر دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ رضي الله عنه في سفر ثلاثة أميال .. وقال لمن صام: ((قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ)) [أخرجه أبو داوود] ..

 

الفطر عند إرادة السفر لا يُشترط فيه مُجاوزة البيوت:

وكان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين حين يُنشئون السَّفر يُفطرون من غير اعتبار مُجاوزة البيوت ، ويُخبرون أنَّ ذلك سُنَّتَهُ وهديه صلى الله عليه وسلم كما قال عُبيد بن جبر: ((رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيّ رضي الله عنه صَاحِبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتّى دَعَا بِالسّفْرَةِ ، قَالَ: اقْتَرِبْ ، قُلْتُ: أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ)) [أخرجه أبو داوود وأحمد وغيرهما بسند حسن]..

 

ولفظ أحمد: ((رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ مِنْ الْفُسْطَاطِ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيّة فِي سَفِينَةٍ ، فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ مَرْسَاهَا ، أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ ، فَقَرُبَتْ ، ثُمّ دَعَانِي إلَى الْغِذَاءِ ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَقُلْتُ يَا أَبَا بَصْرَةَ: وَاَللّهِ مَا تَغَيّبَتْ عَنّا مَنَازِلُنَا بَعْدُ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَكُلْ. قَالَ: فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتّى بَلَغْنَا)) ..

 

وقال محمد بن كعب: ((أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا ، وَقَدْ رَحَلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ، وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابَ السّفَرِ ، فَدَعَا بِطَعَامِ فَأَكَلَ ، فَقُلْتُ لَهُ سُنّةٌ؟ قَالَ: سُنّةٌ ، ثُمّ رَكِبَ)) [أخرجه الترمذي؛ برقم: (799)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ]، وَقَالَ الدّارَقُطْنِيّ فِيهِ: ((فَأَكَلَ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشّمْسِ)) ..

 وَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي أَنّ مَنْ أَنْشَأَ السّفَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ فَلَهُ الْفِطْرُ فِيه ...

 

لا حرج في اغتسال الجُنب بعد الفجر، وفي تقبيل أزواجه وهو صائم:

* - وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يُدركه الفجر وهو جُنب من أهله ، فيغتسل بعد الفجر ويصوم ..

* - وكان يُقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان ، وشَّبَّه قُبلة الصائم بالمضمضة بالماء ..

 

* - ولا يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ في -القُبلة أو المُباشرة -  ولم يجئ من وجه يثبت ..  وَأجود ما فيه حديث أبي داود عن نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيري: حدثنا إسرائيل عن أبي العنبس عن الأغر عن أبي هريرة رضي الله عنه : ((أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصّائِمِ ، فَرَخّصَ لَهُ ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ ، فَإِذَا الّذِي رَخّصَ لَهُ شَيْخٌ ، وَإِذَا الّذِي نَهَاهُ شَابّ)) ..

 

وإسرائيل؛ وإن كان البخاري ومسلم قد احتجا به وبقية الستة ، فَعِلَّةُ هذا الحديث: أنَّ بينه وبين الأَغَرّ فيه أَبَا الْعَنْبَسِ الْعَدَوِيّ الْكُوفِيّ؛ واسمه: الحارث بن عُبيد: سكتوا عنه. [قال الشيخان عبد القادر وشُعيب الأرناؤوط مُحققا كتاب زاد المعاد: أخرجه أبو داوود في سننه ؛برقم: (2387) وسنده حسن، وأخرج مالك في الموطأ (ج1/ص293) عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((سُئل عن القُبلة للصائم: فرَّخَّص فيها للشيخ، وكرهها للشاب))، وإسناده صحيح)] ..

 

صحة صيام من أكل أو شرب ناسياً:  

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إسقاط القضاء عمَّن أكل وشرب ناسياً ، وأنَّ الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه ، فليس هذا الأكل والشُّرب يُضاف إليه ، فيفطر به ، فإنَّما يفطر بما فعله ، وهذا بمنزلة أَكْلِهِ وشُربه في نومه ، إذْ لا تكليف بفعل النَّائم ، ولا بفعل الناسي ..

 

المُفَطِّرات التي تكون سبباً في إطار الصائم:

والذي صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الذي يَفْطُر به الصائم: الأكل والشرب ، والحجامة ، والقيء: والقُرآن دالٌّ على أنَّ الجماع مُفَطِّرٌ كالأكل والشُّرب ، لا يُعرف فيه خلاف .. ولا يصحُّ عنه في الكُحل شيء ..

 

* - فائدة مُهمة في التعليق على حُكم ((الحجامة)):

فقد اختلف الفقهاء –رحمهم الله ورضي عنهم- في الحجامة هل تُفَطّر الصائم أم لا؟ ..  على قولين مشهورين:

القول الأول: أنها تُفَطِّر الصائم، وإليه ذهب الحنابلة، وجماعة من السلف. واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) [رواه أبو داود (2367) وابن ماجه (1679)] .. وهذا القول اختاره الإمام ابن القيم رحمه الله ..

 و القول الثاني: أنها لا تُفَطِّر الصائم؛ وإليه ذهب جمهور الفقهاء، وهو الراجح؛ فجمهور الفقهاء على أن الحجامة لا تُفسِد الصوم؛ لأن الفطر مما دَخَل لا مِمَّا خرج، وهذا ضابط أغلبي، ومثلُ الحجامة في الحكم نقل الدم؛ فإنه لا يُؤثِّر على صحة الصوم، لكن بشرط أن يأمن الصائم على نفسه الضعف والضرر ..

 

 قال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري: في ‏تعليقه على حديث: ((احْتَجَمَ وهو مُحرم، واحْتَجَمَ وهُو صَائم)). قال: (قال ابن عبد البر ‏وغيره: فيه دليل على أن حديث: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، منسوخ؛ لأنَّه جاء في بعض ‏طُرقه أنَّ ذلك كان في حَجَّة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي) ..

 

ومن أهل العلم من أوَّلَ: "أفطر الحاجم والمحجوم" بأن المراد تسبباً في الفطر، هذا بسبب ‏مصه للدم الذي قد يصل منه شيء إلى حلقه، والآخر بسبب إضعاف نفسه إضعافاً ينشأ ‏عنه اضطراره إلى الفطر ..‏

ولعل الصواب في المسألة هو: أن الأَوْلى لمن تُضعفه الحجامة أن يُؤخر الحجامة إلى اللَّيل، ‏لأنَّه قد يضطر إلى الفطر بسببها. ففي موطأ مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنَّه احتجم وهُو صَائم ، ثم ‏تَرك ذلك ، وكان إذا صام لم يحتجم حتى يُفطر))، وعن الزُّهري: ((كان ابن عمر يَحْتًجِم ‏وهُو صَائم في رَمضَان وغَيره، ثُمَّ ترَكَهُ لأَجل الضَّعْف)) .. والحديث وصله عبد الرَّزاق عن ‏مَعْمَر عن الزُّهْري عن سالم عن أبيه، هكذا ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري ، والله تعالى أعلى وأعلم ..‏

 

* - فائدة مُهمة في التعليق على حُكم ((القيء)):

 

والقيءُ يُعتبر من المُفطِّرات التي يفطر بسببها الصائم؛ هذا إذا استقاء عمداً، أمَّا إذا غلبه القيء؛ فلا يُعدُّ مُفطِراً؛ فقد [أخرج الترمذي (720)، وأبو داوود (2380)، وابن ماجة (1676)، والدارقُطني (ص: 240)] من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ((من ذرعه القيءُ - (أي غلبه) -: فليس عليه قضاء ؛ ومن استقاء عمداً: فليقض)) أي الصيام – والحديث سنده صحيح، وقد صححه الإمام ابن خُزيمة (1960) وغيره،  والله تعالى أعلى وأعلم ..

 

 الأشياء التي لا تُفَطِّر:

* - السّواك: فقد صِحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَنّهُ : ((كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ)) ..

*  - الاستحمام أو الاغتسال: وذكر الإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أَنّهُ : ((كَانَ يَصُبّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ)).. 

* - المضمضمة والاستنشاق بغير مُبالغة: وكان صلى الله عليه وسلم يتمضمض ، ويستنشق وهو صائم ، ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق ..

 

الاكتحال للصائم:

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل وهو صائم ..

 

* - فائدة في حُكم الكُحل للصائم في نهار رمضان:

- فإن مجرد الاكتحال الذي لم يصحبه وجود طعم أو لون للكُحل في حلق الصائم لا يُبطل الصوم، فرضاً كان أو نفلاً، وهذا محل اتفاق ..
- أما إذا وصل طعم أو لون الكُحل إلى الحلق، فإنَّ من العلماء من يقول ببطلان الصوم لذلك، لكن الصحيح أنَّه لا يُبطل الصوم، ولا يُؤثر عليه، لأنَّه ليس بأكل ولا شُرب، ولا في معناهما، وهذا هو اختيار طائفة من المحققين، والله أعلم بالصواب ..

 



مقالات ذات صلة