تفاصيل المقال

تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني) –(1)- للإمام شهاب الدين، السيد محمود الآلوسي (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من تفسير (روح المعاني) –(1)- للإمام شهاب الدين، السيد محمود الآلوسي (رحمه الله) ..

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .. 

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) بيان لحكم آخر من الأحكام الشرعية، وتكرير النداء لإظهار الاعتناء مع بعد العهد، و الصيام كالصوم مصدر صام، وهو لغة الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم؛ لأنه إمساك عن الكلام، قال ابن دُريدكل شيء تمكث حركته فقد صام، ومنه قول النابغة:

 

خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ *** صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعِجَاجِ

وَأُخْرَى تَعُلُكُ اللُّجَمَا ..

 

فصامت الريح ركدت، وصامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار، وشرعاً: "إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة" ..

(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) أي: الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا كما هو ظاهر عموم الموصول ..

 

وعن ابن عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل الكتاب. وعن الحسن والسُّدِّي والشعبي أنهم النصارى. وفيه تأكيد للحكم، وترغيب فيه وتطييب لأنفس المخاطبين فيه، فإن الأمور الشاقة إذا عمت طابت، والمراد بالمماثلة: إما المماثلة في أصل الوجوب، وعليه أبو مسلم والجبائي، وإما في الوقت والمقدار، بناء على أن أهل الكتاب فرض عليهم صوم رمضان، فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة، زعموا أنه اليوم الذي أغرق فيه فرعون، وزاد فيه النصارى يوماً قبل ويوماً بعد احتياطاً، حتى بلغوا فيه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر، فنقلوه إلى زمن نزول الشمس برج الحمل ..

وأخرج ابن حنظلة والنحاس والطبراني عن مغفل بن حنظلة مرفوعاً:

 

كَانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ، فَقَالُوا: لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كَانَ آخَرُ فَأَكَلَ لَحْمًا فَأُوِجِعَ فُوهُ، فَقَالُوا: لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ، فَقَالَ: مَا نَدَعُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ شَيْئًا أَنْ نُتِمَّهَا وَنَجْعَلَ صَوْمَنَا فِي الرَّبِيعِ فَفَعَلَ فَصَارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا)) [أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد؛ برقم: (4167)، وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن حميد، وفيه كلام)] ..

 

 

وفي (كَمَا) خمسة أوجه:

 أحدها: أن محله النصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي كتب كتباً، مثل ما كتب ..

 الثاني: أنَّه في محل نصب حال من المصدر المعرفة؛ أي: كتب عليكم الصيام الكتب، مُشبها بما كتب، و (ما) على الوجهين مصدرية ..

 الثالث: أن يكون نعتاً لمصدر من لفظ الصيام؛ أي: صوماً مماثلاً للصوم المكتوب على من قبلكم ..

 الرابع: أن يكون حالاً من الصيام؛ أي: حال كونه مماثلاً لما كتب، و (ما) على الوجهين موصولة ..

 الخامس: أن يكون في محل رفع على أنه صفة للصيام بناء على أن المعرف (بأل) الجنسية قريب من النكرة ..

 

(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: كي تحذروا المعاصي، فإنَّ الصوم يعقم الشهوة التي هي أمها أو يكسرها، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ  رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّ لَهُ وِجَاءً)) .. 

 

ويُحتمل أن يُقَدر المفعول الإخلال بأدائه، وعلى الأول يكون الكلام مُتعلقاً بقوله: (كُتِبَ) من غير نظر إلى التشبيه .. وعلى الثاني بالنظر إليه؛ أي: كُتب عليكم مثل ما كُتب على الأولين لكي (تتقوا) الإخلال بأدائه بعد العلم بأصالته وقدمه، ولا حاجة إلى تقدير محذوف؛ أي: أعلمتكم الحكم المذكور لذلك، كما قيل به، وجَوَّز أن يكون الفعل مُنزلاً منزلة اللازم؛ أي: لكي تصلوا بذلك إلى رُتبة التقوى..

 

(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .. 

 

(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) أي: مُعينات بالعد أو قليلات؛ لأنَّ القليل يسهل عده فيعد، والكثير يُؤخذ جزافاً. قال مقاتل: كل (مَّعْدُودَاتٍ) في القرآن أو (معدودة) دون الأربعين، ولا يُقال ذلك لما زاد، والمراد بهذه الأيام إمَّا رمضان، واختار ذلك ابن عباس والحسن وأبو مسلم رضي الله تعالى عنه وأكثر المحققين، وهو أحد قولي الشافعي، فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر أولاً أنه كتب علينا الصيام، ثم بيَّنه بقوله عز وجل: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) فزال بعض الإبهام، ثم بيَّنه بقوله عز من قائل: (شَهْرُ رَمَضَانَ) توطيناً للنفس عليه، واعتُرض بأنَّه لو كان المراد ذلك لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً، وأُجيب بأنه كان في الابتداء صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية، فحين نُسخ التخيير، وصار واجباً على التعيين كان مظنة أن يتوهم أن هذا الحكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح، فأعيد حكمهما، تنبيهاً على أن رخصتهما باقية بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح ..

 

 وأمَّا ما وجب صومه قبل وجوبه، وهو ثلاثة أيام من كل شهر، وهي أيام البيض، على ما روي عن عطاء، ونسب إلى ابن عباس  رضي الله تعالى عنهما أو ثلاثة من كل شهر، ويوم عاشوراء على ما روي عن قتادة، واتفق أهل هذا القول على أنّ هذا الواجب قد نسخ بصوم رمضان، واستشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية، فإن كان قد عمل بذلك الحكم مدة مديدة - كما قيل به - فكيف يكون الناسخ مُتصلاً، وإن لم يكن عمل به لا يصح النسخ؛ إذ لا نسخ قبل العمل، وأجيب أما على اختيار الأول، فبأن الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول، وأما على اختيار الثاني، فبأن الأصح جواز النسخ قبل العمل فتدبر ..

 

وانتصاب (أَيَّامًا) ليس بالصيام كما قيل لوقوع الفصل بينهما بأجنبي، بل بمضمر، دل هو عليه - أعني صوموا - إمَّا على الظرفية أو المفعولية اتساعاً، وقيل: منصوب بفعل يُستفاد من كاف التشبيه، وفيه بيان لوجه المماثلة، كأنه قيل: كُتب عليكم الصيام مُماثلاً لصيام الذين من قبلكم في كونه (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)  أي: المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه، وهو تعلق كل منهما بمدة غير مُتطاولة، فالكلام من قبيل زيد كعمرو فقها، وقيل: نصب على أنه مفعول ثان لـ (كُتِبَ) على الاتساع، وَرَدَّه في البحر بأن الاتساع مبني على جواز وقوعه ظرفاَ لـ (كُتٍبَ) وذا لا يصح؛ لأن الظرف محل الفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام، وأجيب بأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق، كما في (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبأن معنى (كُتٍبَ)  فُرض، وفرضية الصيام واقعة في الأيام (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) مرضاً يَعْسُر عليه الصوم معه، كما يُؤْذِنُ به قوله تعالى فيما بعد: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وعليه أكثر الفقهاء ..

 

 وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرخص مُطلق المرض عملاً بإطلاق اللفظ، وحكي أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع إصْبُعه، وهو قول للشافعية..

 

(أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ): أو راكب سفر مُستعل عليه مُتمكن منه، بأن اشتغل به قبل الفجر، ففيه إيماء إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يفطر، ولهذا المعنى أوثر على (مسافراً)، واستدل بإطلاق السفر على أن القصير وسفر المعصية مرخص للإفطار، وأكثر العلماء على تقييده بالمباح، وما يلزمه العُسر غالباً، وهو السفر إلى المسافة المقدَّرة في الشرع ..

 


(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ): أي: فعليه صوم عدة أيام المرض والسفر من أيام أُخر إن أفطر، وحُذف الشَّرط والمضافان للعلم بهما، أمّا الشرط فلأن المريض والمسافر داخلان في الخطاب العام، فدلَّ على وجوب الصوم عليهما، فلو لم يتقيد الحكم هنا به لزم أن يصير المرض والسفر اللذان هما من موجبات اليسر شرعاً وعقلاَ مُوجبين للعُسر، وأمَّا المضاف الأول، فلأن الكلام في الصوم ووجوبه، وأما الثاني فلأنه لما قيل: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: أيام معدودة، موصوفة بأنها من أيام أُخر، عُلم أن المراد (معدودة) بعدد أيام المرض والسفر، واستغني عن الإضافة، وهذا الإفطار مشروع على سبيل الرخصة، فالمريض والمسافر إن شاءا صاما وإن شاءا أفطرا، كما عليه أكثر الفقهاء، إلا أن الإمام أبا حنيفة ومالكا، قالا : "الصوم أحب" ..

والشافعي وأحمد والأوزاعي قالوا : "الفطر أحب" ..

ومذهب الظاهرية وجوب الإفطار، وأنهما إذا صاما لا يصح صومهما؛ لأنه قبل الوقت الذي يقتضيه ظاهر الآية، ونسب ذلك إلى ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ..

وبه قال الإمامية، وأطالوا بالاستدلال على ذلك بما رووه عن أهل البيت ..

 

واستُدِلَّ بالآية على جواز القضاء مُتتابعاً ومُتفرقاً، وأنَّه ليس على الفور، خلافاً  لداود، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى (أياماً معدودة)، فلو كان تاماً لم يُجزه شهر ناقص ..  أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين ..

 

واحْتَجَّ بها أيضا من قال: لا فدية مع القضاء، وكذا من قال: إن المسافر إذا أقام والمريض إذا شفي أثناء النهار، لم يلزمهما الإمساك بقيته؛ لأنَّ الله تعالى إنما أوجب عدة من أيام أُخر، وهما قد أفطرا، فَحُكم الإفطار باقٍ لهما، ومن حُكمه أن لا يجب أكثر من يوم، ولو أمرناه بالإمساك ثم القضاء، لأوجبنا بدل اليوم أكثر منه، ولا يخفى ما فيه ..

 وقُرئ (فعدة) بالنَّصب على أنه مفعول لمحذوف؛ أي: (فليصم عدة)، ومن قدَّر الشرط هناك قدَّره هُنا، (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ): أي: وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا (فِدْيَةٌ)  أي: إعطاؤها ..

 

 

(طَعَامُ مِسْكِينٍ) هي قدر ما يأكله كل يوم، وهي نصف صاع من بُر أو صاع من غيره عند أهل العراق، ومُد عند أهل الحجاز لكل يوم، وكان ذلك في بدء الإسلام، لما أنه قد فرض عليهم الصوم، وما كانوا متعودين له، فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية ..

 

أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني وآخرون عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: لما نزلت هذه الآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) كان من شاء منَّا صام، ومن شاء أفطر، ويفتدى فعل ذلك حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ)، وقرأ سعيد بن المسيب: (يُطِيّقُونَهُ)  بضم الياء الأُولى، وتشديد الياء الثانية، و(قرأ) مجاهد وعكرمة: (يُطَّيّقُونَهُ) بتشديد الطاء والياء الثانية، وكلتا القراءتين على صيغة المبني للفاعل، على أن أصلهما: (يطيوقونه) ، و (يتطيوقونه) من فيعل وتفيعل، لا من فعل وتفعل، وإلا لكان بالواو دون الياء؛ لأنه من طوق، وهو واوي، وقد جعلت الواو ياء فيهما، ثم أدغمت الياء في الياء، ومعناهما (يتكلفونه)، و (قرأت) عائشة رضي الله تعالى عنها: (يُطوقونه) بصيغة المبني للمفعول من التفعيل؛ أي: يكلفونه، أو يقلدونه من الطوق، بمعنى الطاقة أو القلادة، ورويت الثلاث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أيضا، وعنه (يتطوقونه) بمعنى: يتكلفونه، أو يتقلدونه ويطوقونه - بإدغام التاء في الطاء -، وذهب إلى عدم النسخ، كما رواه البخاري وأبو داوود ، وغيرهما، وقال: إن الآية نزلت في الشيخ الكبير الهَرِم والعجوز الكبيرة الهرمة ..

 

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

 

* - للإمام شهاب الدين، السيد محمود الألوسي (رحمه الله) ..

 



مقالات ذات صلة