تفاصيل المقال

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر) - من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

مسائل من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام – (هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر) - من كتاب (زاد المعاد) للإمام ابن القيم (رحمه الله) ..

 

في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر:

 

من تجب عليه؟، ومقدارها:

فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلم، وعلى من يمونه من صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب .. ورُوي عنه: ((أو صَاعاً مِن دَقِيق)) .. ورُوي عنه: ((نصف صاع من بُرّ)) ..

 

والمعروف أنَّ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه ((جَعل نِصْفَ صَاعٍ مِن بُرٍّ مكان الصَّاع من هَذِهِ الأَشْياءِ)) [ذكره أبو داود] ..

 

وفي الصحيحين: أنَّ معاوية رضي الله عنه هُو الذي قَوَّم ذلك، وفيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار مُرسلة ومُسندة يُقَوِّي بَعْضها بَعْضاً .. عبد الله بن ثعلبة، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صاع من بُر، أو قمح على كل اثنين)) [رواه الإمام أحمد، وأبو داود]..

 

وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم:  أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مُناديا في فِجَاجِ مكة: (( أَلاَ إنَّ صدقة الفطر واجبة على كل مُسلم ذكر أو أنثى، حُر أو عبد، صغير أو كبير، مُدَّان من قمح، أو سواه صاعاَ من طعام)) [قال الترمذي: حديث حسن غريب] ..

 

قال الحسن البصري: خطب ابن عباس رضي الله عنهما في آخر رمضان على مِنبر البصرة؛ فقال: ((أخرجوا صدقة صومكم، فكأن الناس لم يعلموا. فَقَال مَنْ هَاهُنَا من أهل المدينة؟، قُوموا إلى إخوانكم فَعَلِّمُوهم، فَإنِّهم لا يعلمون، فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة: صاعاً من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح، على كل حر أو مملوك؛ ذكر أو أنثى، صغير أو كبير))، فلما قَدِمَ عليٌّ رضي الله عنه رأى رخص السعر؛ قال: ((قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل شيء)) [أخرجه أبو داود، وهذا لفظه، والنسائي]، وعنده: فقال عَليٌّ رضي الله عنه: ((أَمَا إذْ أَوْسِعَ الله عليكم، فأوسعوا؛ اجعلوها صاعاً من بُّرٍّ وغيره)) ..

وكان شيخنا رحمه الله يُقوي هذا المذهب، ويقول هو قياس قول أحمد في الكفَّارات أنَّ الواجب فيها من البُّرِّ (نصف الواجب) من غيره ..

 

وقت إخراج صدقة الفطر وكذا الأضحية:

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إخراج هذه الصدقة قبل صلاة العيد؛ وفي السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ)) [سنن أبي داوود؛ برقم: (1609)] ..

 

وفي الصحيحين: عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: ((أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر: أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1432)، وصحيح مسلم؛ برقم: (984)] ..


ومُقتضى هذين الحديثين: أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، وأنَّها تفوت بالفراغ من الصلاة، وهذا هو الصواب؛ فإنَّه لا مُعارض لهذين الحديثين، ولا ناسخ، ولا إجماع يَدْفَعُ القول بهما، وكان شيخنا يُقَوِّي ذلك وَيَنْصُرُهُ، ونظيره ترتيب الأُضحية على صلاة الإمام لا على وقتها، وأنَّ من ذبح قبل صلاة الإمام لم تكن ذبيحته أُضحية بل شَاةُ لحم .. وهذا أيضاً هو الصَّواب في المسألة الأخرى، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموضعين ..

 

لا تُعْطَى صَدَقَةُ الفِطْر إلاَّ للمساكين:

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصَّدقة، ولم يكن يُقَسِّمَهَا على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا مَنْ بَعْدهم؛ بل أحد القولين عندنا: إنَّه لا يجوز إخراجها إلاَّ على المساكين خَاصَّة، وهذا القول أِرْجِح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية ..

 

 هديه صلى الله عليه وسلم في صَدقة التَّطوع:

كان صلى الله عليه وسلم أعظم النَّاس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يَسْتَكْثِر شيئاً أعطاه لله تعالى، ولا يَسْتِقِلَّه، وكان لا يسأله أحد شيئاً عنده إلاَّ أعطاه، قليلا ًكان أو كثيراً، وكان عَطَاؤُه عَطَاءَ من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سُروره وفرحه بما يُعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود النَّاس بالخير يمينه كالرِّيح المرسلة ..

 

وكان صلى الله عليه وسلم إذا عَرض له مُحتاج آثره على نفسه، تارةً بطعامه، وتارةً بلباسه .. وكان يُنَوِّع في أصناف عطائه وصَدَقته، فتارةً بالهِبَة، وتارةً بالصَّدقة، وتارةً بالهدية، وتارة بشراء الشيء؛ ثم يُعطي البائع الثَّمن، والسِّلعة جميعاً كما فعل ببعير جابر رضي الله عنه ..

 

وتارةً كان يقترض الشيء فَيرَدُّ أكْثَرَ منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشَّيء فَيُعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهديَّة ويُكافئ عليها بأكْثَرَ منها، أو بأضعافها تَلَطُفاً وتنوعاً في ضُروب الصدقة والإحسان بكل مُمكن، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فَيُخرج ما عنده، ويأمر بالصَّدقة ويحض عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء .. وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه صلى الله عليه وسلم لا يملك نفسه من السماحة والندى ..

 

وكان هديه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإحسان والصَّدقة والمعروف، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم أَشْرَح الخلق صَدْراً، وأَطْيَبَهم نَفْساً، وَأَنْعَمَهم قلباً؛ فإنَّ للصدقة وفعل المعروف تأثيراً عجيباً في شَرْحِ الصَّدْرِ، وانْضَاَف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالنُّبُوَّة والرسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسّاً، وإخراج حظِّ الشَّيْطَان منه ..

 

اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على سيدنا الحبيب محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين ..



مقالات ذات صلة