تفسير آيات الصيام من تفسير (التحرير والتنوير) –(1)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من تفسير (التحرير والتنوير) –(1)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

 

قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) [سورة البقرة] ..

 

 

حُكم الصيام، حُكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فرداً فرداً؛ إذ منها يتكون المجتمع، وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر، وافتتحت بـ  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لما في النداء من إظهار العناية بما سيُقال بعده ..

 

 

والقول في معنى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) ودلالته على الوجوب تقدم آنفا عند قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ) الآية  ..

 

والصيام، ويقال الصوم: هو في اصطلاح الشرع : "اسم لترك جميع الأكل، وجميع الشرب، وقربان النساء مدة مُقدرة بالشَّرع بنية الامتثال لأمر الله، أو لقصد التقرب بنُذر للتقرب إلى الله" ..

 

 

والصيام اسم منقول من مصدر فعال، وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة، وقياس المصدر الصوم، وقد ورد المصدران في القرآن، فلا يُطلق الصيام حقيقة في اللغة إلاَّ على ترك كل طعام وشراب، وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء؛ لم يكن صياماً كما قال العرجي:

فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ *** وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا

 

وللصيام إطلاقات أخرى مجازية، كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة: 

خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ  ***  تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا

 

وأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب

 حَتَّى إِذَا سَلَخَا جُمَادَى سِتَّةً  *** جَزْءًا فَطَالَ صِيَامُهُ وَصِيَامُهَا 

 

 

والظاهر أن اسم الصَّوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القُربة، فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء، كما سنذكره..

 

 

وقول الفقهاء: إنّ الصوم في اللغة مُطلق الإمساك، وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي لا يصح؛ لأنه مُخالف لأقوال أهل اللغة كما في الأساس وغيره، وأما إطلاق الصَّوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول أم عيسى عليهما السلام: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [سورة مريم: 26]، فليس إطلاقاً للصوم على ترك الكلام، ولكن المراد أنَّ الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل ..

 

 

 فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني؛ أي: كُتب عليكم جنس الصيام المعروف .. وقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنهم قالت: ((كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وفي بعض الروايات قولها: ((وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُهُ))، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ((لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ)) ..

 

 

فمعنى سُؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه، لا تعرف أصل صومه، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: "فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ الْفَرِيضَةَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ)) .. فوجب صوم يوم عاشوراء بالسُّنَّة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن .. فالمأمور به صوم معروف، زيدت في كيفيته المعتبرة شرعاً قيود تحديد أحواله، وأوقاته بقوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... إلى قَوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) ..

 

 

وقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ ... الآية) .. وقوله: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) .. وبهذا يتبيّن أنَّ في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إجمالاً وقع تفصيله في الآيات بعده ..

 فحصل في صيام الإسلام ما يُخالف صيام اليهود والنصارى في قُيود ماهية الصيام وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مُماثلاَ لصيامهم تمام المماثلة ..

 

 

فقوله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم في الكيفيات، والتشبيه يكتفى فيه ببعض وُجوه المشابهة، وهو وجه الشَّبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأُمم السابقة، ولكنَّ فيه أغراضا ثلاثة تضمنها التشبيه:

 

أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها؛ لأنها شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطراد صلاحها ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كيلا يتميز بها من كان قبلهم ..

إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات؛ كما ورد في الحديث: ((أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُور،ِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمُ ... الْحَدِيثَ)) ..

 

ويُحبون التفضيل على أهل الكتاب، وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة؛ قال تعالى: (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ...) [سورة الأنعام: 156 – 157] ..

 

 

فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم، وقد كان صومهم الذي صاموه، وهو يوم عاشوراء إنما اقتدوا فيه باليهود، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بِصَوْمٍ أُنُفٍ، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين، إذ ألحقهم الله بصالح الأُمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) ..

 


والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين، فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان، ولمن يستثقله من قريبي العهد بالإسلام، وقد أكد هذا المعنى الضمني قوله بعده:  (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) ..

 


والغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مُقصرين في قبول هذا الفرض، بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة ..

 

ووقع لأبي بكر بن العربي في "العارضة"، قوله : كان من قول مالك في كيفية صيامنا: أنه كان مثل صيام من قبلنا، وذلك معنى قوله: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ..

 

 

 

 (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وفيه بحث سنتعرض له عند تفسير قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) ..

 

فهذه الآية شرعت وجوب صيام رمضان؛ لأن فعل " كُتب" يدل على الوجوب، وابتداء نزول سورة البقرة كان في أول الهجرة كما تقدم، فيكون صوم عاشوراء تَقَدّم عاماً، ثُمَّ فُرض رمضان في العام الذي يليه، وفي الصحيح:  ((أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات))، فلا شك أنَّه صام أوّل رمضان في العام الثاني من الهجرة، ويكون صوم عاشوراء قد فُرض عاماً فقط، وهو أول العام الثاني من الهجرة ..

 

 

 

والمراد بــ (الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع، وهم أهل الكتاب - أعني اليهود - لأنَّهم الذين يعرفهم المُخاطبون، ويعرفون ظاهر شئونهم، وكانوا على اختلاط بهم في المدينة، وكان لليهود صوم فرضه الله عليهم، وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم، وهو الشهر المسمى عندهم (تسري) يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع، إلى غروب اليوم العاشر، وهو يوم كفارة الخطايا، ويسمونه (كبور)، ثم إنَّ أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى، وهي الأيام الأُول من الأشهر الرابع، والخامس، والسابع، والعاشر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس، وصوم يوم (بوريم) تذكاراً لنجاتهم من غصب ملك الأعاجم "أحشويروش" في واقعة (استير) وعندهم صوم التطوع، وفي الحديث: ((أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ: صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا))، أَمَّا النَّصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتَّبعون صوم اليهود، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، ثُمَّ إِنَّ رُهْبَانَهُمْ شَرَعُوا صَوْمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا اقْتِدَاءً بِالْمَسِيحِ، إِذْ صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَبْلَ بَعْثَتِهِ)) ، [ ص: 158 ] وَيُشْرَعُ عِنْدَهُمْ نَذْرُ الصَّوْمِ عِنْدَ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي صِفَةِ الصَّوْمِ ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ تَرْكُ الْأَقْوَاتِ الْقَوِيَّةِ وَالْمَشْرُوبَاتِ ، أَوْ هُوَ تَنَاوُلُ طَعَامٍ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمِ يَجُوزُ أَنْ تَلْحَقَهُ أَكْلَةٌ خَفِيفَةٌ ..

 

 

 ويشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها، إلا أنَّهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة ..

 

 

وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بيان لحكمة الصيام ،وما لأجله شُرع، فهو في قوة المفعول لأجله لـ ( كُتِبَ) و " لعل" إمَّا مُستعارة لمعنى " كي" استعارة تبعية، وإمَّا تمثيلية بتشبيه شأن الله في إرادته من تشريع الصوم التقوى، بحال المترجي من غيره فعلاً ما، والتَّقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنَّما كان الصيام مُوجباً لاتقاء المعاصي؛ لأنَّ المعاصي قسمان:

 

 قسم: ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصب، فتركه يحصل بالوعد على تركه، والوعيد على فعله، والموعظة بأحوال الغير ..

 

 وقسم: ينشأ من دواع طبيعية؛  كالأمور الناشئة عن الغضب، وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها؛ لأنه يُعَدِّل القُوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية، والانتفاض من غبار الْكُدُرَاتِ الحيوانية ..

 


وفي الحديث الصحيح: ((الصَّوْمُ جُنَّةٌ))، أي: وقاية، ولما ترك ذكر مُتعلق (جُنَّةٌ) تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم، ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العلل والأدواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللَّذات ..

 

 

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

من تفسير " التحرير والتنوير"؛ لإمام أهل المغرب العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..