وقفات إيمانية مع آيات الصيام في القُرآن الكريم –(1)- للعلامة الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) ..

وقفات إيمانية مع آيات الصيام في القُرآن الكريم –(1)- للعلامة الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) ..


 

يقول الحق تبارك وتعالى:

(يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ..

 

والحق سبحانه يبدأ هذه الآية الكريمة بترقيق الحكم الصادر بالتكليف القادم، وهو الصيام؛ فكأنه يقول: "يا من آمنتم بي وأحببتموني: لقد كُتبت عليكم الصيام" ..

 

وعندما يأتي الحكم ممن آمنت به، فأنت تثق أنه يخصك بتكليف تأتي منه فائدة لك .. وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى، هب أنَّك تُخاطب ابنك في أمر فيه مشقة، لكن نتائجه مفيدة، فأنت لا تقول له: "يا ابني افعل كذا"، لكنك تقول له: "يا بُنَيَّ افعل كذا" وكأنك تقول له: "يا صغيري لا تأخذ العمل الذي أكلفك به بما فيه من مشقة بمقاييس عقلك غير الناضج، ولكن خذ هذا التكليف بمقاييس عقل وتجربة والدك" ..

 


والمؤمنون يأخذون خطاب الحق لهم (ياأيها الذين آمَنُواْ) بمقياس المحبة لكل ما يأتي منه سبحانه من تكليف حتى وإن كان فيه مشقة، والمؤمنون بقبولهم للإيمان إنما يكونون مع الحق في التعاقد الإيماني، وهو سبحانه لم يكتب الصيام على من لا يُؤمن به؛ لأنه لا يدخل في دائرة التعاقد الإيماني، وسيلقي سعيراً ..

 

 

والصيام هو لون من الإمساك؛ لأن معنى «صام» هو «أمسك»، والحق يقول: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً) [سورة مريم: 26] ..

 


وهذا إمساك عن الكلام .. إذن فالصوم معناه الإمساك، لكن الصوم التشريعي يعني الصوم عن شهوتي البطن والفرج من الفجر وحتى الغروب ..

 

 

ومبدأ الصوم لا يختلف من زمن إلى آخر، فقد كان الصيام الركن التعبدي موجوداً في الديانات السابقة على الإسلام، لكنه كان إمَّا إمساكاً مُطلقاً عن الطعام .. وإمَّا إمساكاً عن ألوان مُعينة من الطعام كصيام النَّصارى، فالصيام إذن هو منهج لتربية الإنسان في الأديان، وإن اختلفت الأيام عدداً، وإن اختلفت كيفية الصوم ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ..

 

 

ونعرف أن معنى التقوى هو أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية، وأن نتقي بطش الله، ونتقي النار وهي من آثار صفات الجلال .. وقوله الحق: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي أن نُهذب ونُشذب سلوكنا فنبتعد عن المعاصي، والمعاصي في النفس إنما تنشأ من شره ماديتها إلى أمر ما ..

 

 

والصيام كما نعلم يُضعف شِره المادية وحِدَّتها وتسلطها في الجسد، ولذلك يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للشباب المراهق وغيره: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) ..

 

 
وكأن الصوم يُشذب شِرَّة المادية في الجسم الشاب .. وإن تقليل الطعام يعني تقليل وقود المادة، فيقل السعار الذي يدفع الإنسان لارتكاب المعاصي ..

 

 والصيام في رمضان يُعطي الإنسان الاستقامة لمدة شهر، ويلحظ الإنسان حلاوة الاستقامة فيستمر بها بعد رمضان ..

 

والحق لا يطلب منك الاستقامة في رمضان فقط، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة لتشيع من بعد ذلك في كل حياتك؛ لأن اصطفاء الله لزمان، أو اصطفاء الله لمكان، أو لإنسان، ليس لتدليل الزمان، ولا لتدليل المكان، ولا لتدليل الإنسان، وإنما يُريد الله من اصطفائه لرسول أن يشيع أثر اصطفاء الرسول في كل الناس ..

ولذلك نجد تاريخ الرسل مليئاً بالمشقة والتعب، وهذا دليل على أن مشقة الرسالة يتحملها الرسول وتعبها يقع عليه هو .. فالله لم يصطفه ليُدَلِلَهُ، وإنَّما اصطفاه ليجعله أسوة ..

 

وكذلك يصطفي الله من الزمان أياماً لا ليدللها على بقية الأزمنة، ولكن لأنَّه سبحانه وتعالى يُريد أن يشيع اصطفاء هذا الزمان في كل الأزمنة، كاصطفائه لأيام رمضان، والحق سبحانه وتعالى يصطفي الأمكنة ليشيع اصطفاؤها في كل الأمكنة. وعندما نسمع من يقول: "زرت مكة والمدينة وذقت حلاوة الشفافية والإشراق والتنوير، ونسيت كل شيء"  ..

 

 

إن من يقول ذلك يظن أنه يمدح المكان، وينسى أن المكان يفرح عندما يشيع اصطفاؤه في بقية الأمكنة؛ فأنت إذا ذهبت إلى مكة لتزور البيت الحرام، وإذا ذهبت إلى المدينة لتزور رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلماذا لا تتذكر في كل الأمكنة أن الله موجود في كل الوجود، وأن قيامك بأركان الإسلام وسلوك الإسلام هو تقرب من الله ومن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ..

 

 

صحيح إن تَعَبُّدك وأنت في جوار بيت الله، يتميز بالدِّقة وحسن النية .. كأنك وأنت في جوار بيت الله وفي حضرة رسول الله تستحي أن تفعل معصية .. وساعة تسمع "الله أكبر" تنهض للصلاة وتخشع، ولا تُؤذي أحداً، إذن لماذا لا يشيع هذا السلوك منك في كل وقت وفي كل مكان؟! ..

 

 

إنك تستطيع أن تستحضر النية التعبدية في أي مكان، وستجد الصفاء النفسي العالي .. إذن فحين يصطفي الله زماناً أو مكاناً، أو يصطفي إنساناً؛ إنَّما يشاء الحق سبحانه وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس، واصطفاء المكان في كل الأمكنة، واصطفاء الزمان في كل الأزمنة، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن، وبعد أن ينتهي رمضان ينسون ذلك ..

 

 

وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا الدين، أم أن رمضان يجيء ليدربنا على أن نعيش بخلق الصفاء في كل الأزمنة؟ ..

 

وقوله الحق: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ) يدُلُّنا على أنَّ المسلمين ليسوا بدعاً في مسألة الصوم، بل سبقهم أناس من قبل إلى الصيام وإن اختلفت شكلية الصوم .. وساعة يقول الحق: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) فهذا تقرير للمبدأ، مبدأ الصوم، ويُفَصّلُ الحق سبحانه المبدأ من بعد ذلك فيقول:

(أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...) ..

 

إذن، فمدة الصيام هي شهر رمضان؛ ولأنه سبحانه العليم بالضرورات التي تطرأ على هذا التكليف، فهو يشرع لهذه الضرورات، وتشريع الله لرخص الضرورة إعلام لنا بأنه لا يصح مُطلقاً لأي إنسان أن يخرج عن إطار الضرورة التي شرعها الله، فبعض من الذين يتفلسفون من السطحيين يُحبون أن يُزينوا لأنفسهم الضرورات التي تُبيح لهم الخروج عن شرع الله، ويقول الواحد منهم: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286] ..

 


ونقول: إنك تفهم وتحدد الوُسعَ على قدر عقلك، ثم تقيس التكليف عليه، برغم أنَّ الذي خلقك هو الذي يُكلف ويعلم أنك تَسَعُ التكليف، وهو سبحانه لا يُكلف إلاَّ بما في وسعك؛ بدليل أن المشرع سبحانه يُعطي الرخصة عندما يكون التكليف ليس في الوسع ..  ولِنَرَ رحمة الحق، وهو يقول: (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وكلمة (مَرِيضاً) كلمة عامة، وأنت فيها حجة على نفسك، وبأمر طبيب مسلم حاذق يقول لك: "إن صمت فأنت تتعب"، والمرض مشقته مُزمنة في بعض الأحيان، ولذلك تلزم الفدية بإطعام مسكين.
وكذلك يُرخص الله لك عندما تكون (على سَفَرٍ) ..

 

 

 

وكلمة (سَفَرٍ) هذه مأخوذة من المادة التي تفيد الظهور والانكشاف، ومثل ذلك قولنا: "أسفر الصُّبح" . وكلمة "سفر" تُفيد الانتقال من مكان تُقيم فيه إلى مكان جديد، وكأنَّك كُلَّما مشيت خطوة تنكشف لك أشياء جديدة، والمكان الذي تنتقل إليه هو جديد بالنسبة لك، حتى ولو كُنت قد اعتدت أن تُسافر إليه؛ لأنه يصير في كل مرة جديداً لما ينشأ عنه من ظروف عدم استقرار في الزمن، صحيح أن شيئاً من المباني والشوارع لم يتغير، ولكن الذي يتغير هو الظروف التي تُقابلها، صحيح أن ظروف السفر في زماننا قد اختلفت عن السفر من قديم الزمان . .إن المشقة في الانتقال قديماً كانت عالية، ولكن لنقارن سفر الأمس مع سفر اليوم من ناحية الإقامة .. وستجد أن سفر الآن بإقامة الآن فيه مشقة، ومن العجب أن الذين يُناقشون هذه الرخصة يناقشونها ليمنعوا الرخصة، ونقول لهم: اعلموا أن تشريع الله للرخص ينقلها إلى حكم شرعي مطلوب؛ وفي ذلك يروي لنا جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: "كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلّل عليه فقال: ((ما هذا؟، فقالوا: صائم: فقال: لَيْسِ مِنَ البِّر الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ)) ..

 

 

 

وعندما تقرأ النَّص القرآني تجده يقول: (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) أي أنَّ مجرد وجود في السفر يقتضي الفطر والقضاء في أيام أُخر، ومعنى ذلك: أن الله لا يقبل منك الصيام، صحيح أنَّه سبحانه لم يقل لك: "افطر"، ولكن مُجرد أن تكون مريضاً مرضاً مُؤقتاً،  أو مُسافراً فعليك الصوم في عدة أيام أُخر،  وأنت لن تُشرع لنفسك ..

 

 

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة؛ فقد نهى عن صوم يوم عيد الفطر؛ لأن عيد الفطر سُمي كذلك، لأنه يُحقق بهجة المشاركة بنهاية الصوم، واجتياز الاختبار، فلا يصح فيه الصوم، والصوم في أول أيام العيد إثم، لكنَّ الصوم في ثاني أيام العيد جائز، لحديث عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ((أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نَهَى عَن صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْم الفِطْر ويَوْم الأَضْحَى)) ..

 

 

وقد يقول قائل: ولكنَّ الصيام في رمضان يختلف عن الصوم في أيام أُخر؛ لأن رمضان هو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن .. وأقول: إنَّ الصوم هو الذي يتشرف بمجيئه في شهر القرآن، ثم إنَّ الذي أنزل القرآن، وفرض الصوم في رمضان هو سبحانه الذي وهب الترخيص بالفطر للمريض، أو المسافر، ونقله إلى أيام أُخر في غير رمضان، وسبحانه لا يَعْجَز عن أن يهب الأيام الأُخر نفسها التجليات الصفائية التي يهبها للعبد الصائم في رمضان ..

 

 


إنَّ الحق سبحانه حين شرع الصوم في رمضان؛ إنما أراد أن يشيع الزمن الضيق زمن رمضان في الزمن المتسع وهو مدار العام .. ونحن نصوم رمضان في الصيف، ونصومه في الشتاء، وفي الخريف، والربيع، إذن فرمضان يمر على كل العام ..

 

 

ويقول الحق: (وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) والطَّوق هو القُدرة (فَيُطيقونه): أي يدخل في قُدرتهم وفي قولهم، و (الفِدْيَةُ) هي إطعام مسكين ..

 


ويتساءل الإنسان: كيف يطيق الإنسان الصوم، ثم يُؤذن له بالفطر مقابل فدية هي إطعام مسكين؟ ..  وأقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على أن فريضة الصوم قد جاءت بتدرج، كما تدرج الحق في قضية الميراث، فجعل الأمر بالوصية، وبعد ذلك نقلها إلى الثابت بالتوريث؛ كذلك أراد الله أن يُخرج أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َمن دائرة أنهم لا يصومون، إلى أن يصوموا صياماً يُخيّرهُم فيه؛ لأنهم كانوا لا يصومون، ثم جاء الأمر بعد ذلك بصيام لا خيار فيه، فكأن الصوم قد فُرض أولاً باختيار، وبعد أن اعتاد المسلمون وألفوا الصوم؛ جاء القول الحق: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وفي هذه الآية لم يذكر الحق الفدية أو غيرها .. إذن كانت فريضة الصوم القرار الارتقائي، فصار الصوم فريضة مُحددة المدة؛ وهي شهر رمضان (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وبذلك انتهت مسألة الفدية بالنسبة لِمَنْ يطيق الصوم، أما الذي لا يطيق أصلاً بأن يكون مريضاً أو شيخاً، فإن قال الأطباء المسلمون: إن هذا مرض "لا يُرجى شفاؤه"؛  نقول له: أنت لن تصوم أياماً أُخر، وعليك أن تفدي ..

 

 

 

لقد جاء تشريع الصوم تدريجياً ككثير من التشريعات التي تتعلق بنقل المكلفين من إلف العادات، كالخمر مثلاً، والميسر، والميراث، وهذه أمور أراد الله تعالى أن يَتَدَرَّجَ فيها ..

 

 

ويقول قائل: مادام فرض الصيام كان اختيارياً فلماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية: (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)؟

وأقول: عندما كان الصوم اختيارياً، كان لابد أيضاً من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمَنْ صام وأطعم مسكيناً فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم مسكينين، فذاك أمر أكثر قبولاً .. ومَنْ يدخل مع الله من غير حساب يُؤتيه الله من غير حساب، ومن يدخل على الله بحساب، يُعطيه الحق بحساب، وقول الحق: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ)، هو خطوة في الطريق لتأكيد فرضية الصيام، وقد تأكَّد ذلك الفرض بقول الحق: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، ولم يأت في هذه الآية بقوله: (وَأَن  تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ)؛لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض ..

 

 

 

إذن فالصيام هو منهج لتربية الإنسان، وكان موجوداً قبل أن يَبْعَثَ الحقَّ سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وعندما جاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل الصوم على المسلمين اختيارياً في البداية، ثم فريضة من بعد ذلك. وقد شرع الله الصوم في الإسلام بداية بأيام معدودة، ثم شرح لنا الأيام المعدودة بشهر رمضان ..

 

 

والذي يطمئن إليه خاطري أن الله بدأ مشروعية الصوم بالأيام المعدودة، ثلاثة أيام من كل شهر، وهو اليوم العاشر، والعشرون، والثلاثون من أيام الشهر، وكانت تلك هي الأيام المعدودة التي شرع الله فيها أن نصوم؛ وكان الإنسان مُخيَّراً في تلك الأيام المعدودة: إن كان مُطيقاً للصوم أن يصوم، أو أن يفتدي، أمَّا حين شرع الله الصوم في رمضان؛ فقد أصبح الصوم فريضة تعبدية، وركناً من أركان الإسلام، وبعد ذلك جاءنا الاستثناء للمريض والمسافر..

 

 

 

إذن لنا أن نلحظ أنَّ الصوم في الإسلام كان على مرحلتين:

 المرحلة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى شرع صيام أيام معدودة، وقد شرحنا أحكامها، والمرحلة الثانية: هي تشريع الصوم في زمن مُحدود هو شهر رمضان، والعلماء الذين ذهبوا إلى جواز رفض إفطار المريض وإفطار المسافر؛ لأنهم لم يرغبوا أن يردوا حكمة الله في التشريع، أقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حين يُرخص لابد أن تكون له حكمة أعلى من مستوى تفكيرنا، وأن الذي يُؤكد هذا أن الحق سبحانه وتعالى قال: (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر).. الحكم هنا هو الصوم عدة أيام أخر، ولم يقل فمن أفطر فعليه عدة من أيام أخر، أي أن صوم المريض والمسافر قد انتقل إلى وقت الإقامة بعد السفر، والشفاء من المرض، فالذين قالوا من العلماء: هي رخصة، إن شاء الإنسان فعلها وإن شاء تركها، لابد أن يقدر في النص القرآني (وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ)، فأفطر، (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ..

 

 

ونقول: ما لا يحتاج إلى تأويل في النص، أولى في الفهم مما يحتاج إلى تأويل، وليكن أدبنا في التعبير ليس أدب ذوق، بل أدب

طاعة؛ لأن الطاعة فوق الأدب .

.

إذن فالذين يقولون هذا لا يلحظون أنَّ الله يريد أن يخفف عنا، ثم ما الذي يمنعنا أن نفهم أن الحق سبحانه وتعالى أراد للمريض وللمسافر رخصة واضحة، فجعل صيام أي منهما في عدة من الأيام الأُخر .. فإن صام في رمضان وهو مريض أو على سفر؛ فليس له صيام، أي أن صيامه لا يُعتد به، ولا يُقبل منه، وهذا ما أرتاح إليه .. ولكن علينا أن نُدخل في اعتبارنا أن المراد من المرض والسفر هنا، هو ما يخرج مجموع ملكات الإنسان عن سويّتها ..

 

* - للموضوع -صلة- بمشيئة الله تعالى .. 

* - تفسير العلاّمة الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله) ..