إفحام من زعم أن بالقُرآن الكريم أخطاء لغوية – (2) الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..

إفحام من زعم أن بالقُرآن الكريم أخطاء لغوية – (2) الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..

وأستكمل بمشيئة الله تعالى ما بدأته في الجزء الأول من هذه الدراسة التي خصصتها للرد على المُفتري المُدّعي كذباً وزوراً بأن في القُرآن العظيم –كتاب الله الكريم- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أخطاءً لُغوية؛ فكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقُولون إلاَّ كذباً ..

(5) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن – (نصب المعطوف علي المرفوع)، في [سورة البقرة : 177]، في قوله تعالى:  (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) .. فلماذا لم يرفع المعطوف علي المرفوع، فيقول: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون وليس الصابرين؟

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

قال علماء العربية الفراء والأخفش – (الْمُوفُونَ) معطوفة علي (مَن)؛ لأنَّ (مَن) هنا اسم موصول يفيد الجمع في محل رفع؛ كأنه قال: (لكنَّ البِرَّ المؤمنون الموفون)..

و (الصَّابِرِينَ) نصب علي المدح، فالعرب تنصب علي المدح وعلي الذم؛ كأنَّهم يُريدون بذلك إفراد الممدوح أو المذموم ..

أمَّا المدح كما في قوله (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)[1]، فسيأتي عند التعليق علي الفقرة رقم (9) إن شاء الله تعالى ..

 

 (6) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن –  (أتي بجمع قلة حيث أريد الكثرة)، في [سورة البقرة: 182 – 183]، في قوله تعالى:( كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) .. فلماذا لم يقل: (أياما معدودة، وليس معدودات؟) ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 - أن المراد بالأيام في قوله تعالي: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبَّر عن شهر رمضان بــ (أيام) وهي جمع قلة ووصف، (مَّعْدُودَاتٍ)، وهي جمع قلة أيضاً تهويناً لأمره علي المكلَّفين، و (المعدودات) كناية عن القلة لأن الشيء القليل يُعد عدَّا[2].

2 - قال العلماء: كل (مَّعْدُودَاتٍ) في القرآن الكريم أو (معدودة) دون الأربعين، ولا يقال ذلك لما زاد [3].

 

 (7) -  ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن –  (حذف جواب الشرط في القرآن)، في [سورة البقرة: 227]، في قوله تعالى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). والتقدير (إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ) فلا تُؤذوهم؛ فإن الله فَإِنَّ يسمع أقوالهم ويعلم أفعالهم ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 -  أولاً: إعراب الآية الكريمة: فـ (إنْ) حرف شرط جازم (عَزَمُوا) فعل ماضٍ مبني علي الضم في محل جزم فعل الشرط و (الواو) فاعل ، (الطَّلَاقَ) مفعول به منصوب، (الفاء) رابطة لجواب الشرط، (إنْ) حرف مُشبه بالفعل للتوكيد، (اللهَ) لفظ الجلالة اسم منصوب (سَمِيعٌ) خبر إن مرفوع (عَلِيمٌ) خبر ثان مرفوع، وجملة (عَزَمُوا الطَّلَاقَ) لا محل لها معطوفة علي جملة (فَإِن فَاءُوا) في الآية السابقة[4] ..

2 – ثانياً: ومن حيث البلاغة: فهذا من البلاغة القُرآنية؛ حيث التعبير عن المقصود بكلمات قليلة دون إخلال بالمعني؛ فالبلاغة في الإيجاز. يقول ابن هشام رحمه الله: "ويجوز حذف ما علم من شرط ... وما علم من جواب "[5] ..

 

(8) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن –  (وضع الفعل المضارع بدل الفعل الماضي)، في [سورة آل عمران: 59]، وقول الله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) .. فلماذا قال: (كُن فَيَكُونُ)، ولم يعتبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع، فيقول: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) ثم قال له كن فكان ؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 – أنّ هذا الاسلوب شائعٌ ومعروفٌ عند من له إلمام بالعربية؛ فالمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عُرف المعني[6] ..

2 - قوله تعالي: (كُن) تعبير عن تعلق القدرة بتكوينه حياً ذا روح، ليعلم السامع أنَّ التكوين ليس بصنع يد ولا نحت آلة، ولكن بإرادة وتعلُّق وقُدرة .. و (كُن) في محل نصب مقول القول،  وجملة (يَكُون) في محل رفع خبر لمتبدأِ محذوفٍ تقديره هو ..

3 - وإنما قال (فَيَكُونُ)،  ولم يقل (فكان)؛ لاستحضار صورة تكوينه[7] ..

 

(9) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن –  (نَصب المعطوف علي المرفوع)، في [سورة النساء: 161]، وقوله تعالى: (لَّٰكِنِ* الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) .. فلماذا لم يرفع المعطوف علي المرفوع، فيقول: (و لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ) .. (وَالْمُؤْمِنُونَ) ..( والمقيمون الصلاة) .. وليس المقيمين الصلاة ؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 -  أولاً: أبدأ بتصحيح خطأ هذا المفتري الجاهل؛ فالآية الكريمة تبدأ بقول الله تعالي: (لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ)، بدون (الواو)، وليس (و لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ) كما زعم، فأضاف (حرف الواو) للآية، وهي ليست منها !!

2 – ثانياً: قراءة الجمهور (وَالْمُقِيمِينَ) منصوب علي المدح، أي وأعني (الْمُقِيمِينَ)، وهو مذهب البصريين في النحو[8] ..

3 – ثالثاً: قال سيبويه: "هذا باب (ما يُنصب علي التعظيم)، مُستشهداً بقول الشاعر[9]:

وكل قوم أطاعوا أمر مُرشدهم  ***  إلاَّ نميراً أطاعت أمر غاويها

الظاعنين ولمَّا يظعنوا أحداً   ***  القائلون لمن دار نخليها

وقالت امرأة تصف قومها[10]:

لا يبعدنَّ قومي الذين هم    ***  سم العداة وآفة الجزر

النازلين بكل معترك      ***      والطيبون معاقد الأزر

 

(10) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي جاهل، قوله: أن القُرآن –  (رفع المعطوف علي المنصوب)، في [سورة المائدة: 72]؛ هكذا كتب الجاهل المفتري رقم الآية !! .. وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...) .. لماذا لم ينصب المعطوف علي اسم إنَّ، فيقول: (إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئين) .. وليس الصابئون ؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 – أولاً: رقم الآية في المصاحف المتداولة (69) وليس (72) كما ذكر المفتري المُدَّعي ..

2 - ثانياً: هذه هي بلاغة القرآن،  وهذا هو إعجازه، وهذه هي لغة العرب، وإن بدت لك غريبة ..

3 – ثالثاً: قال سيبويه: "إنّ النّية به التأخير بعد خبر (إنّ) وتقديره (ولا هم يحزنون، والصائبون كذلك) .. فهو مُبتدأ والخبر محذوف، ومثله قول الشاعر[11]:

فمن يكُ أمسي بالمدينة رحله  *** فإني وقيار بها لغريب

والمعني: فإني (لغريب) و (قيار) كذلك ..

4 – رابعاً: يري العلاَّمة الشيخ محمد الطَّاهر بن عاشُور رحمه الله صاحب التحرير والتنوير: أنَّ خبر (إِنَّ) محذوف دلَّ عليه قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ)، فتكون (وَالَّذِينَ هَادُوا) عطف جُملة علي جملة فيجعل (وَالَّذِينَ هَادُوا) مبتدأ، فتكون (وَالصَّابِئُونَ) معطوف عليه مرفوع مثله[12] ..

5 – خامساً: واللغة العربية، لغة القُرآن العظيم تَسَعُ هذا كُله، "فَعِلم النَّحو" غزير في جُزئياته ودقائقه ..

 

(11) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي جاهل، قوله: أن القُرآن جاء فيه:– (تذكير خبر الاسم المؤنث)، في [سورة الأعراف: 56]، في قول الله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) .. لماذا لم يتَّبع خبر (إنَّ) اسمها في التأنيث، فيقول: إنَّ رحمة الله قريبة، وليس إنَّ رحمة الله قريب؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 -  أولاً: فائدة: كُتبت كلمة (رَحْمَتَ) في هذه الآية الكريمة "بالتاء المفتوحة" في المصحف الشريف، وليس "بتاء التأنيث المربوطة" (رحمة) كما وردت في الورقة، وذلك مُفيد في حالة الوقف عليها عند من له إلمام بقراءة القرآن[13] ..

 

2 -  ثانياً: يقول النحويون: "ورُبَّما كان المضاف مُؤنثاً فاكتسب التذكير من المضاف إليه، كقوله تعالي: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) .. (فرحمة) مؤنث، واكتسبت التذكير بإضافتها إلى (الله) تعالي "[14] ..

3 – ثالثاً: قال العلماء: " لم تُؤنث (قَرِيبٌ)؛ لأنه أراد بالرحمة المطر أو الثواب فعاد النعت عليه .. وقيل: هو علي النَّسب، أي ذات قرب،  كما يقال: امرأة طالق، وليس طالقة[15] ..

 

(12) - ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي جاهل، قوله: أن القُرآن جاء فيه:– (تأنيث العدد وجمع المعدود)، في [سورة الأعراف: 160]، في قول الله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) لماذا لم يذَّكر العدد، ويأتي بمفرد المعدود فيقول: اثني عشرة سبطاً .. وليس اثنتي عشرة أسباطاً؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

* -  (أَسْبَاطًا) أي جماعات، وهي كالقبائل في العرب، جمع، ومؤنث والتقدير (اثنتي عشرة أمة). فأنَّثَ لفظ (عَشْرَةَ)؛ لأنَّ المحذوف مُؤنث تقديره (أُمَّة أو فرقة)[16] ..

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

بقلم: فضيلة الشيخ د. سر الختم عُكاشة (حفظه الله) ..

________________

[1] -  الجامع لأحكام القرآن الكريم؛ للإمام القُرطبي رحمه الله: (ج ـ2/ ص240).

[2] - التحرير والتنوير؛ للعلاّمة ابن عاشور – ابن عاشور رحمه الله: (ج2/ص 161).

 [3] – روح المعاني؛ للعلاَّمة الألوسي رحمه الله: (ج2/ص86).

 [4] – الجدول في إعراب القرآن وصرفه؛ للعلاّمة محمود الصّافي رحمه الله: (ج2/ص391).

 [5] – أوضح المسالك إلي ألفية ابن مالك؛ للعلاّمة ابن هشام الأنصاريّ رحمهم الله: (ج4/ص: 194 – 195).

[6] – الجامع لأحكام القرآن الكريم للإمام القرطبي رحمه الله: (ج4/103).

[7] – التحرير والتنوير؛ للعلاّمة ابن عاشور: (ج3/ص263).

* - انظر التعليق ..

[8] – التبيان في إعراب القرآن؛ للإمام العُكبري رحمه الله: (ج1/ص407).

[9] – هو: ابن الخيَّاط: قوله (الظَّاعنين، ولمَّا يظعنوا أحداً؛ أي يخافون من عدوهم لقلتهم وذلهم؛ فيظعنون أي يرحلون، وقوله: (لمن دار نُخَلِّيها) أي" إذا رحلوا عن دار لم يعرفوا من يسكنها بعدهم؛ لخوفهم من جميع القبائل ..

[10] – هي: خرنق بنت عفان، من بني قيس، تصف قومها بالشجاعة والظهور علي العدو، وتصفهم بالكرم، ونَحْر الجزور للأضياف، كما تصفهم بالعفة والطهارة والبعد عن الفاحشة، انظر: (الجامع لأحكام القرآن الكريم للإمام القُرطبي رحمه الله: (ج6/ص14).

 [11] – الشاعر هو: ضابئ البرجمي، و (قيار) اسم رجل، أو اسم فرس، انظر (التبيان في إعراب القرآن؛ للإمام العُكبري: (ج1/ص451).

[12] – التحرير والتنوير؛ للعلاَّمة ابن عاشور: (ج6/ص269).

[13] – وردت كلمة (رَحْمَتَ) مرسومة بتاء مفتوحة في سبعة مواضع في القرآن الكريم، ويوقف عليها (بالتاء) وهذه المواضع هي:

1 -  قول الله تعالى: (أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ)، الآية: 218 من سورة البقرة.

2 -  قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)، الآية: 56 من سورة الأعراف.

3 -  قوله تعالى: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، الآية: 73 من سورة هود.

4 – قوله تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)، الآية: 2 من سورة مريم.

5 – قوله تعالى:  (فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، الآية: 50 من سورة الروم.

6 -  (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ)، الآية: 32 من سورة الزخرف.

7 -  (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)، الآية: 32 من سورة الزخرف.

جمعها الإمام ابن الجزري رحمه الله، في قوله:

(ورحمت الزخرف بالتاء زبرة * الأعراف روم هود كاف البقرة ) = قوله رحمه الله: (بالتاء زبرة)؛ أي كُتبه، وقوله:  (كاف)، أي: سورة مريم.

[14] - شرح ابن عقيل: (ج 2/ص50 – 51)، وأوضح المسالك: (ج3/ص91 – 96).

[15] - الجدول في إعراب القرآن: (ج/8 ص353)، والجامع لأحكام القرآن: (ج7/ص226).

[16] - الجدول في إعراب القرآن: (ج9/ ص89).

* - انظر التعليق ..