إفحام من زعم أن بالقُرآن أخطاء لُغوية –(3)- بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..

إفحام من زعم أن بالقُرآن أخطاء لُغوية –(3)- بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..


وأستكمل بمشيئة الله تعالى ما بدأته في (الجزء الثاني) من هذه الدراسة التي خصصتها للرد على المُفتري المُدّعي كذباً وزوراً بأن في القُرآن العظيم –كتاب الله الكريم- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أخطاءً لُغوية؛ فكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقُولون إلاَّ كذباً ..

 

 (13) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن

(حذف جواب الشرط)، في [سورة الأنفال: 38]، في قوله تعالى: (وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) .. فجواب الشرط محذوف وتقديره: وإن يعودوا فليحظروا* أن يصيبهم ما أصاب الآخرين ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 – الآية كاملة؛ قال الله تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) [سورة الأنفال: 38] ..

2 -  كتب (فليحظروا) وهو خطأ والصواب (فليحذروا) ..

3 – جُملة (إِن يَعُودُوا) في محل نصب معطوفة علي جُملة  (إِن يَنتَهُوا)، وجملة  (وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) لا محل لها تعليل لجواب الشرط المقدر [أي -(إِن يَعُودُوا)- ننتقم منهم؛ لأنَّه: (قَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ)-] ..  

ويجوز عند بعض النحويين جعل الجملة جواباً للشرط في محل جزم . [1]

وهذا أيضا من البلاغة والإيجاز ..

 

(14) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن

(أتي بضمير المفرد العائد علي المثني)، في [سورة التوبة: 62]، في قوله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) فلماذا لم يثني* الضمير العائد علي الاثنين؛ فيقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، وليس يرضوه؟ ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 – الآية كاملة؛ قال الله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ) [سورة التوبة: 62] ..  

2 – ونُصحح خطأً إملائياً للمُفتري المُدَّعي، وهو قوله: (لم يثني) بإثبات الياء في آخر الفعل بعد الجازم، وهذا خطأ، والصواب حذف الياء (حرف العلة) هكذا (لم يُثَنِّ) ..

والعجيب أن إنسانا بهذا الضعف في الإملاء واللُّغة يعترض علي فصاحة القرآن وإعجازه البياني. وكان الأولي إهماله، لولا احتمال أن يفتن بعض المبتدئين أو قليلي المعرفة بالعربية بأراجيفه وادَّعاءاته وأكاذيبه ..

3 – قول الله تعالى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) ابتداء وخبر .. وذهب سيبويه أنَّ التقدير: (واللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ وَرسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ)، ثم حذف للإيجاز،  كما قال الشاعر:

نَحن بمَا عِنْدَنَا وِأَنْتَ بِمَا  *** عِنْدَكَ رِاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ [2]

4 - أفرد الضمير؛ لأنَّه أراد عود الضمير علي أول الاسمين، واعتبار العطف من عطف الجمل، بتقدير (واللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرضُوهُ وَرسُولُهُ كذلك) ..

 

(15) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، ما تخيله وظنَّه خطأً في قول الله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) في [سورة التوبة: 69] .. وتساءل هذا المُدَّعي مُستنكراً، فقال:  لماذا لم يجمع (اسم الموصول العائد علي ضمير الجمع)؛ فيقول: (وخضتم كالذين خاضوا، وليس وخضتم كالذي خاضوا)؟..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

1 – لتوضيح المعنى أذكر الآية رقم (96) من سورة التوبة والآية (68) التي قبلها كاملة؛ قال الله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) [سورة التوبة:68 - 69] ..

2 - قال عُلماء اللغة العربية: إن (الكاف) في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي وخضتم خوضا ًكالذين خاضوا، و (الذي) اسم ناقص يُعبّر به عن الواحد والجمع . [3]

 

(16) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: ما جاء في  القُرآن من (الالتفات من المخاطب إلي الغائب قبل إتمام المعني)، في [سورة يونس: 22]، في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ...)

وهي الآية القُرآنية الكريمة التي كتبها المفتري الجهول، على النحو التالي:

يونس: 21 (هو الذي صيركم* في البر والبحر حتي إذا كنتم في الفلك وجارين* بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم* ريح عاصف) !! ..

ثم قال هذا الجهول: فلماذا التفت عن المخاطب إلي الغائب قبل إتمام المعني، وكان الواجب أن يصر علي خطاب المخاطب؟!! ..

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، هي على النحو التالي:

أولاً: لتوضيح المعنى لتوضيح المعنى أذكر الآية كاملة؛ قال الله جلّ شأنه سُبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [سورة يونس: 22] ..

ثانياً: الآية في سورة يُونس ورقمها (22)، وليس (21) كما كتب هذا المفتري الجهول! ..

ثالثاً: أنّه قرأ الآية الكريمة وكتبها خطأ فتغيَّر المعني، كتب (صيركم) بالصاد وفي الماضي !! والصواب (يُسيِّركم) بالسين وفي المستقبل، ولا شك أنَّ هناك فرقاً أخلَّ بالمعني، فظنَّ هذا الجهول أنَّ المعني مخُتل، ثُمَّ إنَّ هُناك خطأ آخر حيث كتب (جَرَيْنَ) بمد الجيم (جارين)،  وكتب (جَائَتْهَا) جهلاً وتدليساً وافتراءً (جاءتهم) .. وهذا إن دلَّ على شيء؛ فإنما يَدُلُّ على عدم استقامة لسانه وعدم فهمه لمرامي الآيات ومعانيها، وأنَّ هذه المشاغبة وهذا الافتراء على القُرآن العظيم تدل على جهل فاضح، وفشل واضح ..

رابعاً: ولمزيد من توضيح المعنى، أقوم بإعراب بعض الكلمات: (يُسيّر) مضارع مرفوع و (كُمْ) ضمير مفعول به والفاعل مستتر جوازاً تقديره هو (فِي الْبَرِّ) جار ومجرور متعلق بـ (يُسَيِّرُ) . [4]

خامساً: (الالتفات) من المخاطب إلي الغيبة والعكس أسلوب من أساليب البلاغة في اللغة العربية؛ فلو قال: (وجرين بكم) لكان مُوافقاً (لكنتم)، وكذلك (َفَرِحُوا) وما بعده. [5]

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

بقلم: فضيلة الشيخ د. سر الختم عُكاشة (حفظه الله) ..

________________

[1] -  الجدول في اعراب القرآن وصرفه، للأستاذ محمود صافي، رحمه الله: (ج9/ص191).

* - انظر التعليق ..

[2] -  شرح ابن عقيل، شرح العلاَّمة محمد مُحي الدين عبد الحميد رحمهم الله: (ج1 ص227 – 228)، والجامع لأحكام القرآن : (ج8 ص193).

 

 [3] – التبيان في إعراب القُرآن؛ لأبي البقاء العُكبري، رحمه الله: (ج2 /ص650)، وانظر أيضاً الجامع لأحكام القرآن: (ج8/ص201).

* - انظر التعليق في الصفحة التالية ..

 [4] – الجدول في اعراب القرآن وصرفه، للأستاذ محمود صافي، رحمه الله: (ج11/ص84).

 [5] – التبيان في إعراب القُرآن؛ لأبي البقاء العُكبري،  رحمه الله: (ج2/ص669).