شهادة الشيخ أمين الخولي بعظمة القُرآن – بقلم: العلاّمة أ. د. محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف (حفظه الله) ..

شهادة الشيخ أمين الخولي بعظمة القُرآن – بقلم: العلاّمة أ. د. محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف (حفظه الله) ..

 

 

للمرحوم الشيخ أمين الخولي [ 1313 – 1385 هـ / 1895 – 1966 م] وهو شيخ الأمناء – الذي تتلمذت علي يديه أجيال من كبار الأساتذة .. والذي يحظي بالاحترام والتقدير لدي كثير من العلمانيين – ..

 

لأمين الخولي كُتيب صغير [عن القرآن الكريم] – كتبه في الأصل تعليقاً علي مادة ((القرآن)) في دائرة المعارف الإسلامية – التي كتبها المستشرقون – ولقد أَعَدْتُ نَشْرَ هذا الكُتَيِّب، وَقَدَّمْتُ له في سلسلة ((في التنوير الإسلامي)) ..

ولأنَّ بعضاً من أحفاد ((مسيلمة الكذاب)) – بل وبعضاً من الذين يتمسحون في "أمين الخولي" – يهرفون بما لا يعرفون حول القُرآن الكريم، فإنَّ من المفيد أن نضع أمام أعينهم – إن كانوا يُبصرون – ما كتبه هذا الشيخ الجليل عن القرآن ..

 

 * - لقد تَحَدَّثَ "أمين الخولي" عن مقاصد الترتيب للقرآن، وفلسفة هذا الترتيب، فقال: ((إنَّه ترتيب مُتَفَردٌ، ينبغي أن يُقَدَّرَ ما فيه من القصد إلي أن يكون – أولاً، وقبلَ كُلِّ شيء، ومع كُلِّ شيء .. كتاب هداية نفسية خُلقية اجتماعية، تتناسب مع عُموم الدعوة الإسلامية، وَتَوْجِيهها إلي الإنسانية جمعاء، في كل زمان ومكان .. وتتناسب مع دوام الدعوة الإسلامية، واستمرارها إلي آخر الدَّهر، وعلي مدي الزمن، مادامت علي هذه الأرض حياة، كما تتناسب كذلك مع خَتْمِ هذه الدعوة لرسالات السماء إلي الأرض، واستطاعة الدُّنيا أن تكتفي بها، وتلتقي عندها فالقرآن يمسّ دائماً الأصول الكُبرى، والأُسس العامة، والقواعد الكلية، في إطار من الشُّعور الديني المؤمن، والفضيلة الخلقية المُصْلِحَة لنفوس البشر، المُهَيئة لهم أن يكونوا – في نشاطهم العملي وجهادهم الحيوي – أُنَاساً أخياراً، أطهاراً، أبراراً، غير مُتكالبين ولا مُتناحرين، ولا مُتباغضين ..

 

 * - وإذا ما مَسَّ القُرآن شيئاً من التفصيلات تَطَلّبها واقع الحياة فلتكون كذلك مثلاً عامة، يرجع إليها النَّاس فيما أمرهم به من التبصر والاعتبار، بمثل قوله: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، وبذلك يمضون – علي تغيّر أحوالهم، وتطور شُئونهم، واختلاف بيئاتهم، وتنوع مُشكلاتهم – وهم دائما أولئك المراقبون لربهم، المحكّمون لضمائرهم، المُقَدٌرون لمسئولياتهم .. يُدبّرُون من أُمورهم المتجددة ما تصلح به حياتهم .. في ظلٌ تلك الغشية من قلوب وجلة، ونفوس مُطمئنة، لا تنسي نصيبها من الدنيا، وتذكر مع ذلك اليوم الآخر، والحساب المرتقب ..

 

 * - ومن هذا الترتيب، الذي تَوَزَّعت في جميع أجزائه وآياته مواضع العبرة الهامة، نجد الهداية المرجُوَّة، في كُلِّ قطعة منه، وكُل بيان، وكل قصة، وكل موعظة ..)) ..

 

كذلك كَتَبَ هذا الشيخ الجليل العلاَّمة، عن تدوين القرآن – لحظة نزوله – وعن جَمْعِه – فقال: ((لقد كانت للرسول صلي الله عليه وسلم عناية بنشر الكتابة في مُجتمعه .. وكان له كَتَبَةُ وحي يكتبون بين يديه القرآن، ويكتبون رسائله، وقد بلغ عددهم إلي بضعة وعشرين شخصاً .. ورأي عليه السلام لبعضهم أن يتعلموا من اللُّغات غير لغتهم العربية .. وكذلك كُتب القُرآن أولاً بأول، مع حِفْظِ ما ينزل منه كذلك أولاً بأول ..

 

إنَّ القُرآن الكريم حينما تَمَّ نُزوله مُفَرَقاً، كان يحفظه نفرٌ من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، منهم من حفظه كُله بأجمعه، ومنهم من حَفِظَ ما تَيَسَّرَ منه، وكان قد كُتب الكتابة التي مكَّنت منها الظروف .. وهذا ما يُمكن أن نُسَمِّيه الجمع الأول للقرآن، إذ اجتمع به في صُدور حفاظ أقوياء الحافظة .. واجتمع في مكتوبات، وإن لم تأخذ صورة الصحف أو الكتاب كما نفهمها اليوم، لتفرد المواد التي كانت عليها الكتابة، واختلاف أنواعها ..)) ..

 

* - هكذا تَحَدَّثَ الشيخ "أمين الخولي" – شيخ الأمناء – وخريج الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي .. وأستاذ الجامعة .. وعضو مجمع اللغة العربية .. وأحد شيوخ التحقيق للتراث .. والمؤلف المتميز .. وأحد عقول العصر وبُلَغَائِه .. هكذا تَحَدَّثَ عن المقاصد الإلهية لترتيب آيات القُرآن الكريم .. وعن التدوين والحفظ لهذا القرآن، علي يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم، وكيف أنجز الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وعدَ الله سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)  ..

 

لقد مَضَي المرحوم الشيخ أمين الخولي [1313 – 1385 هـ / 1895 – 1966م] في حديثه عن القُرآن الكريم، فعرض لعدد من القضايا .. ولعدد من الشُّبهات التي يُثيرها خصوم هذا القرآن ..

 

*- عَرَضَ للحديث عن الجمع الذي قام به الصحابة – علي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه – والذي كان – في الحقيقة – جَمْعاً للصحائف التي كُتِبَ فيها القرآن علي عهد الرسول صلي الله عليه وسلم؛ فقال شيخنا: ((إن هذا الجمع الذي تَمَّ في عهد أبي بكر  رضي الله عنه كان الجَمْع الذي يُحقق المعني المادي للجمع والضم– [فكأنه جَمع الملازم في كتاب] .. والحال التي تمَّ فيها وبها هذا الجمع، تُهَيِّئ من الاطمئنان إلي المجموع ما لا يكاد يتوافر مثله علي التاريخ لما حفظت البشرية من نصوص وأصول ..)) ..

 

* - وبعد هذا القطع – من هذا العلم المحقق – بأنَّ القرآن قد حظي – في التدوين والجمع – بما لم يحظ به نصٌ من النصوص علي امتداد تاريخ البشرية قاطبة .. عَرَضَ لما يُثار حول هذا التدوين والجمع للقرآن من شُبُهات ..

 

 فقال: ((أمَّا الأخبار التي تُلْقِي ظِلالاً علي هذه الحقائق، فإنَّنا لا نشعر بحاجة إلي الوقوف عند شيء منها، لغير سبب واحد يقضي بالانصراف عن ذلك:

فهي أخبار آحاد لا يسهل فحصُ أسانيدها .. وهي، مع ذلك، عُرضة للتأثر بأهواء ذوي الهوي من أصحاب العصبية الدينية ..

 

والخصومة الاعتقادية في كل حين – رَوَّجَها في القديم مَنْ رَوَّجَها من هؤلاء، ويُثير الغبار بها أشباه لهم في هذا العصر، من ذوي الأغراض السياسية والاعتقادية المحترفين ذلك .. وهي، مع كل، لا تمسّ القرآن من بعيد أو قريب لو تمثّل الواقفون عندها الظروف والملابسات التي جُمع فيها القرآن هذا الجمع الثاني زمن أبي بكر رضي الله عنه، فحالُ الناس إذ ذاك، ومدي معرفتهم للقرآن، وحال مَنْ قام بهذا الجمع، وقدرته عليه، وقدر الرقابة العامة علي ما يتمّ من عمل في ذلك، والطاقة الإنسانية الممكنة في مِثْل هذا الجمع، وما تَهَيَّأ منها للبشرية كل حين في حِفْظِ مثل تلك النصوص الدينية أو الدنيوية، وما يتصل بكل ذلك من معان واعتبارات كبُري – تُعطي ضمانات لمثل هذا العمل يكون الوقوف بعدها عند مثل الأخبار المتناقلة عن طريقة الجمع، وأحواله، مما يبدو عبثاً لا طائل تحته ..

 

وما أري إلاَّ أن تمثّل حال المسلمين عند هذا الجمع سنه 11 هـ، وحال القرآن فيهم، أولي للمُعْتَقِد والباحث جميعاً من الوقوف عند منثورات أخبار آحاد أكثرها مُعلقة لا سند لها، وهي خليقة باضطرابها أن تخفي الصورة الصحيحة المشرقة، للحياة والناس، والظروف التي جُمع فيها القرآن؛ جَمْع أبي بكر رضي الله عنه الثاني، بعد جَمْع الرسول صلى الله عليه وسلم الأول قبله .. )) ..

 

* - وبعد تبديد هذه الشُّبهات – التي هي  ((عَبَثٌ لا طائلَ تَحْتَه)) – حَقَّقَ الشيخ "الخولي" قضية جَمْع عثمان بن عفان رضي الله عنه الأمة علي مصحف واحد، وقضية الأحرف السبعة التي نَزَلَ بها القرآن، فقال: ((إنَّ الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع، وإنَّما هي لهجات مُختلفة في اللغة العربية، وُجدت في القرآن جملة، لا أنَّها كانت سبع لهجات في كل آية وكل موضع من القرآن، ولقد كانت ضرورة حيوية اقتضاها الواقع اللُّغوي للعربية .. وهذه الضرورة قد ارتفعت الحاجة إليها حيث تَغَيَّرَ حال المجتمع الإسلامي، عندما انضبط الأمر، وتدربت الألسن، وكَثُرَ الناس والكُتَّاب .. وعندما ارتفعت هذه الحاجة إلي الأحرف المختلفة جَمَعَ عثمان رضي الله عنه ((المصحف الإمام)) .. فكان مُصحفه رضي الله عنه حرفاً واحداً ..

 

لقد غدا الناس – بعد جيل تغيرت فيه الحياة تغيراً جوهرياً كبيراً – لا ضرورة تقضي عليهم باستعمال حروفهم، لئلا يختلفوا، فقد صاروا بحيث يستطيعون الاتفاق .. وهذا الذي صَنَعَه عثمان رضي الله عنه،  إذا ما سَمَّينَاه جَمْعاً،  فإنَّه لجدير بأن يُسمي جَمْع المسلمين؛ لا جمع القرآن ..

 

فإن جَمْعَ القرآن قد كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم – بمعني ضَمّ أجزائه - .. وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه بما حُفظ أصلاً رسمياً يكون مرجعاً، وعَمَلُ عثمان رضي الله عنه هو تهيئة هذا الأصل الرسمي للتداول العملي علي حال تُلَائِمُ الدعوة الإسلامية التي امتدت وتمتدُّ .. )) ..

 

* - هكذا تكلَّم أمين الخولي – شيخ الأمناء – فهل يتأمل ما قاله هؤلاء ((المحترفون من ذوي الأغراض السياسية والاعتقادية الذين يتعقلون بالعبث الذي لا طائل تحته)) ؟! .. أم أنَّ أمراض القلوب قد أعيت حكماء الأطباء ؟!

______________

* - بقلم: العالم الجليل، أ. د. محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف (حفظه الله) ..