المختار من التفسير القرآني (2 - 2) –بقلم العلاَّمة أ. د . محمد رجب البيومي (رحمه الله) ..

المختار من التفسير القرآني (2 - 2) –بقلم العلاَّمة أ. د . محمد رجب البيومي (رحمه الله) ..

 

  • الكتاب يرفض الإخضاع القسري للآيات الكريمة لتسير مسارًا غير مقصود ..
  • جهود العلماء لم تتوقف في العمل على تقريب الناس من كتاب ربهم..
  • لا بأس من ظهور تفاسير جديدة متى توافرت في أصحابها الضوابط المقررة ..

 

في المقال السابق المختار من التفسير القُرآني (1 – 2) عرضنا بعض الموضوعات التي تناولها هذه الكتاب المهم: (المختار من التفسير القرآني)، للعلامة المحقق أ. د. محمد رجب البيومي، تغمَّده الله بواسع رحمته.. وفي هذا المقال نستكمل تناول بعض الموضوعات بإيجاز ..

 

 

بين التفسير الصوفي والاستشفاف:

بجانب ما سبق، تناول الكتاب (التفسير الصوفي) .. ورفض (الإخضاع القسري للآيات الكريمة لتسير مسارًا غير مقصود) .. كمن يُفسر قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) [الرحمن: 19 - 20] بأنه بحر الهيولي الجسمية الذي هو الملح الأجاج، وبحر الروح المجرد الذي هو العذب الفرات. (يَلْتَقِيَانِ) في الوجود الإنساني. (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ) هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجردة ولطافتها، ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها. (!!!).

 

 

التفسير المتعسف:

يرفض د. البيومي مُحاولات البعض (أن يذهبوا بالمعنى الواضح من كتاب الله مذهبًا مُتعسفًا لا يدل عليه السياق العام).. ويُبين أنَّ من يُحاولون ذلك (يُمْعِنون في التأويل المتعسف إمعانًا لا يخضع لقوانين العربية في بابَيْ الحقيقة والمجاز) ..

 

وفي إنصاف بالغ، يُوضح العلامة المُحقق محمد رجب البيومي أنَّ (أكثر هؤلاء لا يحملون سوء النية فيما يفعلون؛ ولكن ما وصل إليهم من أوهام أجنبية- قامت عندهم مقام الحقائق- جعلهم يُخْضعون كلام الله لما تنطبق به هذه الأوهام! ويرون في ذلك تمشيًا حميدًا مع منطق العصر، ومجاراةً للذائع المشتهر من مُكررات الغرب؛ وذلك شطط بعيد) ..

 

وكمثال على (التفسير المتعسف)، يُشير د. البيومي إلى كتاب: (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن)، الذي اتجه صاحبه فيه (اتجاهًا ماديًّا ينكر ما لا يُحَسّ ويُدرَك بالحواس؛ فهو يُنكر معجزات الأنبياء، ويُنكر الملائكة والشياطين مُؤولاً النُّصوص الصريحة التي لا تقبل اللَّبْس؛ ودعامتُه الوحيدة أنَّ العقل يرفض الحكم بما لا يدرك. وقد نسي أنَّ من الكائنات ما لا يحس ولكنَّه موجود، وأن أدواتنا القاصرة في الإدراك لا تصلح مقياسًا فوق تصورها، وأنَّ الزمن جاء بمكتشفات رائعة جعلتنا نُدرك ما لم نُدركه من قبل؛ وقد كانت هذه المدركات قبل أن نعلم حقيقتها موجودةً، ولكننا لا نعلم عنها شيئًا، وما كان الجهل بها مَدْعاةً لإنكارها لدى من يمتد نظره إلى المنحى الصحيح) .. 

 

ويناقشه د. البيومي في إنكاره المعجزات وتأويله معنى الإسراء والمعراج، قائلاً: (يذهب المفسِّر إلى إنكار مُعجزات الأنبياء بضروب من التأويل لا تخضع لمنطق العربية في شيء؛ فالقرآن أفصح كُتب الفصحى، وقد نزل بلسان عربي مبين في قوم بلغاء يفهمون أسرار البيان، ويتلقون التعبير الأدبي تلقي من يعرف مراميه وأبعاده، ويفقه مجازاته وتشبيهاته وكناياته، دون أن يدرك المصطلح العلمي لأنواع البيان مما اصطلح عليه أخيرًا في عهد بني العباس وما تلاه ..

 

فالعرب حين سمعوا قول الله عز وجل: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء: 1]، فهموا منه تلقائيًّا معنى "الإسراء" اللُّغوي، وعرَّفوا "المسجد الأقصى" بالقدس؛ ولذلك كان إنكار الجاحد منهم- وما أكثرهم إذ ذاك- مُنصبًا على استحالة أن يقطع قاطعٌ الطريقَ الطويل من مكة إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ..

 

ولو فَهِمَ هؤلاء ما تأوَّله المفسِّر من أن "الإسراء" هو الهجرة إلى المدينة، وأن "المسجد الأقصى" هو المسجد الذي بُنِيَ في المدينة، وأنَّ المعنى هو الفتح والنصر المترتب على الهجرة؛ لو فهم العرب ذلك ما استهولوا الرحلة إلى بيت المقدس! ثم، أين كان مسجد المدينة حينئذ، وهو لم يُبْنَ إلاَّ بعد الهجرة النبوية إليها؟! ..

 

إنَّ محاولة إنكار الإسراء النبوي إلى بيت المقدس بهذا التأويل، عبثٌ؛ ولكن المفسر لا يؤمن بالمعجزات فيجنح إلى الشطط الكريه) ..

 

 

التفسير حديثًا:

أمَّا فيما يتعلق بجهود العلماء في خدمة كتاب الله تعالى في العصر الحديث وفي العقود الأخيرة خاصة، فبيَّن د. البيومي أن جهود العلماء لم تتوقف، وعملت ما وسعها العمل على تقريب الناس من كتاب ربهم، مُستفيدين في ذلك مما أتاحه العصر الحديث من وسائل الطباعة ونقل الصوت والصورة.. فكان تفسير الإمام محمد عبده فاتحةَ خيرٍ لجهود تتابعت وحاولت أن تجدد في طريقة التفسير؛ بحيث تستخلص الدروس المهمة من الآيات بما ينفع الناس في ديناهم ومعاشهم ..

 

ثم كان تفسير الشيخ الشعرواي علامة بارزة في هذه الجهود .. بجانب التفسير الإذاعي للدكتور محمد السعدي فرهود الذي أتم تفسير القرآن في حلقات يومية متصلة بأسلوب سهل واضح .. إضافة إلى كتاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) الذي أعدته لجنة مختارة من أفاضل العلماء، هي لجنة القرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر..

 

هذا، فضلاً عن عشرات التفاسير الأخرى التي حاول أصحابها أن يدلوا بدلوهم، وأن يغترفوا من نور القرآن الكريم، ذلك البحر الفيّاض ..

 

التفسير القرآني إلى أين؟ ..

في الإجابة على هذا التساؤل المهم يُشير د. البيومي إلى أن كُتب التفسير القرآني في هذا العصر قد تزاحمت (تزاحمًا شديدًا؛ ففي كل قُطر عربي نجد من علمائه من يعكف على تأليف التفسير، باذلاً قُصارى ما في سعيه. وقد عددت أكثر من عشرين مُؤلَّفًا توالت مُطردة، وكأنها في سباق رُصدت له الجوائز المغرية) ..

 

ويُوضح أنَّ أكثر هذه التفاسير (مُتشابه مُتقارب؛ لأنَّ الطريق مطروق، وكُتب التفسير في مكتبة التراث على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا بعد ازدهار حركة التدوين ذائعة مُتداولة؛ فمهمة المفسر النمطي يسيرة هينة؛ إنه يقرأ كتابًا أو كتابين ثم ينسخ ما قرأ؛ آنًا ينسخ دون تصرف، وآنًا يُحدث تبديلاً في الألفاظ التي تنتهي إلى مُؤدَّى واحد.. هذا هو المؤلف النَّمطي لا المتميز، وهو الشائع الوفير!) ..

 

ويُبين د. البيومي أنَّه (كان من المعقول- قبل ظهور المطبعة- أن يُكثر المفسرون في العالم الإسلامي؛ لأنَّ العَالِم في العراق مثلاً يُفسر لبني وطنه، وهم يتداولون التفسير نَسْخًا باليد، وقلَّما ينزح لبلد آخر .. أمَّا عصر المطبعة فقد سمح بتداول الكتب- تفسيرًا وغير تفسير- على نحو سريع؛ ولذلك انحدرت سيول المؤلفات من كل صوب، وأكثرها محدود الطاقة، قلَّ أن يضيف الجديد .. وكان القدماء يقولون: "العلم أمانة". ومن أمانة العلم أن نُقدم الطارف المفيد) ..

 

ويُقرر د. البيومي حقيقة مهمة، وهي أنَّ القرآن الكريم يخاطب كل الأزمان؛ وبالتالي، فلا بأس من ظهور تفاسير جديدة، بشرط أن تتوافر في أصحابها الشروط والضوابط المقررة ..

 

ويُضيف: (هنا تكون مهمة المفسر المأمول أن يختار من الآيات الكريمة ما يُعالج به مشكلات عصره، بعد أن يدرس هذه المشكلات، ويقرأ ما كتبه عنها ذو الدربة الواعية من ذوي الاختصاص، وبخاصة في الأحوال الاجتماعية التي كادت تنقلب ظهرًا على عقب .. وهُنا يكون المفسر الجديد بهذا الوصف صمام أمان، وأداة إنقاذ؛ ليس المطلوب منه حينئذ أن يوالي تفسير كتاب الله وفق ترتيبه في المصحف، ولكن المطلوب منه أن يتخذ منه دواء لما يرى من أسقام) ..

 

ويبين د. البيومي أنه لا يُعارض ظهور تفاسير جديدة على الطريقة التقليدية، وإنما يرى أن هذا العصر بمشكلاته المتشعبة لم يعد تسمح لعالم واحد أن يقوم بذلك؛ بل لابد من عمل جماعي فيما يتصل بالتفسير، على النحو المعروف في (المجامع الفقهية) فيما يتصل بعلم الفقه ومواجهة القضايا المستحدثة ..

 

 

تلك كانت وقفات مُوجزة مع كتاب مُهم يوضح مسيرة التفسير، ويبين جهود العلماء في خدمة كتاب الله تعالى، والضوابط والشروط المتعلقة بذلك .. بما يجعلنا نُحسن الفهم عن الله تعالى وعن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ونقوم بالبلاغ عنهما خير قيام، جزى الله أستاذنا العالم الجليل المحقق أ. د . محمد رجب البيومي خير الجزاء، وأسأل الله العلي القدير أن يتغمَّده بواسع رحمته، وأن يتقبله في عليين مع النبيين والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً .. هذا وباللّه التوفيق، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..