ضوابط تفسير القرآن الكريم (2 – 3)، أ. د . إبراهيم عوض، ألمفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

ضوابط تفسير القرآن الكريم (2 – 3)، أ. د . إبراهيم عوض، ألمفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

 

وواضح أن من رفضوا قيام أحد بتفسير القرآن مهما كان حظه من العلم إلاَّ إذا كان تفسيره نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما حجّروا واسعاً، وبخاصة أنّه لم يُنْقَل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير جميع الآيات القرآنية كما قلنا من قبل، بل بعضها فحسب، وهو تفسير مباشر وموجز عادة ..

 

كما أن العصور التالية لعصره صلى الله عليه وسلم شهدت مُستجدّات كثيرة لا حصر لها تحتاج إلى أن يُعْمِل أهلُ كل عصر عقولَهم في تفسير القرآن الكريم، فكيف نفعل؟ أنقف مكتوفي الأيدي نبكى حظنا ولا نصنع شيئاً ما دام لم يصلنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم  في ذلك شيء؟ ..

 

ثم إن القرآن إنما أُنْزِل لكل العصور والأمم والبلاد، ومعروف أن كل أمة وكل عصر وكل بلد له أوضاعه التي ينبغي البحث لها عن حكم القرآن فيها مما لم يتناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته. وبالمثل لا يمكن أن تُشبع التفاسير القليلة التي وردتنا عن رسول الله وصحابته حاجة العقل الحديث مثلا بكل تطلعاته وما يعرض له من شبهات وتساؤلات، وإن كانت هذه التفاسير تتضمن البذور التي يمكن توليد الإجابات المطلوبة منها ..

 

وفى "مناهل العرفان" للعلاَّمة الزُّرقاني يقول ذلك العالم: "قد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم وعلم الموهبة، وهو علم يُورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله مَن في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي..

قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...) [سورة الأعراف: 146]، وكما يرى القارئ فهي نفس الشروط التي أوردناها من "الإتقان" للإمام السيوطي رحمه الله، ومن ثم فلا جديد فيها، إلاَّ أن الزُّرقاني سرعان ما يضيف قائلاً: "إن هذه الشروط التي ذكرناها وهذه العلوم كلها إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير، مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية ..

أما المعاني العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه –سبحانه وتعالى- والتي يفهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهي قدر يكاد يكون مُشتركاً بين عامة الناس، وهو المأمور به للتدبر والتذكر لأنَّه سبحانه سهَّله ويسَّره، وذلك أدنى مراتب التفسير ..

 

قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده ما خلاصته: للتفسير مراتب أدناها أن يُبين بالإجمال ما يُشْرِب القلبَ عظمة الله وتنزيهه ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير. وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [سورة القمر: 22] ..

 

وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور:

أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإنَّ كثيراً من الألفاظ كانت تُستعمل في زمن التنزيل لمعانٍ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد. ومن ذلك لفظ "التأويل": اشتهر بمعنى التفسير مُطلقاً أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ ...) [سورة الأعراف: 53]، فإن المراد به العاقبة وما يَعِد به القرآن من المثوبة والعقوبة، أي ما يُؤدي إليه الأمر في وعده ووعيده ..

 

فعلى المحقق المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مُستعملة في عصر نزوله. والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استُعْمِل بمعان مختلفة كلفظ "الهداية" وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جُملته من الآية فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه ..

 

وقد قالوا: إن القرآن يُفسر بعضه بعضاً، وإنَّ أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته ..

 

ثانيها: الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومُزاولته مع التفطن لنُكته ومحاسنه والوقوف على مراد المتكلم منه .. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مُراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة ..

ويُحْتَاج في هذه إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان). ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب ..

 

تَرَوْن في كتب العربية أن العرب كانوا مُسدَّدين في النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع .. أتحسبون أن ذلك كان طبيعياً لهم؟ كلا، وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة؛ لذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعياً ذاتياً لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة ..

 

ثالثها: علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبينه في غيره، وبين فيه كثيراً من أحوال الخلق وطبائعه وسُننه الإلهية في البشر وقَصَّ علينا أحسن القصص عن الأمم وسِيَرها الموافقة لسنته فيه، فلا بد للنظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف وعز وذل وعلم وجهل وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير عُلويّه وسُفليّه ..

 

ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه. أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علماً، وأمرنا بالنظر والتفكر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالاً. ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة ..

 

رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم من القرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكِفَائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم؛  لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث به لهدايتهم وإسعادهم. وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يَقْرب منها إذا لم يكن عارفاً بأحوالهم وما كانوا عليه؟ يُرْوَى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((إنما تُنقض عُرى الإسلام عُروة عُروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)). [منهاج السنة: (2/398)] ..

 

والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مُغيراً لأحوال البشر ومخرجاً لهم من الظلمات إلى النور. ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمرٌ عاديٌّ كما ترى بعض الذين يتربَّوْن في النظافة والنعيم يَعُدّون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو؛ لأنه من ضروريات الحياة عندهم. ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر، وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟

 

هذا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

* - وللموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د . إبراهيم عوض، أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس ..