أثر الترجمة اللاتينية الثانية لماراكيوس – بقلم: العالم الجليل، أ. د. حسن المعايرجي –(رحمه الله)- ..

أثر الترجمة اللاتينية الثانية لماراكيوس – بقلم: العالم الجليل، أ. د. حسن المعايرجي –(رحمه الله)- ..

أثر الترجمة اللاتينية الثانية لماراكيوس:

بعد ظهور ترجمة ((ماراكيوس))، قام ((دافيد نريتر)) بالترجمة إلى الألمانية عام 1703م نقلاً عن ((ماراكيوس)) . وكانت أوسع الترجمات انتشاراً هي الترجمة الإنجليزية ((لجورج سال)) [1] عام 1734م . وإذا كانت ترجمة ((دي ريور)) هي رجع الصدى لترجمة ((الكلوني)) اللاتينية الأولى، والتي حملت ميكروب التهجم على الإسلام إلى اللغات الأوروبية، فإن ترجمة ((جورج سال)) كانت رجع الصدى لترجمة ((ماراكيوس))، وكانت الأداة التي نقلت أفكاره إلى اللغات الأوروبية أيضاً ..

 

 ويمكن ملاحظة ذلك من الجدول التالي، وفيه نرى أن لكل من الترجمتين اللاتينيتين  تابعاً رئيساً وزع تأثيرهما على باقي اللغات الأوروبية ..

 

فما كادت ترجمة ((جورج سال)) تظهر بالإنجليزية حتى تلتها ترجمة له بالفرنسية عام 1750م نقل عنها ((ك . سافاري)) عام 1783م في الفرنسية، و ((كازيمرسكي)) عام1840م في الفرنسية أيضاً، ثم ((تيودور أرنولد)) عن ((سال)) في الألمانية عام 1746م، ثم ((جورج سال)) في الروسية عام 1792م، ثم ((سافاري)) بالروسية لمجهول عام 1844م، و ((نيكولاييف)) عن ((سال)) و ((كازيمرسكي)) في الروسية عام 1864م، ثم ((كولييه)) في  بتافيا بالهولندية عام 1859م و ((جيوفاني بانزيري)) [2] في إيطاليا عام 1882م، ثم ((فينسنت أدرتيز ديلابويبلا)) بالإسبانية عام 1872م، ثم ((ألوميتكو قافزيزي)) بالألبانية عام 1921م، ثم ((نيكولاس ليتزا)) عام 1902م، 1910م بالبلغارية، ثم "تيموفوف" في البلغارية عام 1930م ..

 

وهكذا نجد أن أفكار ((ماراكيوس)) قد حطمت حاجز المكان والزمان، وأخذت تنزّ دماً فاسداً على رؤوس الأوروبيين بشتى اللغات ، فهي كالوباء الذي يستشري حتى لا يجد ما يعوقه فينتقل إلى مكان آخر أو يظهر بعد عدة سنوات ..

يقول ((جورج سال)) عن ترجمة ((ماراكيوس)): "إن ترجمة "ماراكيوس" بصفة عامة مضبوطة، ولكنها حرفية سهلة الفهم إن لم أكن قد خُدعت بمن ليسوا على علم بدين محمد –صلى الله عليه وسلم- .. والشروح التي أضافها كانت ذات فائدة كبيرة ولاشك، ولكن رده ونقده للقرآن ضخّم عمله إلى مجلد كبير لا طائل منه، وغير شافٍ وأحياناً يكون خارجاً عن الموضوع ..  وعموماً فالعمل بكل أخطائه كان مفيداً، وأشعر بالذنب وعدم العرفان بالجميل، إن لم أعترف بفضله عليّ..."..

 

أما ((ك . سافاري)) فيقول : " ((ماراكيوس)) هذا الراهب المثقف والذي أمضى أربعين سنة في الترجمة والرد على القرآن سار في ترجمته المسار الصحيح في تقسيم عمله إلى ترجمة الآيات كما في النص الأصلي، غير أنه ترجمها ترجمة حرفية، ونسي أن النص الذي في يده عمل فريد غير عادي. فهو لم يُعبر عن معاني القرآن، بل نقل الكلمات إلى لغة لاتينية بربرية، وبعد أن فقد الأصل كل جماله فإن ترجمته لاتزال أفضل من ترجمة "دي ريور" " ..

 

هذه أقوال من استفادوا  واعتمدوا على ((ماراكيوس)) في ترجماتهم. وعلى الرغم من ادعاء ((جورج سال)) بأن ترجمته كانت عن العربية إلا أنه يشعر بالذنب إن لم يعترف بفضل ترجمة "ماراكيوس"، كما أنه يخشى أن يكون قد خدعه من لا يعرفون دين محمد –صلى الله عليه وسلم- . وكأنه كان هناك من يمده بالمعلومات عن العربية، وهو غير متأكد من تمام معرفتهم بها، وخشي أن يكونوا قد ضللوه ..

 

إن قائمة طبعات ((جورج سال)) قائمة طويلة في اللغة الإنجليزية وفي غيرها من اللغات حتى إن هذه الترجمة أصبحت من العلامات الفارقة كما ذكرت ..

 

ولاشك أن الإناء ينضح بما فيه، فإن ساء المُوَجَّه ساء المُوَجِّه، وإن أخطأ الدليل ضَلَّ التابع، وهذا ما أحدثته الترجمتان اللاتينيتان، فقد كانتا كالضوء الأخضر الذي أذن لأوروبا كلها في شتى لغاتها باقتفاء أثريهما رغم ادعاء بعضهم بأنه نقل عن العربية مباشرة إلا أنه سرعان ما يتراجع ويعود للإشارة إلى رجوعه إلى الجذور اللاتينية في ترجمته ..

 

ومن الجدير بالذكر أنه يمكن الملاحظة بسهولة أن اللغات الأوروبية تكاد تكون على إطلاقها - قد اعتمدت على الترجمات اللاتينية إما مباشرة أو عن طريق لغة أوروبية أخرى مما يزيد الترجمة سوءًا على سوء .. فترجمة "س .س. توموف" مثلاً باللغة البلغارية 1930م اهتم بإخراجها ((مُبشَّر ألماني يدعى أرنست ماكس هوبه))، وهذه الترجمة مأخوذة عن الألمانية عن الإنجليزية ((سال)) عن اللاتينية ((ماراكيوس)) عن العربية .. ولاشك أن مثل هذه الرحلة الطويلة للكلمة القرآنية بين أيدي الرهبان والمبشَّرين ستلتوي وتمزَّق حتى إذا وصلت إلى اللغة البلغارية  اعتبرتها الكنيسة في ذلك الوقت نصراً سيوقف المسلمين في بلغاريا عن قراءة النص القرآني العربي، ليستعملوا بدلاً عنه المولود القميء الجديد، وتُنوه الصحف البلغارية بذلك الإنجاز فتقول: "لقد فعلها ذلك الألماني ((هوبه)) وسنفصل المسلمين عن قرآنهم بترجمتنا البلغارية الجديدة " ..

 

إن أكثر ما يثير السخرية أن ترجمة ((جورج سال)) بعد أن انتشرت وذاعت قامت البعثات التبشيرية البروتستانتية بترجمتها إلى العربية في مصر تحت اسم ((مقالات في الإسلام)) [3]  ..

 

ولا أدرى كيف كانت هذه الترجمة بعد هذه الرحلة الطويلة من العربية إلى اللاتينية فالإنجليزية فالعربية .. ولعلي أجد هذه الترجمة يوماً حتى يمكن أن نرى بأم أعيننا كيف عبثوا وحرَّفوا كتاب الله الكريم، وكأنه لم يكفهم ما حرَّفوا من كتبهم، فانهالوا على كتب غيرهم تحريفاً وتبديلاً .. وهيهات هيها أن ينالوا من الكتاب المحفوظ الذي حفظه المسلمون في القلوب والصدور قبل أن يحفظ في القراطيس والسطور، والذي حفظه الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات ..

 

ولم أسمع على الإطلاق أن مسلماً قام بترجمة الإنجيل إلى العربية أو إلى لغة أخرى، فالعداء والكراهية والفهم الخاطئ المقصود، أو النابع عن الجهل لم تكن من جانب المسلمين، وإنما كانت من جانب النصارى ..

 

فلماذا ياتُرى يحاول الأوروبيون ترجمة القرآن الكريم مرة بعد أخرى - ودون توقف - منذ 845 عاماً ؟

هل ذلك شعور بتحدي القرآن الكريم لهم ؟

أم أنهم فشلوا في ترجمة هذا النص القرآني الرَّباني المُحكم ؟ ..

 

قد تكون أول ترجمة لاتينية كلونية حبًّا للاستطلاع، وفضولاً أثاره الفزع من الفتح الإسلامي في الأندلس، ولكن ما شأن هذا الطوفان من التراجم التي لاتزال تترى حتى الآن - مع ملاحظة أن الترجمة ليست بالعمل الهين المُسَلِّ - ويزداد الأمر صعوبة واستحالة مع نص معجز كالقرآن الكريم !؟ ..

ما سبب هذا الإصرار يا تُرى ؟

أترك هذا التساؤل أمانة في أعناق الدارسين ليكشفوا لنا ما يُراد بالمسلمين وبقرآنهم العظيم! ..

 

* - المقال بقلم: العالم الجليل، أ. د. حسن المعايرجي –(رحمه الله) - ..

 

_____________

[1] – جورج سال (George Sale 1697 - 1736 ) .

 ولد جورج سال في مقاطعة كنت حوالي عام 1697م، أبوه ((صاموئيل سال)) كان يعمل تاجراً في لندن، وتلقى تعليمه في كنجز سكول  في كانتربري، ثم التحق كطالب بمعبد (Inner Temple)  عام 1720. وفي نفس العام أرسل بطريرك انطاكية ((سلمون نجري)) إلى لندن ليبحث مع جمعية تقدم المعرفة المسيحية التي أسست (المعبد الأوسط (Middle Temple  للقيام بإصدار إنجيل باللغة العربية لاستعمال النصارى، ويظن أن ((سلمون نجري)) كان أول من علمه العربية .. كما أن ترجمان الملك ويدعى ((داديشيDadichi)) وهو يوناني من حلب،  وكان يعلمه اللغات الشرقية ..

ومهما كان الكم الذي تعلمه جورج من العربية، فإنه تقدم للجمعية عارضاً خدماته ليكون مصححاً للإنجيل العربي المذكور، وسرعان ما أصبح مشرفاً على المشروع كله، علاوة على أنه أصبح محامياً للجمعية المذكورة، زعم ((فوليتر)) في كتابه ((القاموس الفلسفي))Dictionaire Philosophique   أن جورج أمضى خمسة وعشرين عاماً في بلاد العرب .. وهذا الخطأ الذي وقع فيه ((فوليتر)) والذي لا دليل عليه على الإطلاق تؤكده مدة حياته، فقد مات محموماً ولم يبلغ الأربعين من عمره . وظهرت ترجمته للقرآن الكريم عام 1734م مع مقدمة مسهبة عن الدين الإسلامي حشاها بالإفك واللغو والتجريح، وقد نقلها إلى العربية أمين هاشم العربي، وطبعت بالقاهرة عام 1913م، ومنذ ظهور ترجمته  طبعت 105 طبعة في لندن، وشيكاغو، وفيلادلفيا، ونيويورك، وبوسطن، وباريس ..

 

[2] – يعتقد شوفان أن هذه الترجمة عن ((ك . سافاري)) وليست عن ((سال))، وفي كلا الحالتين فإن الأصل هو ((ماراكيوس)) - أول ترجمة مجرية Szdmajer, Imre  عام 1831م مأخوذة عن ((ماراكيوس)) ..

 – يقـول ((آرثـر جفري)) أن أول ترجمة إلى اللغة التشيكية كانت عن ((ماراكيوس)) لـ ((فيسلي اجناز)) Vesly Ignac  عام 1913م  ..

 

[3] -   S.M.Zwemmer,Translations of the Koran,The Moslem world ,Vol.V(1916)244-261p.

- لقد ترجمت ترجمة جورج سال إلى العربية بواسطة البعثات البروتستانية التبشيرية في مصر عنThe encyclopaedia of Islam.New Edition Vol.V Leiden (1981).