وشهد شاهد من أهلها – بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د محمد عمارة (حفظه الله) ..

وشهد شاهد من أهلها – بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د محمد عمارة (حفظه الله) ..

وشهد شاهد من أهلها – بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د محمد عمارة (حفظه الله) ..

 

فهذا المستشرق الإنجليزي الحُجَّة ((منتجمري وات)) الذي بذل من عمره ثلث قرن في دراسة الإسلام، تَوَّجَ هذه السنوات بكتابه [الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر]، وقال فيه عن هذه الحملة الصليبية الصهيوينة التي تستهدف القُرآن العظيم: ((لقد شهدت بدايات القرن العشرين صرعة (مودة) تقديم القرآن للقارئ الأوربي باعتباره مختارات من أفكار اليهودية والمسيحية، بالإضافة لقليل من الزيادات المحددة. ومعني هذا انتفاء الجدة والأصالة ..

والواقع أن هذه النظرة تُعدُ بقية من بقايا الدعاية المسيحية التي سادت فترة الحروب الصليبية، عندما كان علي أوربا الغربية – التي كانت ترتعد فرائصها من جيوش الإسلام – أن تقوي دفاعاتها برسم صورة زائفة عن الإسلام ..

إن القرآن لم يكن مجرد ترديد لأفكار يهودية ومسيحية .. فلقد أَكَّدَ الإسلام نفسه بالفعل كدين مستقلّ عن اليهودية والمسيحية .. وثمة ما يؤكد أن الإسلام كان بمثابة مستودع لدين إبراهيم في حالة نقائه الأولي)) ..

 

وهكذا انتهت جهود هذه الحملة الاستشراقية – هي الأخرى – إلي السقوط والزوال!. في مواجهة الهجمة، بل الهجمات الغربية علي الإسلام، وبالذات علي القرآن الكريم، تَصَدَّي المستشرق الحجة ((منتجمري وات)) – الذي دَرَسَ الإسلام علي امتداد ثلث قرن، وأنجز دراساته العليا – الماجستير والدكتوراه – في الفكر والفلسفة الإسلامية – تَصَدَّي لهذه الهجمات الظالمة – وخاصة في كتابه [الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر] – الذي كَتَبَه سنة 1969م ..

فكتب عن القرآن الكريم، يقول:

((إن الوحي الإسلامي لابد من تناوله بجدية .. إن القرآن صادر عن الله، وبالتالي فهو وحي، وليس كلام محمد بأي حال من الأحوال، ولا هو نتاج تفكيره، وإنما هو كلام الله وحده، قَصَدَ به مخاطبة محمد ومعاصريه، ومن هنا فإن محمداً ليس أكثر من رسول اختاره الله لحمل هذه الرسالة إلي أهل مكة أولا، ثم لكل العرب، ومن هنا فهو قرآن عربي مبين ..

وهناك إشارات في القرآن إلي أنه موجَّه للجنس البشريّ قاطبة، وقد تأكَّد ذلك عملياً بانتشار الإسلام في العالم كله، وقَبَلَهُ بشرٌ من كل الأجناس تقريباً .. إنَّ القرآن يَحْظَى بقبول واسع بصرف النظر عن لغته، لأنه يتناول القضايا الإنسانية..

إننا نؤمن بصدق محمد وإخلاصه عندما يقول: إن كلمات القرآن ليست نتيجة أي تفكير واعٍ منه .. إن القرآن لا ينبغي النظر إليه باعتباره نتاج عبقرية بشرية .. وإن التجربة النبوية مع الوحي يمكن إيجاز ملامحها الرئيسية فيما يلي:

1 - محمد يشعر، وهو في حالة وعي، أن هناك كلمات بعينها تُلْقَي في روعة، أو تحضر في قلبه أو عقله الواعي ..

2 - وأن هذه الكلمات والأفكار لم تكن أبداً نتيجة أي تفكير واعٍ من جانبه ..

3 - أنه يعتقد أن هذه الكلمات التي أُلقيت في روعه من قِبّلِ ((مندوب)) أو ((مبعوث)) خارجي يتحدث إليه كَمَلك ..

4 - أنه يعتقد أن هذه الرسالة قادمة من الله تعالي ..

وعندما تحدَّي محمد أعداءَه بأن يأتوا بسورة من مثل السور التي أُوحيت إليه، كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة التحدي؛ لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان لبشر أن يتحدَّى الله، وليس من شكَّ في أنه ليس من قبيل الصدفة أيضاً أن كلمة (آية) تعني علامة علي القدرة، وتعني أيضاً فقرة من الوحي ..

وعندما تَمَتْ كتابة هذا الوحي شكَّل النص القرآني الذي بين أيدينا ..

وفي الحديث عن جَمْعِ القرآن، نجد أن كلمة (جَمْع) قد استخدمت في آيات قرآنيه مهمة: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة: 16 – 19] ..

 

ومن الممكن أن يكون التفسير الطبيعي لهذه الآيات: أن محمداً مادام يتبع تلاوة من يتلو عليه (جبريل) فإن الله تَكَفَّلَ بجمع الآيات المتفرقة، أو التي أُوحي بها في أوقات مختلفة، ليجعلها في سياق واحد ..

 

وإذا لم يكن محمد هو الذي رتَّب القرآن بناء علي وحي نزل عليه، فمن الصعب أن نتصور أن زيد بن ثابت [11 ق هـ – 45 هـ / 600 – 665 م] أو أي مسلم آخر يقوم بهذا العمل، ومن هنا فإن كثيراَ من السور قد اتخذت شكلها الذي هي عليه منذ أيام محمد نفسه ..

إن القرآن كان يُسَجَّل فور نزوله .. ولقد تبوأ القرآن دائماً – في حياة المجتمع الإسلامي – مكان المركز، أو القطب، أو المحور، وصَنَعَ نسيج الحياة الإسلامية، والنظرة العقلية للعالم والكون)) ..

 

تلك شهادة المستشرق الإنجليزي الحجة ((منتجمري وات)) للقرآن، باعتباره وحياً إلهياً مباشراً وصادقاً إلي رسول الله محمد بن عبد الله صلي الله عليه وسلم .. ولصدق هذا الوحي الإلهي .. وصدق الرسول الذي نزل عليه الوحي .. ولمكانة القرآن الكريم – دائماً وأبداً – في المجتمعات الإسلامية .. فهو المركز .. والقطب .. والمحور .. وصانع نسيج الحياة الإسلامية وفلسفة النظرة الإسلامية للعالم والكون .. ولأنه كذلك، فلقد تَعَرَّضَ لتهجُّم الجهلاء .. ولكنه حظي بإنصاف العلماء! ..

 

______________

* - بقلم: العالم الجليل، أ. د. محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف (حفظه الله) ..