ضوابط تفسير القرآن الكريم ( 3– 3)، أ. د . إبراهيم عوض، المفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

ضوابط تفسير القرآن الكريم ( 3– 3)، أ. د . إبراهيم عوض، المفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

ضوابط تفسير القرآن  الكريم ( 3– 3)، أ. د . إبراهيم عوض، المفكر الإسلامي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس (حفظه الله) ..

 

خامسها: العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها”. وقد نقل الزرقاني كلام الشيخ محمد عبده الآنف الذكر من تفسير المنار، لكن مع شيء من التصرف. وواضح ما أضافه الشيخ من العلوم التي لم يُنَصّ على ذكرها لا في “البرهان” ولا في “الإتقان” كالتاريخ والأسلوب السليم لهداية البشر.

 

والواقع أننا كلما ازددنا علما وتعمقنا في ميادين المعرفة كنا أقدر على مواجهة النص، أي نص، وأقمن بالنجاح في هذه المواجهة مما لو لم نزدد علما ونتعمق في ميادين المعرفة. فما بالنا لو كان هذا النص هو القرآن، الذي نزل من عند الله العليم الخبير المحيط بكل ما في الكون على رحابته التي لا تتناهى، والذي يتناول كل القضايا ويتعرض لأمور الحياة على اختلاف مجالاتها؟ إن ما ذكره العلماء الذين نقلنا عنهم ما نقلنا من العلوم التي يحتاجها المفسر إنما هو عينة فقط من تلك العلوم، وإلا فإن فهم القرآن الفهم العميق والأقرب إلى السلامة يعتمد على ما لا يُحْصَى من العلوم ..

 

ولا شك أنه كلما جد علم كان الإلمام به، إن لم يكن التعمق فيه، أمرا مطلوبا، بل واجبا. وعلى هذا لا يكفي ما ذكره العلماء من علوم لازمة للمفسر، بل يضاف إليها النقد الأدبي والفنون التشكيلية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والنفس والفلسفة ومقارنة الأديان والإحصاء والاقتصاد والسياسة والجيولوجيا والفلك والكيمياء والطبيعة والطب والفضاء والذرة…إلخ إن كان لدنيا العلم من آخِرٍ تنتهي عنده، وهيهات! ..

 

ولقد أحسن د. محمد حسين الذهبي حين قال في كُتيّبه: “علم التفسير” بعد أن نقل ما أورده السيوطي من تلك العلوم مما نقلناه آنفا: "وقد زاد بعضهم علم أحوال البشر، وبعضهم علمي التاريخ وتقويم البلدان، وبعضهم نقص مما ذكرناه. وأيا ما يكن الأمر فكل علم يتوقف عليه تفسير شىء من كتاب الله تعالى بجب على المفسر معرفته، وإلا كان غير مستوفٍ شروطَ المفسر" [(دار المعارف/ سلسلة “كتابك”/ العدد 9/ 1977م/ 55)] ..

 

والواقع أن الإنسان مهما تذرع لمهمة التفسير بكل ما هنالك من علم ومعارف فلا مناص له من الوقوع في الخطأ ولو على سبيل السهو، حتى لو كانت المسألة التي يتناولها في التفسير مسألة بسيطة غير معقدة. وهذا أمر طبيعي، فكلنا بشر، والبشر بفطرتهم يصيبون ويخطئون، ويكمل بعضهم بعضا: بالتصحيح والاستدراك والتنبيه والإضافة…إلخ. ومثالا على ذلك يكفى أن أشير إلى أن الشوكاني، وهو عالم ومفسر له وزنه واحترامه، قد سها في استشهاده بالشعر على بعض ألفاظ القرآن الكريم، فاستشهد مثلا بالفعل: “جعل” في قول الشاعر:

 

وقد جعلتُ أرى الإثنين أربعةً والأربع اثنين لـمّا هَدَّنِي الكِبَرُ

 

على “جَعَل” في قوله عز شأنه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) [البقرة: 22]، وهذا نص ما قال: و (جعل) هنا بمعنى “صَيَّرَ” لتعدّيه إلى المفعولين، ومنه قول الشاعر:

 

وقد جعلت أرى الإثنين أربعةً ... والأربع اثنين لما هدَّني الكبر

 

رغم أنه من الوضوح بمكان مكين أن “جَعَل” هنا غير “جَعَل” هناك: فهي في الآية فعل يتعدى إلى مفعولين اثنين، ومعناه: “صَيَّر”، أما في الشاهد الشعرى فهي فعل لازم غير متعدٍّ: لا إلى مفعولين ولا إلى مفعول واحد، ولا تعنى “صَيَّر” بل “بدأ”. ومعنى البيت أن الشاعر بعد أن طعن في السن وضعف بصره بدأ يرى الأشياء مضاعفة. ولقد شرح القرطبي الفعل في هذا الشاهد على أنه زائد، ولا أدرى كيف. وأغلب الظن أن الشوكاني قد وهم فانقرأت الجملة في ذهنه هكذا: “ولقد جعلت الاثنين أربعة”، وإلا فإن مثله لا يجهل أن ما قاله لا وجه له..

 

وفى تفسير قوله تعالى: (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) من [الآية الرابعة عشرة فى سورة “الرعد”](لَهُ دَعْوَةُ لْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ) نجد مثلا الطوسي (ت 460هـ) في [تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن] يقول إن “العرب تضربه مثلاً لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء”، ثم يستشهد على ذلك بالبيتين الشعريين التاليين:

 

فإني وإياكم وشوقًا إليكمو  ... كقابض ماء لم تسقه أنامله

 

***

 

فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود  ... مثل القابض الماء باليد

 

رغم أن الصورة البيانية في الآية تختلف عن نظيرتها في البيتين كما هو بَيِّنٌ جَلِىّ. والعجيب أنه قد أورد التفسير الصحيح لتلك العبارة عن مجاهد والحسن، وكان ينبغي أن يُنبهه هذا إلى خطأ الاستشهاد عليها بالبيتين المذكورين، لكنه للأسف لم يتنبه. وهذا ما قاله ذانك المفسران كما نقله هو نفسه عنهما: “قال مجاهد: كباسط كفه إلى الماء مُشيرًا إليه من غير تناول الإناء ليبلغ فاه ببسط كفه ودعائه له .. وقال الحسن: معناه كباسط كفيه إلى الماء، فمات قبل أن يصل اليه”. بيد أنه للأسف قد عقَّب على ذلك بقوله: “والعرب تضربه مثلاً لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء”، ثم مرّ فأورد الشاهدين المذكورين ..

 

ومثله في هذا الإمام الشوكاني، الذى قال: “والآلهة الذين يدعونهم، يعني الكفار، من دون الله عزّ وجلّ لا يستجيبون لهم بشيء مما يطلبونه منهم كائنًا ما كان إلا استجابةً كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، فإنه لا يجيبه لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه، ولا يدري أنه طلب منه أن يبلغ فاه. ولهذا قال: (وَمَا هُوَ)، أي الماء (بِبَالِغِهِ)، أي ببالغِ فيه. قال الزَّجّاج: إلاّ كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب. أعلم الله سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه إلى بلوغ فمه، وما الماء ببالغه. وقيل: المعنى أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل في كفه شيء منه. وقد ضربت العرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلاً بالقبض على الماء كما قال الشاعر:

 

فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود ... مثل القابض الماء باليد

 

وقال الآخر:

ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابضٍ على الماء ... خانته فروج الأصــابع

 

وقال الفَرّاء: إن المراد بالماء هنا ماء البئر…، وإنه شبهه بمن مد يده إلى البئر بغير رشاء. ضرب الله سبحانه هذا مثلاً لمن يدعو غيره من الأصنام. (وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَـٰلٍ)، أي يضلّ عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون منه شيئا، ولا ينفعهم بوجه من الوجوه، بل هو ضائع ذاهب” ..

 

ومثله أيضا د. محمد سيد طنطاوي، الذى أورد في تفسير العبارة أقوالا ثلاثة نقلها عن القرطبي، ثم لم يضف شيئاَ، ولم يحاول أن يُدلى برأيه في الأمر، بل نقل كلام القرطبي ومضى. قال: “قال القرطبي: وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه:

 

أحدها: أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه: قاله مجاهد.

 

الثاني: أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء، وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه: قاله ابن عباس.

 

الثالث: أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، فلا يجد في كفه شيئا منه. وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه، بالقبض على الماء، كما قال الشاعر:

 

ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء ... خانته فروج الأصابع”.

 

والمعنى في الآية واضحٌ جلىٌّ، وهو أن دعاء الكفار للأصنام لا يفيدهم بشىء مثلما لا يفيد العطشانَ أن يمد كفيه نحو الماء دون أن ينزل إلى البئر ويغترف منها ما يطفئ به ظمأه، إذ إن الماء لن يقفز في الهواء ويستقر في كفه. ومن ثم فلا صلة بين العبارة والشاهد الشعرى على الإطلاق.


هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..