الإسلام والقُرآن؛ بقلم: الأستاذة الدكتورة زينب عبد العزيز - متعها الله بالصحة والعافية ..

الإسلام والقُرآن؛ بقلم: الأستاذة الدكتورة زينب عبد العزيز - متعها الله بالصحة والعافية ..

الإسلام والقُرآن؛ بقلم:  الأستاذة الدكتورة زينب عبد العزيز - متعها الله بالصحة والعافية ..

 

مقدمة:

هل هناك حاجة حقيقية لكتاب جديد باللغة الفرنسية عن الإسلام أو عن القرآن الكريم؟ من المؤكد  أنه ليس هناك نقصاً في عدد الأعمال، بما أن المستشرقين والكتاب الغربيين و الكتاب العرب و المسلمين قد أنتجوا كماً مبهراً من النصوص ،  كل حسب وجهة نظره الخاصة أو حسب الهدف الذي يناضل من أجله ..

 

و بناءً على هذا، يمكننا أن نصف هذا الإنتاج، في مجموعه و بلا خوف من الوقوع في خطأ إلى ما يلي: تتفق أعمال المستشرقين، بشكل عام، مع الفكر الاستعماري و التبشيري في سعيه الدؤوب للتقليل من قيمة الإسلام، باللجوء إلى المغالطات و التهم الباطلة بهدف دس مشروعه الثقافي؛ أما أغلب الغربيين فقد استسلموا للتعصب المحموم للكنيسة و الذي تأخذ حدته في الازدياد منذ عهد الفتوحات الإسلامية و حتى يومنا هذا، و قليل من هؤلاء هم الذين يتصفون بالموضوعية و الإنصاف؛ و بالنسبة للكتاب العرب أو المسلمين فيشكلون جبهة الدفاع و ذلك الموقف يجعل أعمالهم مزدحمة بالانفعالات و التفاصيل و الهوامش. و هذا الإنتاج الغزير و الذي تضيف إليه وسائل الإعلام موجة أخرى من المعطيات المغلوطة  يحير القارئ خاصة أنه في هذه الأيام ليس لديه من الوقت ما يسمح له بالإطلاع على كافة وجهات النظر ، كما أن هذا الإنتاج في مجموعه لا يتمشى مع حقائق كثيرة يصر العديد من الكتاب على إخفائها ..

 

من هنا جاءت الحاجة لسلسلة من الكتب و أولها هذا الكتاب ، نظراً للتداعيات الناتجة عن أحداث سبتمبر عام 2001 بشكل عام و أحداث الفاتيكان عام 1965 بشكل خاص. و لم يشهد العالم من قبل مذبحة كالتي شهدها بين هذين التاريخين! لم تكن مذبحة موجهة ضد مجموعة من البشر أو ضد بلد ما ، بل كانت حملة شرسة مليئة بالتحيز و التعالي و الغطرسة ضد ديانة يعتنقها أكثر من مليار شخص في العالم!  ديانة  تتعرض للنبذ بسبب ذنبٍ وحيد هو أنها في الواقع، بالإضافة لما تحتويه من أدلة ، تعتبر في ذاتها الدليل على أكبر عملية تزييف عرفتها الدنيا و ندفع ثمنها جميعاً، غربيون و شرقيون  وهى : تحريف المسيحية ! .. 

 

و تعتمد هذه السلسلة  على الحقيقة المجردة حتى تخرج للنور واضحة، دقيقة ومحددة. هذه الحقيقة التي تعمدت أطراف عدة إخفائها و نجحت في ذلك نجاحاً كبيراً الآن أكثر من أي وقت مضى . و الذي يجرؤ على كتابة  و نشر هذه الحقيقة يدرك مع الأسف العواقب و الثمن الذي يتحتم عليه دفعه، و كذلك القارئ الذي يسعى للفهم و الاستيعاب يجب أن يعرف أنه يحتاج إلى جهد جبار حتى يتخلص من الحاجز النفسي الذي تكاتف أصحاب النوايا السيئة منذ قرون لفرضه عليه لإبعاده عن تلك الحقيقة ..

 

و الكتاب ليس عملاً دعوياً بقدر ما هو رسالة من الكاتبة إلى القارئ البسيط الذي يبحث عن رؤية واضحة و صادقة لما يجري حوله و الذي يأبى أن يدفعه مخططو هذه الحملة الوحشية التي ذكرناها - رغماً عنه- ليكون جزءاً من مخطط سوف يهوي بنا جميعاً و بلا استثناء إلى هوة سحيقة ..

 

نبدأ السلسلة بهذا الكتاب الذي يتناول في فصلين: الإسلام و القرآن كأساس للتعرف على ثالث و آخر رسالات التوحيد و التي يبذل أعداؤها كل جهدهم للتخلص منها حتى لو أدى ذلك إلى دمار للعالم و الإنسانية .. 

 

و كل ما تهدف إليه الكاتبة هو توضيح الصورة الحقيقية للإسلام و تبرئته من كل التهم الباطلة التي تنسب إليه خاصة هذه الأيام و التي تصفه بأنه دين إرهابي يحض على الإرهاب، و ذلك حتى يستطيع كل من يستحق أن يسمى إنساناً مهما كانت ديانته أن يشارك  في إيقاف هذه المذبحة المروعة التي تجري أحداثها في سرعة تصيب الإنسان بالدوار .. 

***

الإسلام

 

     الإسلام هو ثالث و آخر رسالات التوحيد أوحى به الله لمحمد[1] بن عبد الله- صلى الله عليه و سلم- ليبلغه للعالم أجمع. انتشر الإسلام في القرن السابع للميلاد  بدءاً من شبه الجزيرة العربية إلى شتى بقاع الدنيا. و نستطيع أن نعرف رسالة التوحيد التي يحملها الإسلام في بضع كلمات بأنها مبدأ يحرر العقل الإنساني. فهي تنزه الخالق عن كل تجسيد و تصوير؛ و تنبذ الخرافات و الخزعبلات و تعدد الآلهة و تخلو من الأساطير الخيالية ؛ و هي تنفي أن يكون للإنسان قوة حقيقية بذاته؛ و لكنها تجعله مهيمناً على كل ما استخلفه  الله[2]  عليه في الأرض؛و رسالة  الإسلام تدعو الإنسان للوقوف في وجه الظلم و القهر، و محاربة الاستغلال و الجهل ؛ وهي رسالة تنظم الحياة الاجتماعية و الدينية ..

 

   و في عصرنا الحالي يعد الإسلام من أكثر الديانات انتشاراً في العالم . حيث وصل عدد المسلمين إلى ما يقرب من مليار و ربع المليار من مختلف الأجناس و الأمم و الحضارات: من جنوب الفلبين في آسيا على نيجيريا في غرب أفريقيا لا يربط بينهم إلا الإسلام. ويعيش حوالي18% من المسلمين في الغرب و تضم اندونيسيا أكبر غالبية مسلمة في العالم بينما يمثل المسلمون  غالبية سكان الشرق الأوسط و القارة الهندية و جنوب شرق آسيا  و مساحات شاسعة من   افريقيا. و توجد أقليات مسلمة لا يستهان في روسيا و الصين و الأمريكتين و كذلك في أوروبا الغربية و الشرقية ..

 

    و جاء الإسلام بعد اليهودية و النصرانية مؤكداً على ما سبقه و مبيناً حقيقة ما غيره أهل الكتاب في رسالاتهم  و محتوياً على كل ما يحتاجه الإنسان من توجيهات ضرورية لصلاح الدنيا و الآخرة. و الحقيقة، أنه لا يمكن التجاوز عن التناقضات التي تحويها الأناجيل نتيجة الكم الهائل من التحريف الذي تعرضت له على مر العصور و التي كانت السبب وراء الحرب الشعواء التي يشنها متعصبو الكنيسة ضد الإسلام منذ ظهوره و حتى الآن ..

 

    و الإسلام دين متكامل، لا يعرف الدوجماتية أو فرض الأفكار غير العقلانية و هو يشمل كل ما يهم المجتمع الإنساني من إرشادات دينية و اجتماعية و اقتصادية وسياسية و حربية. لهذا يعتبر الإسلام  ديناً و نظاماً اجتماعياً  في الوقت ذاته، و في ارتباط منطقي. فهو تشريع إلهي عام و أسلوب للحياة يركز على المبادئ الأساسية الثابتة التي تنظم حياة الإنسان بشقيها  الروحي و المادي .. 

 

    و كما يوضح مدلول الكلمة "الإسلام" في اللغة العربية ، فالإسلام لا يعني عبودية الاستعباد و الإذلال كما يصورها و بإصرار المبشرون و المستشرقون،  إنما هو عبودية الاعتماد على الله تعالى و طاعته و محبته، بمعنى التسليم التام  و الكامل له سبحانه بكل ثقة و يقين ..

 

    و الإسلام بصفته نظام كامل و عالمي ينظم الحياة الإنسانية فإنه يمكن أن يوصف بأنه : يتحرك حركة دائبة حول محور ثابت.  و هذا الثبات مرجعه إلى أن قوانينه لا تتغير مع تغير" مظاهر" و تطبيقات الحياة الإنسانية من عصر لآخر، لأن التغير يظل محكوماً بالقيم الراسخة التي حملها الوحي الإلهي. و هذا الثبات لا يعني و ليس مرادفاً للجمود، و قد أوضح رينيه جينون الفرق بين المعنيين في كتاباته ..

 

    و كمثال على هذا الوصف  نجد أن المادة التي يتكون منها الكون- سواء كانت الذرة أو الإشعاع الناتج عن انشطارها أو عن أي تفاعل آخر- هذه المادة ثابتة  في تركيبها الأساسي و لكنها مع  ثباتها هذا ، تتحرك وتأخذ أشكالاً مختلفة قد تتغير وتتحول. مثال آخر في تركيب الذرة فهي تحتوي  على النواة و التي بها مدارات ثابتة و لكنها تمتلئ بحركة الإلكترونات حولها.  أيضاً كل كوكب أو نجم أو مجرة له مداره الذي يدور حوله في حركة منتظمة يحكمها نظام محدد و ثابت ..

 

     و كذلك طبيعة النفس البشرية، حيث أن لها قوانينها و محورها الثابت الذي تدور حوله كل أنظمة جسم الإنسان  و التي تعمل بنظام و دقة. و كل إنسان يمر في حياته بمراحل مختلفة منذ الميلاد و حتى الشيخوخة، كما أنه يمر بتطورات اجتماعية متنوعة، يصبح بها أكثر أو أقل رقياً حسب اقترابه أو ابتعاده عن إنسانيته، و مع هذه التغيرات تظل طبيعته المتميزة التي فطره عليها الخالق سبحانه ثابتة لا تتغير. وتأمل الكون بشفافية و حيادية يثبت لنا بوضوح أن كل ما يحويه من عجائب و الدقة المتناهية التي يعمل بها يستحيل أن يكونا صدفة... و هذه الحقيقة أدركها في النهاية العديد من العلماء في العصر الحالي ..

 

    و هكذا يتضح معنى المقولة التي تصف الإسلام بأنه "في حركة دائبة حول محور ثابت بقانون ثابت". و هذا  معيار لا يمكن محوه من معايير التنزيل الإلهي.  ولهذا كان هذا المفهوم راسخاً بقوة في الفكر الإسلامي، و لهذا لا يمكن لأحد أن يقرب القوانين و المحاور الثابتة للإسلام بحجة تطويرها أو تكييفها مع العصر الحالي كما يزعم المبشرون و المستشرقون. لأن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية هو أساس عقيدة المسلم و ليس قابلاً على الإطلاق للتغييرأو التطوير..

فحقيقة وجود الله   الأبدية و اللانهائية ، و وحدانيته و طلاقة قدرته، و أنه سبحانه وتعالى هو المهيمن على الكون و على جميع المخلوقات و أن هذا الكون كله ملك لله، يحكمه بأمره و بمشيئته سبحانه، كل هذه حقائق يوقن بها كل مسلم يقيناً ثابتاً.

 

تعاليم الإسلام :

    يعتبر القرآن[3]  والسنة هما المصدر لتعاليم الإسلام . و القرآن هو كلام الله الذي نزل به جبريل بلسان عربي على محمد(ص) و الذي انتقل بكل دقة و دون أدنى تغيير من محمد(صلى الله ) النبي الأمي عن طريق كُتاب الوحي الذين كانوا حوله يسجلون كل ما يوحى إليه و يحفظونه عن ظهر قلب.  و كذلك كان كل من يسمعه من العرب يحفظه في ذاكرته لما عرف عنهم من القدرة على حفظ الأشعار و القصائد الطويلة ..

 

    بعد ذلك، تم جمع القرآن في أوراق  و جمعه على صورة كتاب أو مصحف، و ذلك على مدى عهد الخلفاء الراشدين  أبي بكر وعمر و عثمان. و قد تم نسخ هذا المصحف الأول و توزيعه على كل الأمصار الإسلامية ، و هو نفس النص الذي يوجد الآن بين أيدي القراء دون أدنى خطأ في نقله .. 

 

    و القرآن هو أساس عقيدة المسلم . فهو يتناول علاقة الخالق سبحانه و تعالى بمخلوقاته ، كما يحدد القواعد المتينة لتأسيس المجتمع  على العدل و الأمن ، مع وضع الحدود العامة التي تنظم جميع مجالات الحياة و كذلك العبادات في ضوء حقيقة راسخة هي الوحدانية المطلقة لله .  فالله واحد، لا شيء يشبهه، و هو وحده الذي بيده مقاليد هذا الكون الشاسع ..

 

    و هذه الرفعة والتنزيه المطلق لله تعالى لا تتنافى أبداً مع التكريم والمكانة العالية التي أنعم الله بها على الإنسان ، بجعله خليفة ، مكلفاً بتعمير الأرض.

 

    و الإسلام ينبذ كل أشكال الشرك  مثل عبادة الأصنام أو العجل أو الكواكب، ويرفض عبادة إلهين أو فكرة التثليث أو تأليه البشر أو عبادة الملائكة أو الجن. و هو دين لا مكان فيه للوساطة بين الله و خلقه و لا يقبل فكرة تجسيد الله. و فكرة تأليه المسيح مرفوضة تماماً في الإسلام ، لأنه لا يمكن أن يكون أحد مخلوقات الله إلهاً(فالمسيح كأي نبي آخر، لم يكن سوى رجلا بسيطا ، كلفه الله بنقل الرسالة الإلهية). وكل هذه المعاني جاءت في [سورة الإخلاص ( السورة رقم 112)] ، في أربع آيات: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)) 

 

 و  جاء الإسلام مصوباً لكل أشكال الضلال و الفوضى التي ملأت ديانتا التوحيد التي سبقته ، نتيجة لما تعرضت له هذه الديانات من تحريف، و جاء حاملاً الرد على كل الانحرافات و الأخطاء التي بها- و بهذا تتضح  أحد جوانب عظمة هذا الدين وعظم الدور الذي قام به لتحرير الفكر الإنساني.  لأن كل من يعرف ما وصلت إليه أحوال الدنيا في عصور ما قبل الإسلام، يدرك جيداً عظمة و نبل و رحمة هذا الدين.

 ومن المعالم الرئيسية التي تدل على عظمة الإسلام، إعلاؤه لقيمة العقل، وضرورة أن يكون هذا العقل يقظاً، و مدركاً لما حوله، و اهتمامه بحض الإنسان على إعمال عقله، وتحريره من قيود الخرافات و الأوهام،  والتخلص من سيطرة المتعصبين من رجال الكنيسة و من الأسرار المفروضة. و لا يخفى على أحد ما امتلأت به العصور الوسطى المسيحية من تعصب و مذابح و أعمال بربرية...  و لا أحد يجهل إلى أي مدى لجأ القائمون على سلطة الكنيسة إلى الدخول في حروب وحشية لفرض الرجعية و الفكر المظلم اللاعقلاني، بهدف خنق العقل و المعرفة عن طريق القهر و تحريم الإطلاع على ما يخالف الفكر الكنسي و جعله في كشف الكتب المدانة (الإنداكس)! ..

 و تحرير العقل يرتبط يشكل مباشر مع الدور الذي كلف الله به الإنسان، الذي كان المخلوق الوحيد الذي حمل أمانة تعمير الأرض  عن طريق العمل، ومحاولة تحقيق التقدم المفيد للبشرية و تأمل كل شيء في الكون ..

 

   و بالإضافة إلى الاعتراف بالوحدانية المطلقة لله و بدور الإنسان كخليفة لله على الأرض، يحض الإسلام على الإيمان بالحياة الآخرة- التي تعد من المغيبات علينا أثناء حياتنا على الأرض - و الإيمان بيوم القيامة و بالحساب الذي يرى فيه كل إنسان ما قدمت يداه  من أعمال، صغيرة أو كبيرة، و يلقى جزاءه عليها إن خيراً فخير و إن شراً فشر ..

 

    أما عن مكانة المرأة في الإسلام فقد شهدت تطوراً لم يحدث من قبل . فقد أعاد الإسلام للمرأة إحساسها بإنسانيتها و قيمتها ، و لا نبالغ حين نقول أنها وجدت لأول مرة احتراماً لكرامتها . أول شيء قدمه الإسلام للمرأة  كان محافظته على حياتها، بتحريم وأد البنات عند ولادتهن و تحريم التعامل مع المرأة كأنها متاع و بضاعة تباع و تشترى و توَرَث، كما حدد لها الإسلام حقوقها سواء كانت ابنة أو زوجة أو أم، كما أعطى الإسلام للمرأة الحق في قبول أو رفض من يتقدم لخطبتها و كذلك الحق في رفض أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها . و هناك أيضاً حق المرأة التي بلغت سن الرشد في التصرف الكامل في أموالها و ممتلكاتها دون تدخل والدها أو زوجها ..

 

و باختصار فإن المرأة في الإسلام تتساوى مع الرجل في الحقوق و الواجبات باستثناء أمرين : الميراث و شهادة المرأة، و تنظيم هذين الأمرين في الإسلام له أسبابه،و ليس فيه تقليل من شأن المرأة بأي حال. فميراث المرأة يختلف اعتماداً على  درجة القرابة و النسب، و في مسألة شهادة المرأة فالاختلاف يرجع إلى الخوف من تعرض المرأة للنسيان نتيجة الإرهاق أو السهو. و في بعض حالات  الميراث، ترث المرأة مثل الرجل و في حالات أخرى ترث أكثر منه. وهذه واحدة من الحقائق التي كان و مازال المستشرقون والمبشرون و كل من يسير على نهجهم  يتجاهلونها. والإسلام حرم أيضاً الزنا و الدعارة ، و فرض على كل من يرتكبهما رجلاً كان أو امرأة عقوبة الرجم أو الجلد..

 

     و من تعاليم الإسلام الإنسانية و الاجتماعية وصيته بطاعة و احترام و رعاية الوالدين و كذلك وصيته بمساعدة الأرامل والأطفال و اليتامى و المساكين والمحتاجين و عدم الجور عليهم و لا أكل حقوقهم بالباطل  ..

 

    و حين فرض الله الزكاة في الإسلام ، أوجد بذلك نظاماً مالياً و اجتماعياً لو طبقه الناس بأمانة و دقة ، لما بقي على الأرض بائس و لا محروم، لا يملك أي مورد أو دخل. فمفهوم الزكاة  يختلف عما فهمه و ترجمه  المستشرقون ، فهي ليست من الضرائب أو العشور ،و ليست هبة من الغني إلى الفقير ، و لكنها قدر محدد من المال تحسب كميته بدقة بناء على قيمة محددة من الدخل و يوجه هذا المال إلى أشخاص بعينهم. و قد حدد الله تعالى من تصرف لهم الزكاة و ذلك في [الآية رقم 60 من سورة التوبة]  كما حددت السنة الشريفة نصاب الزكاة ..

 

    و  تضم تعاليم الإسلام كذلك إرشادات للحفاظ على حرية الفرد، حيث تحرم الاتجار بالبشر من العبيد، و تعطي العبد الحق في استرداد حريته ، كما تحدد مواقفاً عديدة توجب على من يمتلك عبداً أن يعتق رقبته.

 

العقائد الرئيسية:

    الإيمان بالله:

    خالق السماوات و الأرض و ما بينهما ، الذي كلف الإنسان بتعمير الأرض وسخر له باقي المخلوقات و رزقه نعماً لا تعد و لا تحصى و لم يطلب منه إلا أن يعبده و يطيعه و ألا يجعل له سبحانه أنداداً. و رحمة الله وسعت كل شيء، فالله يغفر كل الذنوب إلا أن يشرك به (هناك شرك أكبر و أصغر و شرك في النية بعدم إخلاصها لله) . و هو سبحانه في عليائه و عظمته أقرب للإنسان من حبل الوريد ، سبحانه ليس كمثله شيء.

 

الإيمان بالملائكة:

    رغم أن الإسلام حرم عبادة الملائكة إلا أنه أكد أننا لابد أن نؤمن بهم ، لأنهم جزء من عالم الغيب. و الملائكة خلقهم الله من نوره و أوجب عليهم طاعته و عبادته. و هم لا يعصون لله أمراً و يفعلون ما يأمرهم به. ومن الملائكة من كلفه الله بكتابة وتسجيل أعمال بني آدم، و هم موجودون على يمين و يسار كل إنسان. و منهم المكلفون بقبض أرواح بني آدم عند الموت.

 

الإيمان بكتب الله المرسلة:

    كل مسلم يجب عليه أن يؤمن بالكتب السماوية السابقة و بأنها مرسلة من عند الله ، و هي التوراة (العهد القديم) التي نزلت على موسى و الإنجيل (العهد الجديد) الذي نزل على عيسى بن مريم[4]. و الإيمان  بهذه الكتب ، كما أُنزِلت ، يعني الإيمان بأنها جاءت من عند الله تعالى ، لأن جميع الرسالات السماوية أكدت على حقيقة واحدة: هي عبادة الله الواحد، الذي إليه  نسعى و نلجأ . و الإسلام هو آخر وحي السماء الذي جاء متمماً و خاتماً للرسالات السابقة. و محمد (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم الرسل و الأنبياء، لأن بعده لن يكون هناك نبياً و لا رسولاً ، حيث جاءت رسالته مصححة و مكملة للرسالتين السابقتين، و هي رسالة صالحة لكل زمان و مكان ..

 

الإيمان بالرسل:

    يرتبط الإيمان بالرسل  ارتباطاً مباشراً بالإيمان بالرسالات التي أنزلها الله على هؤلاء الرسل. و المسلم يجب عليه ألا يفرق بين أحد منهم من آدم إلى المسيح عيسى بن مريم عليهم السلام،حيث أنهم جميعاً مرسلون من عند الله. ومن هؤلاء الرسل من جاء بالمعجزات، التي تفوق قدرته كبشر، و لكنها كانت بتأييد من الله سبحانه و تعالى بقدرته و مشيئته. و كل مسلم عليه أن يتفكر في قصص هؤلاء الأنبياء و مصير أقوامهم و سوف يجد بها دروساً و عبراً و أدلة راسخة على وحدانية الله تعالى ..

 

    و أمام ما قام به أصحاب النفوذ أو المتعصبون من رجال الكنيسة من تحريف في الكتب السماوية السابقة، لا يملك المسلم إلا أن ينظر إلى هذا التحريف بأسف وعدم تقدير، رافضاً بشدة القول بأن المسيح ابن مريم هو ابن الله كما يزعم النصارى، وكذلك القول بأن عزيراً ابن الله  كما يزعم اليهود. كما أن المسلم على يقين بأن المسيح عليه السلام لم يصلب. و التواريخ التي تمت فيها جميع هذه التحريفات مذكورة في محاضر المجامع  و يمكن لأي شخص يريد التأكد من هذا الأمر أن يرجع إليها بسهولة ..

 

الإيمان بيوم القيامة:

    لأن الحياة الدنيا حياة مؤقتة و انتقالية ، فإن الإسلام يهيئ أتباعه للحياة الآخرة ، حياة الخلود و الثواب و العقاب  و الجنة و النار ، حيث يحاسب الله الناس على أعمالهم و يزنها عليهم بمثقال الذرة . و هذه المشاهد يصفها القرآن الكريم بالتفصيل ليحض المسلمين على فعل الخير و ترك الشر و على اتباع الصراط المستقيم ..

 

 الإيمان بالقدر:

    يؤكد الإسلام على حقيقة أن كل شيء في هذا الكون يمضي بإرادة الله ، مع  التأكيد على أن للإنسان قدراته  و إرادته التي تعينه على أداء ما عليه من واجبات وتجعله مسئولاً عن كل ما يختار أن يقوم به من أعمال ..

 

أركان الإسلام:

 

بُنِيَ الإسلام على خمسة أركان تمثل روح الإيمان و هي :

1 - شهادة ألا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله. 2 - إقامة الصلاة. 3 - إيتاء الزكاة .4 - صوم رمضان .  5 - حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ..

 

1- الشهادتين:

    حين ينطق شخص ما بالشهادتين ، يصبح مسلماً لأنه قد قبل ما شدد الإسلام في النص عليه كأساس له: و هي وحدانية الله ، و تفرده في الألوهية: فالعبودية لا تجب إلا إليه وحده دون سواه؛ وكل ما في هذا الكون الفسيح ملك يمينه بلا ند و لا شريك . و محمد صلى الله عليه و سلم هو الرسول الذي بعثه الله برسالة الحق لهداية البشرية إلى الدين القويم . و هذه الشهادة هي عماد الإسلام.  و هي القاعدة الصلبة لعقيدة التوحيد الراسخة لدينا نحن المسلمون. و التي تمثل الاختلاف الحقيقي أو الشرخ الحاسم بين المسلمين والمسيحيين، و هو ما يفسر تلك الكراهية البغضاء التي تدفع متعصبي الكنيسة لمحاربة الإسلام بضراوة ليس لها مثيل، و الواقع أن القرآن  يحتوي  على الأدلة الدامغة على التحريفات المختلفة التي تعرضت لها المسيحية ..

 

2 - الصلاة:

    الصلاة فرض على كل مسلم كتطبيق عملي للإيمان. و إقامة الصلاة تعد تعبيراً عن التواضع التام من الإنسان، الذي يسلم أمره بالكامل لله تعالى. و المسلم يؤدي الصلاة خمس مرات في اليوم : في الفجر والظهر و العصر والمغرب و العشاء. يبدأ المسلم  في تهيئة نفسه للدخول و التركيز في الصلاة بالتطهر بالوضوء. ثم يقف موجهاً وجهه نحو الكعبة و يؤدي الصلاة بقراءة بعض آيات القرآن و ترديد بعض أذكار الصلاة، و الركوع و السجود في الأماكن المطلوبة.و يمكن للمسلم أن يصلي منفرداً أو في جماعة. و صلاة الجمعة و هي صلاة الظهر يوم الجمعة هي الصلاة التي يجب أن يؤديها الرجل في المسجد. أما عن باقي الصلوات، فالأفضل للرجل أن يؤديها في المسجد؛ و من الممكن أن يؤديها في مكان آخر. أما المرأة   فلها الاختيار أن  تذهب إلى المسجد أو أن تصلي في المنزل.  و صلاة الجمعة تسبقها خطبة و هي موعظة يلقيها إمام المسجد و تكون موضوعاتها متنوعة ، فد تتعلق بالأحداث الجارية في المجتمع أو بأي موضوع يهم المصلين .. 

 

3 - الزكاة:

    الزكاة ثاني أركان الإسلام بعد الصلاة. و هما يمثلان الركنين الرئيسيين اللذين يقوم عليهما الإسلام. و كلمة زكاة في اللغة العربية مشتقة من تزكى بمعنى تطهر وتنقى . و إعطاء الإنسان  جزءاً من ماله للمحتاجين يعبر عن هذا المعنى. و يوضح القرآن أن الزكاة كانت مفروضة على أمم الأنبياء السابقين كما هي مفروضة على المسلمين. و تقترن الزكاة في آيات القرآن بالصلاة مما يجعلهما تقريباً على قدم المساواة في الأهمية والقيمة.  ويحدد القرآن الكريم في [الآية 60 من سورة التوبة]  مستحقي الزكاة: " للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل." و الزكاة هي أحد الفروض التي يجب أداؤها على كل مسلم ..

 

4 - صوم رمضان:

    الصوم هو الامتناع عن الطعام و الشراب و مباشرة الأزواج من الفجر و حتى غروب الشمس. عرفت أمم الأنبياء السابقين الصوم، فقد نصت عليه معظم الأديان بشكل أو بآخر. و الصوم عبادة بين العبد و ربه، تدل على إيمان الإنسان و عزيمته، كما يعتبر وسيلة يقاوم بها شهواته. و يستحب في شهر رمضان الإكثار من الصلاة ومن قراءة القرآن و الامتناع عن كل معصية و الإحسان إلى الوالدين و أولي الأرحام ..

 

5 - الحج:

    الحج فريضة على كل مسلم مرة واحدة في العمر أن استطاع إليه سبيلاً.و المقصود بالاستطاعة : القدرة المالية  و البدنية.  و قد فرضه الله على المسلمين ليستشعروا رباط العبادة الذي يوحدهم معاً  مهما بعدت بينهم المسافات و رغم بعد بلادهم عن الكعبة، المركز الذي انتشر منه الإسلام إلى العالم .و في شعائر الحج إحياء لسنة إبراهيم[5] عليه السلام و نهاية لما كان يمارسه الكفار من شعائر قبل الإسلام. و فترة الحج تكون من يوم الثامن إلى الثاني عشر من شهر ذي الحجة. و قد بلغ عدد الحجاج في عصرنا هذا أكثر من مليوني مسلم كل عام ..

 

     و للحج أركان و شعائر محددة، وهي:  النية ، الإحرام ، الطواف سبعة أشواط  حول الكعبة، السعي سبعة أشواط بين الصفا و المروة، المبيت بمنى و عرفة ومزدلفة ..

و شروط الإحرام هي : - عدم ارتداء المخيط من الثياب حيث يكتفي الحاج بقطعتين من القماش الأبيض يلفهما حوله -عدم تغطية الرأس-عدم التعطر و التطيب- الامتناع عن مباشرة الأزواج- عدم قتل الصيد ..

و تجب الفدية على من يخالف أحد هذه الشروط ..

و المرأة تمارس نفس الشعائر بنفس الشروط ما عدا شرط الملبس و الصيد. فلها أن ترتدي ملابسها العادية  و يفضل الأبيض من الثياب و عليها أن تكشف وجهها وكفيها ..

_______________


[1]  استبدلت الكاتبة طريقة كتابة المستشرقين لاسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) Mahomet  بالطريقة الصحيحة Muhammad  على أمل أن يتم تصحيحها في النصوص الفرنسية.

[2] لأن هذه الكلمة Dieu   كما ينطق باللغة العربية دون ترجمة إلى كلمة رب باللغة الفرنسية Allah 2- تكتب الكاتبة لفظ الجلالة بالحروف اللاتينية  تعبر عن فكرة التثليث و التي فرضها مجلس القساوسة و علماء الدين المسيحي الذين اجتمعوا في مدينة " نيسيه" بآسيا الوسطى عام 325 من الميلاد . مما يمثل نوعاً من الشرك  لا يتخيله و لا يقبله المسلمون لان الله واحد لا شبيه له و لا مثيل. 

[3]  اختارت الكاتبة أن تكتب كلمة القرآن باللغة الفرنسية بلفظ Qur`ân   و هو أقرب ما يكون للنطق العربي على أمل أن تحل محل لفظ Coran

المستخدم في النصوص الفرنسية منذ السبعينات.

[4] دائماً يذكر اسم المسيح  مقروناً ب" ابن مريم" في القرآن الكريم للتأكيد على رفض أن يكون لله تعالى ولد ، فهو سبحانه "لم يلد و لم يولد".

[5]  إبراهيم عليه السلام هو الجد الأكبر للمسلمين و قد وصفه القرآن الكريم في سورة آل عمران: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . و المسلمون هم ذرية إسماعيل عليه السلام الابن الأكبر لإبراهيم، و الذي يكبر اسحق عليه السلام بثلاثة عشر عاما. و من المدهش أن يظل المتعصبون من رجال الفاتيكان مصرون حتى وقتنا الحاضر على إنكار هذه الذرية و على عدم الاعتراف بالإسلام دين التوحيد الذي أرسله الله ، على الرغم من كل الأدلة الموجودة في نصوص الإنجيل و التي تؤكد على ذلك ..