قرأتُ القُرآن .. فعرفتُ الإيمان – (6) .. (قرأت القُرآن فعرفتُ أنه عين رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم) - بقلم: الدكتور وديع أحمد فتحي - (رحمه الله)

قرأتُ القُرآن .. فعرفتُ الإيمان – (6) .. (قرأت القُرآن فعرفتُ أنه عين رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم) - بقلم: الدكتور وديع أحمد فتحي - (رحمه الله)

قرأتُ القُرآن .. فعرفتُ الإيمان – (6) .. (قرأت القُرآن فعرفتُ أنه عين رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم) -  بقلم: الدكتور وديع أحمد فتحي - (رحمه الله) 

 

ولأن القرآن الكريم هو كتاب الله، لذلك تجد أن الله يُعرّف البشر بذاته العَلِيّة، ولم يترك هذا الأمر الخطير لخيال البشر واختراعاتهم، فيقول الله للبشر إن مُنزل هذا الكتاب هو ملك السموات والأرض، ولذلك يتوعد من يكفر بهذا الكتاب بالعذاب الشديد، ذلك لأنه هو الله الديان وحده، وهو الذي أرسل الرسل، كل رسول بلسان قومه، وهو رب الرسل جميعاً من آدم إلى عيسى عليهم السلام، وهو الذي أرسل موسى برسالة مثل هذا القرآن إلى بني إسرائيل وإلى المصريين (الر كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم إِلى صِراطِ العَزيزِ الحَميدِ ﴿١﴾ اللَّـهِ الَّذي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرضِ وَوَيلٌ لِلكافِرينَ مِن عَذابٍ شَديدٍ ﴿٢﴾ الَّذينَ يَستَحِبّونَ الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّـهِ وَيَبغونَها عِوَجًا أُولـئِكَ في ضَلالٍ بَعيدٍ ﴿٣﴾ وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم فَيُضِلُّ اللَّـهُ مَن يَشاءُ وَيَهدي مَن يَشاءُ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ ﴿٤﴾ وَلَقَد أَرسَلنا موسى بِآياتِنا أَن أَخرِج قَومَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ وَذَكِّرهُم بِأَيّامِ اللَّـهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكورٍ) [إبراهيم: 1-5] ..

 

وبمنتهي الثقة، دعا كل الخلق إلى البحث عن أي خطأ في القرآن وهذا دليل على أنه كتاب الله وليس كتاب البشر، فلا يجرؤ إنسان على هذا التحدي لأنه لا يوجد إنسان يكتب كتاباً يخلو من الأخطاء في كل المجالات (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] ..

 

ولأنه كتاب إلهي حقاً، فإن ما يحتويه يحتاج إلى التعلم من النبي صلي الله عليه وسلم ثم من العلماء من بعده. والعلماء هم ورثة الأنبياء، لذلك أمرنا الله في القرآن أن تقوم فرقة من كل قوم من المؤمنين بتعلم الفقه في الإسلام من علمائه ورأسهم النبي صلي الله عليه وسلم ليحذِّروا قومهم من مخالفة شرع الله، وينذروهم بيوم الحساب (وَما كانَ المُؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِروا قَومَهُم إِذا رَجَعوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرونَ) [التوبة: 122]. ذلك لأن الله جمع في هذا الكتاب أموراً عظيمة تحتاج للتعلم والدراسة والتفرغ لهذا العلم الديني بفروعه الكبيرة. وهذا العلم ليس إلا لمن يَسَّره الله له، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم ((من يُرد الله به خيراً يفقّهه في الدين)). وهذا الأمر لم أجده في الكتب الأخرى أيضاً ..

 

وهذا الكتاب جمع أحكام وأصول العبادات: الصوم والصلاة والزكاة والحج ..الخ، وهذا ما تفتقد إليه الكتب الأخرى  تماماَ، ولا يوجد في أيّ منها أي شيء عن أحكام العبادات،  لذلك تجد في القرآن الكريم أن الله يأمر النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم أن يقول لكل البشر أن يُصَلّوا لله الصلاة المأمور بها، في أوقاتها، كما حددها الله، وكما أنزلها علي نبيه. وأن يدفعوا الزكاة والصدقات لله سراً وعلانية، لأنواع من البشر يحددهم الله، الذي لا يترك أمراً في العبادة لهوى البشر. فالعبادة لله ولذلك فالأمر لله الخالق الرازق الذي سخّر الكون كله لمصلحة البشر، وهو الذي يعطيهم ما يسألونه قال تعالي: (قُل لِعِبادِيَ الَّذينَ آمَنوا يُقيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً مِن قَبلِ أَن يَأتِيَ يَومٌ لا بَيعٌ فيهِ وَلا خِلالٌ ﴿٣١﴾ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزقًا لَكُم وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلكَ لِتَجرِيَ فِي البَحرِ بِأَمرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهارَ ﴿٣٢﴾ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ وَالقَمَرَ دائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهارَ ﴿٣٣﴾ وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللَّـهِ لا تُحصوها إِنَّ الإِنسانَ لَظَلومٌ كَفّارٌ ) [إبراهيم: 31-34] ..

 

بل إن الله يأمر نبيه محمداً صلي الله عليه وسلم أن يقول عن نفسه إنه هو شخصياً مأمور بالعبادة قال تعالي: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَـذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩١﴾ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿٩٢﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [النمل: 91-93] ..

 

وأهم ما في القرآن والذي يفرق بينه وبين كتب البشر، أن الأوامر والنواهي صادرة من الله وحده الذي أنزل القرآن علي محمد وأرسله به إلى الإنس والجن؛ ليشرح لهم عقيدة الإسلام وشرائعه، وليخرجهم من ظلمات الكفر والشرك إلي نور الإيمان والتوحيد، ويوضح لهم ما ينفعهم وما يضرهم، ويحكم بينهم بشرع الله في أمور دنياهم، أما في كتب اليهود والنصارى فإن البشر يضيعون ما يشاءون، أشهرهم (بولس) في رسالته (كورنتوس الأولى 12:7 ، 25:7)[1]..

 

وأسلوب الدعوة في القرآن الكريم هو توضيح آيات الله في الإنسان والكون، لإقناع الكفار بالعقيدة، مثلما جاء في سورة الروم في قول الله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿١٩﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴿٢٠﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ﴿٢٢﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٢٣﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٢٤﴾ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴿٢٥﴾ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) [الروم : 19-26]. لإقناعم بيوم البعث، وفي سورة الأعراف في قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُم تَضَرُّعًا وَخُفيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعتَدينَ ﴿٥٥﴾ وَلا تُفسِدوا فِي الأَرضِ بَعدَ إِصلاحِها وَادعوهُ خَوفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحمَتَ اللَّـهِ قَريبٌ مِنَ المُحسِنينَ) [الأعراف : 55-56 ]، وفي سورة الأعراف أيضاَ، في قوله جلَّ شأنه: (وَاذكُر رَبَّكَ في نَفسِكَ تَضَرُّعًا وَخيفَةً وَدونَ الجَهرِ مِنَ القَولِ بِالغُدُوِّ وَالآصالِ وَلا تَكُن مِنَ الغافِلينَ) [الأعراف: 205]. لتعليم البشر آداب الدعاء والذكر. وهذا أيضاً – كالعادة – لا أجده في كتبهم ..

 

القرآن هو الرسالة الإلهية:

إن هذا القرآن يُعَظّم الله وحده لا شريك له تعظيماً لم أجده في أي كتاب آخر علي وجه الأرض (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180-182]. لذلك تجد المسلمين يتكلمون عن الله كلاماً لا تجده عند الآخرين فالمسلم يذكر الله بكل خوف وكل حب وكل رجاء، وكل إجلال وتعظيم وتوقير، والآخرين يرون أنهم أبناء الله وأحباؤه وشعبه المختار، سواء اليهود أو النصارى، لذلك لا يتكلمون عنه إلا بما يليق بالأب فقط،  أما الكاهن فهو الأعظم الذي يملك أمور الدنيا والآخرة. هل تفهم ما أعني؟ ..

 

وجاء في القرآن ما لم تذكره الكتب المحرفة عن الله؛ لأنه لم ينقل عنهم كما يزعمون ولا هو من تعاليم راهب: مثال: إن الله سيسأل الرسل في يوم القيامة عن أقوالهم (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّـهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوب) [المائدة: 109] ..

ويذكر بالتفصيل سؤال الله لعيسي ابن مريم بسبب الفتنة الكبيرة التي وقع فيها النصاري – لعلهم يتوبون؛ قال تعالي: (وَإِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللَّـهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦﴾ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧﴾ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨﴾ قَالَ اللَّـهُ هَـذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١٩﴾ لِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ) [المائدة: 116-120] ..

 

ويحدد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله، قال تعالي: (إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34]، ويخبرنا عن سعة علمه سبحانه وتعالي، ويضرب لنا مثلاً لذلك العلم وهو مما لم تذكره كتبهم. قال تعالي: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [لقمان: 27] ..

 

وأن مفاتح الغيب عند الله وحده قال تعالي: (وَعِندَهُ مَفاتِحُ الغَيبِ لا يَعلَمُها إِلّا هُوَ وَيَعلَمُ ما فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَما تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلّا يَعلَمُها وَلا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأَرضِ وَلا رَطبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا في كِتابٍ مُبينٍ) [الأنعام: 59]، قال تعالي: (وَاللَّـهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ) [فاطر: 11] ..

 

وهذا جزء من الكثير الذي سنذكره بمشيئة الله تعالى بعد ذلك. فهذا كتاب الله بلا جدال ولا نزاع ..

فنجده يُقَرّب الحقائق الربانية إلى عقول البشر؛ ليدركوا عظمة خالقهم الذي أنزل هذا القرآن، القرآن الذي هو كلام الله قال تعالي: (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [لقمان: 28]. يعلمهم كيفية بعثهم في يوم القيامة بمنتهي السهولة مثلما خلقهم كلهم في شخص آدم عليه السلام ..

 

وقال تعالي: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴿٣﴾ لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [سبأ: 2-4]، يكلمهم الله عن سعة علمه سبحانه وتعالي، ولهذا يمكنه محاسبة الخلق كلهم وحده، وليس بمساعدة البشر كقول كتاب النصارى (إنجيل متي 28:19)[2]، وقال تعالي: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [لقمان: 29] يعلمهم أن محاسبة البشر في يوم الدين هو أمر يسير جداً عند الله؛ لأنه الخبير بأعمال كل البشر، والخبير هو العليم بدقائق الأمور وأسبابها وماذا ينتج عنها ... الخ.

فهذه بعض من صفات الكمال التي تليق بالتوحيد الواجب علي كل بشر أن يؤمن به ويعمل به ولأجله، ويُفرد به الخالق وحده؛ الله لا شريك له، ولا إله إلا هو سبحانه وتعالي عما يقولون علواً كبيراً ..

 

قواعد الإيمان الصحيح تجدها في القرآن فقط؛ لأنه كتاب الله الوحيد وهي تشمل:

التوحيد الخالص لله وحده؛ قال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] ..

 

نفي الشرك تماماً: قال تعالي: (وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) [النساء: 36] ..

الشرك هو أكبر من كل الذنوب، لذلك حرمه الله تعالى؛ فقال سبحانه وتعالي: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48]. إلي قوله تعالي: (إِنَّ اللَّـهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 116] ..

 

ضرورة الإيمان بكل الرسل قال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿١٥٠﴾ أُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [النساء: 150-151] ..

 

ضرورة التحاكم إلي الرسول صلي الله عليه وسلم أي إلي السُنّة، والرضا بحكم الرسول صلي الله عليه وسلم قال تعالي: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء : 65] ..

 

الإيمان بكل الكتب، وآخرها القرآن قال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء : 136] ..

 

تحريم الاستهزاء بآيات الله قال تعالي: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّـهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّـهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: 140] ..

 

ونؤمن أن الله أنزل التوراة والزبور والإنجيل من قبل ثم أنزل القرآن مصدقاً لهم، ونسخهم الله بالقرآن لكي يكون كتاباً واحداً وديناً واحداً للدنيا كلها، بعد ما تلاعب اليهود والنصاري بالكتب والعقيدة معاً. قال تعالي: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّـهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿٤٩﴾ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 48-50] ..

 

ومن لم يؤمن بالإسلام، أي: برسالة ونبوة محمد صلي الله عليه وسلم والقرآن والسُنّة، فلن يقبل الله منه عبادته وعمله في الدنيا، ويخسر آخرته أيضاً، أي: يخلد في جهنم. قال تعالي: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [آل عمران: 85] ..

 

الصلاة فرض، في أوقات محددة قال تعالي: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء: 103] ..

 

الصيام فرض، مثلما كان علي الأمم السابقة قال تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183] ..

 

الزكاة فرض، وحدد أوجه صرفها أيضاً، قال تعالي: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللَّـهِ وَابنِ السَّبيلِ فَريضَةً مِنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَليمٌ حَكيمٌ) [التوبة: 60] ..

 

وعدم وجود هذه الأحكام في الكتب التي بأيديهم يؤكد أنها ليست هي كتب الأنبياء، فمن المستحيل أن نصدق وجود كتاب إلهي بدون هذه الأصول ..

 

* - وللموضوع – صلة – بمشيئة الله تعالى ..

* - بقلم الدكتور الطبيب الداعية وديع أحمد فتحي (رحمه الله)

الشّمَّاس الكبير، ومُدرس اللغة القبطية بمدارس الأحد بالكنيسة المصرية –سابقا- وقد تُوفي رحمه الله في (24 ربيع الأول 1440هـ - 2/12/2018م) تغمّده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته .. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون .. 

______________

[1] - (وأما الباقون فأقول لهم أنا لا الرب... وأما العذارى فليس عندي من الرب أمر فيهن, ولكني أعطي رأياً..) ..

 

[2] - (تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر) ومنهم يهوذا المدعو عندهم الخائن. وهذا النص يعني أن يهوذا يدخل الجنة ويعني أنه هو الذي تطوع ليكون شبيهاً للمسيح ويموت بدلاً منه كما يقول إنجيل يهوذا الذي ظهر هذه الأيام سنة 2010) ..