حول سورة وقصة أهل الكهف - العلامة أ . د. محمد رجب البيومي ( رحمه الله)

حول سورة وقصة أهل الكهف - العلامة أ . د. محمد رجب البيومي ( رحمه الله)

قصة أهل الكهف ذائعة مُشتهرة، وقد شرح المفسرون سورة الكهف شرحاً يجلوها أمام من تخفى عليه رائعات المعاني وغامضات الإشارات؛ ولكن تعدد الشرح لا يمنع أن نتحدث عن السورة الكريمة بما نعتبره كالجديد لدى بعض القارئين؛ إذ لا يكفى أن تفهم أحداث السورة بعيدًا عن مسرحها التاريخي حيث يُحدد الإطار الدقيق لملامحها الخافيات  ..

      

لقد بعث الله أصحاب الكهف في زمن مُعين تبرز أحداثه الحكمة الخالصة في بعث هؤلاء القوم من سُباتهم العميق، إذ إن دعوة عيسى عليه السلام كانت في عهده دعوة التوحيد الخالص وكذلك دعوات الأنبياء جميعا من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقول الله عز وجل: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) [الشورى: 13] ..

 

هذه الدعوة الخالصة لله ذات التوحيد الخالص قد حُرفت بعد فترة وخرجت عن لبابها الإلهي إلى شرك يتجه وجهة التثليث ويتحدث عن الأب والابن وروح القدس، وقد تشعب الجدل بين رؤساء الكنائس دون أن يتجه وجهة الصواب حتى افتتن الناس وضلوا معنى الألوهية المنفردة بالكمالُ، فشاء الله عز وجل أن ينهض أصحاب الكهف من رقادهم الطويل ليعلنوا كلمة التوحيد الخالص لمن حادوا عن الطريق، وليذكروا هؤلاء بالإله الواحد فاطر السموات والأرض وبتنزيهه عن الأبوة والبنوة وما يمت إلى البشرية من صفات، وتجسد أدلة ذلك في مفتتح سورة الكهف، إذ يقول الله عز وجل: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ([الكهف: 1 – 5] ..

 

 * -  القصص القرآني في كل مشاهده لا يساق لذاته بل لما يطوى من عبر تهدى للخير وترتفع بالسلوك الإنساني

 

فهذا الافتتاح المجلجل بإنذار من ينسبون الولد لله براعة استهلال جيدة تمهد للقصة في السورة الكريمة حين تعلن حقيقة التوحيد سافرة صريحة على لسان أصحاب الكهف، إذ يقول الله عز وجل عنهم: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ([الكهف: 13 – 16] ..

 

وتمضى السورة مُتحدثة عن القصة في إيجاز مُعبر، وتصوير مُوح دال حتى إذا أوفت على نهايتها شاء الله أن يعود إلى حديث التوحيد الخالص، فيقول عز وجل: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَّلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ([الكهف: 25 – 26] ..

 

وإذن فهذا الزمن المشرك الذي اختلط فيه معنى التوحيد اختلاطا ملتبسًا لدى أتباع المسيح كان ظرفاً مهيأً لبعث هؤلاء الفتية ليعلنوا حقيقة الاعتقاد الصحيح ليعيدوا إلى عقيدة المسيحية روحها الأولى كما دعا إليها المسيح عيسى ابن مريم حين يجهرون وسط المحتفلين ببعثهم الخارق بأن الله واحد ما لهم من دونه من ولى ولا يُشرك في حكمه أحداً، وحين يعلنون أنهم فروا من تعدد الآلهة حين اضطهدهم "دقيانوس" الوثني فآووا إلى الكهف هاتفين: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا( [الكهف: 14]، وتلك إحدى آيات الله في بعثهم الخارق ونشرهم المعجز بعد أكثر من ثلاثمائة عام  ..

 

وإذا كانت العامة حينئذ قد ضلت سبيل التوحيد فإن ذوي العقول من مُتعاطي الفلسفة ومجادلي القضايا الفكرية قد وقعوا في ضلال مُماثل حين أخذت الأفلاطونية الحديثة تغمر الفلسفة المسيحية إذ ذاك بضباب قاتم يطمس لآلئ الحقيقة، فأخذ مفكرو المسيحية بنظرية العقول المتعددة تأثراً بفلسفة اليونان؛ إذ تجعل من العقول المتعددة ما يرمز إلى الأب والابن وروح القدس، لتوائم بين الوثنية القديمة في فلسفة الإغريق وما تظنه يتصل بما جاء به المسيح عن السماء !

ونحن نعرف أن الأفلاطونية الحديثة قد تأثرت بالإغريق غربًا والهند شرقًا، فأخذت نظرية العقول من الإغريق، وأخذت انبثاق الابن عن الأب الإله من الهند، ومزجت ذلك كله في فلسفة تفسر ما تظنه ديانة المسيح، وقد كان لها رجالها الأعلام ودعاتها المؤثرون فألبسوا العقيدة لباساً تنكره دعوة التوحيد، وشاركوا العامة في تعدد الإله، وإذ اختلفت وجهات النظر في كيفية هذا التعدد فكان مبعث أهل الكهف هاتفين بالتوحيد الخالص تصحيحاً لما ارتطم فيه العامة والخاصة من ضلال لو وجدوا من يستجيب للحق لوجهه الصحيح ..

 

وأكبر ما هز دعاة الأفلاطونية من بعث أهل الكهف هو تحطيم مبدئهم الفلسفي في الإيمان بالعلية التي ترتبط السبب بالمسبب وتتنكر للمعجزات والخوارق؛ لأن بعث هؤلاء بعد أكثر من ثلاثمائة عام أمر خارق يحطم هذه العلية المقدسة لدى المفكرين من دعاتها المتحمسين، ويجعل الخوارق ذات مكان معقول لا يذهب به التفكير مذهب الاستحالة المتعذرة، وإذًا فقد جاء أصحاب الكهف ليقولوا لدعاة الأفلاطونية الذين يصرون على ربط الأسباب بالمسببات دائماً دون معجزة تخرق المنطق المعقول: لقد قمنا من النوم بعد ثلاثمائة عام على غير ما تتوقعون .. فأين ذهب إيمانكم بمبدئكم الفلسفي في إنكار المعجزات؟ ..

 

وإذا كان بعض دعاة الأفلاطونية قد أنكر البعث الأخروي مدعيًا استحالته، فإن مبعث أهل الكهف قد هدم هذا الإنكار، وجاء دليلاً ملموسًا على البعث النهائي؛ تصديقًا لقول الله عز وجل: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا) [الكهف: 21] ..

 

  • - كما كان بعث أصحاب الكهف مفاجأة لمن حرفوا دعوة عيسى
    كان نزول سورة الكهف مفاجأة مماثلة لمشركي مكة ..

 

وكما كان بعث أصحاب الكهف مفاجأة لمن حرفوا دعوة عيسى من اعتقادها الصحيح، فقد كان نزول سورة الكهف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاجأة مماثلة لمشركي مكة؛ حيث أرادوا أن يُعجزوا محمدًا عليه السلام بما ظنوه ليس في مقدوره، فأرسلوا وفدًا من المشركين إلى يهود المدينة يتقدمه عقبة بن أبى مُعيط والنضر بن الحارث وغيرهما ليعلموا من الأحبار ما يظنون أنه سلاح هدم لدعوة الإسلام؛ وقد سأل عنه الأحبار أسئلة من يتطلع إلى معرفة أمر يتضايق من وجوده، ثم أعملوا تفكيرهم في ابتداع أسئلة يظنونها ذات إجابة مُستعصية، فإذا لم يستطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عنها كان ذلك مصدر تشهير به، واستهانة بدعوته ..

 

وكان في مقدمة هذه الأسئلة المتحدية سؤال عن فتية بعثوا من رقادهم في الدهر الأول؛ وواضعو هذا السؤال أُلو مكر دقيق؛ فقد توهموا مخطئين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألم بأخبار التوراة والإنجيل، ثم ادعى الرسالة، فشاءوا أن يتقدموا بسؤال لم يرد في التوراة أو الإنجيل، وهو حديث أهل الكهف ..

 

وقد طار المشركون فرحًا بهذه الأسئلة، وشاء الله أن يمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة دون إجابة حتى يُخبره الوحى بما كان، فعدوا ذلك التأخير انتصارًا مُبينًا على صاحب الرسالة؛ ولكن الوحى يصدع بسورة الكهف لتجيب عن الأسئلة الثلاثة في صدق أمين ..

 

أما المفاجأة التي قصدناها في هذا المقام فهي مُفاجأة المشركين بدعوة التوحيد في قصة أصحاب الكهف، إذ أعلنت إيمانهم بالوحدانية، وأكدت ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم حين حارب الأصنام وعادى المشركين، فماذا عساهم يقولون في حديث فتية آمنوا بربهم فزادهم هُدى وربط على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذن شططا، لقد نزلت السورة الكريمة شافية صدور قوم مؤمنين، ومُلجمة لمشركي مكة ومُحيرة أحبار اليهود بالمدينة الذين أذهلهم تفصيل القصة على نحو دقيق لم يكونوا يتصورون أن يحيط به عربي أُمي نشأ في مكة مع الأُميين، ولكنه أتى بالوصف الدقيق، وتعرض لأدق حالات النوم وهم غائبون في الكهف مستترون عن العيون لا يعلمهم أحد غير الله(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) [الكهف: 17 – 18] ..

 

وإذاً فقد أبدعت السورة الكريمة تصوير هذا البعث المفاجئ وما فيه من حيرة وتساؤل يشملان أهل الكهف أنفسهم ومن بعثوا في عهدهم من الناس، وقد تدرج الأمر حين استيقظ الفتية من النوم وهم يظنون أنهم رقدوا يوماً أو بعض يوم ثم أحسوا بالجوع فطلبوا من أحدهم أن يذهب إلى المدينة فيشترى الطعام وأوصوه أن يكون حذراً كيلا يُدركه الأعداء، وبالغوا في التحذير فهتفوا قائلين فيما حكاه عنهم كتاب الله: (إنهم إن يظهروا.... إذن أبدًا) أما الدهشة الكبرى وهي انتفاضة البعث بعد النوم الطويل فقد أوجزها القرآن إيجازاً بليغًا؛ لأنها برمتها تمثل إطنابًا نفسياً يمتد ويتسع ليشمل أفسح الفراغات في المشاعر والعقول، وقد عصفت بكل سفسطة وأتت على كل اعتراض ..

 

والقصص القرآني في كل مشاهده لا يُساق لذاته، بل لما يَطْوى من عبر تهدى إلى الخير في الحياة، وترتفع بالسلوك الإنساني، حين تشتبه المسالك وتوحش الدروب، وقد ألحقت قصة أصحاب الكهف بما يجب التقيد به من هدى رباني، ونصح سماوي في مثل قول الله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) [الكهف: 23 – 24] ..

 

والقصة- بعدُ- بمناسبتها الزمنية، وأدوارها التاريخية، وشخصيتها الواقعية، قد صورت إيماناً وإصراراً، وهدت إلى موعظة حية، وصححت مفاهيم مُعتلة؛ لذلك كانت في حاجة إلى بسط شاف في كتاب كبير يُفقه في العقيدة ويُعلم التاريخ ويبسط مسارب النفوس واضحة صريحة وإذ ذاك تقع موقعها المفيد ..

* - بقلم العلامة أ. د. محمد رجب البيومي (رحمه الله) ..