إفحام من زعم أن بالقُرآن أخطاء لغوية –(4)- بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..

إفحام من زعم أن بالقُرآن أخطاء لغوية –(4)- بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..

إفحام من زعم أن بالقُرآن أخطاء لغوية –(4)- بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة (حفظه الله) ..  

 

وأستكمل بعون الله تعالى وتوفيقه ما بدأته في (الجزء الثالث) من هذه الدراسة التي خصصتها للرد على المُفتري المُدّعي كذباً وزوراً بأن في القُرآن العظيم –كتاب الله الكريم- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أخطاءً لُغوية؛ فكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقُولون إلاَّ كذباً ..

 

(17) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن

(نصب المضاف إليه)؛ في [سورة هود: 10]، في قول الله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي)؛ فلماذا لم يجر المضاف إليه فيقول، ضراءٍ وليس ضراءَ ؟ز

 

و الإجابة على هذا الافتراء المحض بما يلي:

ضراء: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة، مُنع من التنوين لأنه منته بألف التأنيث الممدودة مثل نعماء قبلها [1].

يقول ابن مالك :

فألف التأنيث مطلقاً منع           صرف الذي حواه كيفما وقع

 

يقول بن عقيل شارحاً: فيمنع ما فيه ألف التأنيث من الصرف مطلقاً، أي سواء كانت الألف مقصورة كـ (حُبْلي) أو ممدودة كـ (حمراء)  [2]. وبالطبع فإن (نعماء) و (ضراء) مُنتهيتان بالألف الممدودة المانعة من الصرف ..

 

(18) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن

(لم يأتي* بجواب لَما)، في [سورة يوسف: 15]، في قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، فأين جواب لَّما ؟ أليس مثلاً لو حذفنا الواو في و(أوحينا) لاستقام المعني ولو قليلاً؟.

 

و الإجابة على هذا الافتراء المحض بما يلي:

أولاً: هكذا استهل حديثه بإثبات حرف العلة في (يأتي) بعد الجازم فقال: (لم يأتي) والصواب (لم يأت) بحذف حرف العلة! ..

 

ثانياً: أسقط لفظ (به) من الآية الكريمة؛ فقال: (فلما ذهبوا وأجمعوا)، والصحيح: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا ...) ..

 

ثالثاً: كتب (غيابة) بالتاء المربوطة، والصواب (غيابت) حسب الرسم العثماني المعجز للقُرآن الكريم ..

فقد رُسِمَت في المصحف بالتاء المفتوحة، وهذا مُفيد في معرفة كيفية الوقف عليها كما أسلفنا.[3] ، وإن صح كتابتها إملائياً بالتاء المربوطة ..

 

رابعاً: جواب لّما الذي تبحث عنه محذوف تقديره (وعرّفناه أو نحوه) دل عليه قوله تعالى: (أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ)  .. [4] ، وإن شئت فابحث عنه عند علماء النحو الكوفيين،  فعندهم جواب (لّما) (أوحينا)، والواو زائدة؛ لأنها – عندهم – تقحم مع (لّما ، حتي)، ومنها قول الشاعر : [5]

فلما اجزنا ساحة الحي وانتحي           بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل

فالمعني إذاً:  لا يمكن إلاّ أن يكون مستقيماً، لكن العقول هي المريضة، والأفهام كليلة، والجهل طاغٍ، والقلوب ميتة نسأل الله السلامة والنجاة ..

 

(19) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن (حذف جواب الشرط في القرآن)؛ في [سورة الكهف: 109]، في قول الله تعالى: (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)، جواب الشرط محذوف وتقديره: (ولو جئنا بمثله مددا لنفد) ..

 

و الإجابة على هذا الافتراء المحض بما يلي:

- قوله تعالى:- (وَلَوْ جِئْنَا)– أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا – بمثل البحر يُكتب منه لنفد أيضاً .. وهو كناية عن عدم نفاد كلمات الله عز وجل .. قالوا: لعله عبّر بجمع السلامة إشارة إلي أن قليلها بهذه الكثرة، فكيف بما هو أكثر منه. [6]..

 

- وينبغي أن تُقرأ الآية من أولها لِيُفْهَم المعني .. ولكن هيهات لمن يصطاد في الماء العكر أن يقرأ، أو يتدبر، أو يصبر قليلاً حتى يفهم، فإن عجز عن الفهم، سأل العلماء العالمين والفقهاء العارفين، ولكنه العمى والحقد على القرآن الكريم ودين الإسلام العظيم ..

 

(20) – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المُفتري المُدَّعي، قوله: أن القُرآن (رفع اسم إنَّ)؛ في [سورة طه: 63]، في قول الله جلَّ شأنه: (إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ)، لماذا لم ينصب اسم (إن) فيقول: (إن هذين لساحران)، وليس:  (إن هذان)؟ ..

 

و الإجابة على هذا الافتراء المحض، بما يلي: 

أولاً: قرأ ابن كثير وعاصم من رواية حفص بالتخفيف (إنْ) وابن كثير يُشددِّ النون (هذانّ)، وهذه القراءة من القراءات السبع المتواترة، موافقة لخط المصحف وموافقة للإعراب .. وعليها يكون المعني: (ما هذان إلا ساحران) [7].

فلو كانت النية سليمة لكفته هذه القراءة، ولكنها النية الخبيثة التي تبحث عن الثغرات والهنات لتشكك المسلمين في دينهم، لكن هيهات أن تجد في كتاب الله ثغرة أو هنة، (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [سورة فصلت – آية: 42].

 

ثانياً: قرأ المدنيون والكوفيون (إنَّ هذان) وهذه القراءة هي التي ظن صاحبنا أنه لا وجه لها في العربية، ولو رجع إلي بعض المصادر لعلم أن للعلماء فيها أقوالاً؛ منها: أن هذه لغة من لغات العرب، يقول العلاَّمة الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد رحمه الله في تعليقه علي شرح ابن عقيل: " هذه لغة كنانة وبني الحارث بن كعب ونبي العنبر ... إلخ .. وخرَّج عليه قوله تعالي: (إنّ هذان لساحران)، وقوله صلي الله عليه وسلم: (لا وِتْرَاِن فِي لَيْلَةٍ) [8]، فبعض قبائل العرب تجعل رفع الاثنين ونصبه وخفضه بالألف، يقولون: جاي الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان [9].

 

قال شاعرهم: [10]

تزود منا بين أذناه ضربة                 دعته إلي هابي التراب عقيم

ومن ذلك أيضاً: إلزام الأسماء الخمسة (الألف) في حالاتها الإعرابية الثلاث؛ وفي ذلك يقول الشاعر: [11]

إن أباها وأبا أباها                  قد بلغا في المجد غايتاها

حكاه أبو يزيد الأنصاري ، ووافقه علي ذلك جهابذة العربية الأخفش والكسائي والفرَّاء كلهم يقول إنها لغة الحارث بن كعب. [12].

 

ثالثاً: قرأ أبو عمرو (إنَّ هذين لساحران) قراءة متواترة مُوافقة للإعراب .. فلماذا الطعن والتشكيك في كلام الله؟ ..

 

رابعاً: هناك أوجه أخري منها: أن (إنًّ المشددة تأتي بمعني (نعم) في كثير من كلام العرب، فيكون المعني (نعم هذان لساحران) قاله المبرد، قال الشاعر: [13].

بكر العواذل في الصباح يلمنني وألومهته

ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنه

والشاهد فقلت إنَّه , أي نعم !! ..

* - للمقال -صلة- بمشيئة الله تعالى .. 

* - والمقال، بقلم: فضيلة الشيخ د. سر الختم عكاشة، متعه الله بالصحة والعافية .. 

_____________________

 [1] - الجدول في إعراب القرآن: (ج12 ص200).

 [2] - شرح ابن عقيل: (ج2 ص322).

[3] -  راجع التعليق علي الفقرة (11) .

[4] – التبيان: (ج2 ص725).

[5] -  الشاعر الجاهلي المعروف اسمه جندح ولقبه امرؤ القيس، أي رجل الشدة، وهو أصغر أبناء حُجر بن الحارث الكندي، ملك علي بن أسد توفي عام 540م . قوله أجزنا ساحة الحي: أي جاوزنا مكان القبيلة، واعتمدنا مكاناً مطمئناً حوله أماكن مرتفعة، و(الخبت) أرض مطمئنة، و(الحقاف) ما ارتفع من الأرض،  و(العقنقل) الرمل المنعقد المتبلد؛ والشاهد فيه أن (الواو) عند الكوفيين مقحمة بعد (لّما).

 [6] -  نظم الدرر، للإمام برهان الدين البقاعي: (ج12 ص151).

[7] - الجامع لأحكام القرآن : (ج11 ص216).

[8] - شرح ابن عقيل : (ج1 ص58 – 59).

[9] - التبيان في إعراب القرآن : (ج2 ص894)، وانظر الجامع لأحكام القرآن: (ج11 ص216)، وما بعدها، وراجع الحجة في القراءات السبع لابن خالويه: (ص242).

[10] - هو هوبر الحارثي: وهابي التراب: ما رق منه وارتفع.

[11] - ينسب إلي أبي النجم : الفضل بن قدامه العجلي، وقيل: قائله روية ابن العجاج: وغايتاها مفعول به، والمراد بهما، غاية في المجد وغاية في الحسب.

[12] -  الجامع لأحكام القرآن الكريم: (ج11 ص217).

[13] - ينسب البيت الي: عبد الله بن قيس الرقيات.