الأزهر الشريف ناعياً العالم الجليل الدكتور محمد عمارة .. ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء ..

الأزهر الشريف ناعياً العالم الجليل الدكتور محمد عمارة .. ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء ..

الأزهر الشريف ناعياً العالم الجليل الدكتور محمد عمارة .. ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء ..

 

نعى الأزهر الشريف، العالم الفذ  والمفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، الذي وافته المنية مساء الجمعة 4 من شهر رجب عام 1441هــ الموافق 28/2/2020م عن عمر يناهز 89 عامًا بعد صراع قصير مع المرض ..

 

وأكد الأزهر الشريف، في بيان له اليوم السبت أن رحيل الدكتور محمد عمارة ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء الذين يحملون على عاتقهم أمانة العلم، وصدق الكلمة، وأن التاريخ سيظل يذكر فقيد الأزهر والأمة العربية والإسلامية بعلمه وفكره الوسطي في تبليغ رسالة الله والدفاع عن سماحة الإسلام ووسطيته وإعلاء شأنه، ودَحْض ما أثير عنه من شبهات، تشهد على ذلك مصنفاته المملوءة علمًا وحكمةً ومعرفةً، وإسهاماته الكبرى في إثراء الفكر الإسلامي، والتي ملأت الدنيا وغطت كل القضايا الفكرية العامة والمعاصرة، ومحاضراته التي أفاد منها الآلاف من طلاب العلم في العالم الإسلامي ..

 

وأعرب الأزهر، عن حزنه وألمه لرحيل المفكر الكبير، فإنه يتقدم بخالص العزاء للعالم الإسلامي، ولأسرة الراحل، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يُسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان "إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ". ..

 

والجدير بالذكر أنَّ العالم الجليل الراحل وُلد في قرية "صروة" بريف مصر، التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ. وحفظ القرآن وجوَّده في كُتَّاب القرية. ثم واصل دراسته الأوليَّة بالأزهر الشريف، وقد بدأت تتفتح وتنمو اهتماماته الوطنية والعربية وهو صغير. وكان أول مقال نشرته له صحيفة (مصر الفتاة) بعنوان (جهاد عن فلسطين). حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية 1965م من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة. ثم حصل على الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية من نفس الكلية عام 1970، وحصل على الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية عام 1975 من نفس الكلية ..

 

مر الدكتور محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فيقول أكرم ذياب وقد نشر بحثاً موسعاً للرد على أفكار عمارة أن الأخير عاش سلسلة من التحولات الفكرية، وقد مر بأطوار (...) من الماركسية، إلى الاعتزال، فالسلفية إلى غير ذلك .. ويقول الدكتور محمد عباس إنَّ الدكتور محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام .. وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي، ودليلاً على أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ..

 

 وقد حصل الدكتور محمد عمارة –رحمه الله- على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها "جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م"، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م ..

 

كما حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي مثل: الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، وحسن البنا، ومن أعلام الصحابة علي بن أبي طالب، كما كتب عن تيارات الفكر الإسلامي القديمة والحديثة وعن أعلام التراث من مثل غيلان الدمشقي، والحسن البصري ..

 

من أواخر مؤلفاته في الفكر الحديث: الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني، والغرب والإسلام - أين الخطأ.. وأين الصواب؟، ومقالات الغلو الديني واللاديني، والشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية، ومستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية، وأزمة الفكر الإسلامي الحديث، والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، وغيرها كثير ..

 

أسهم في العديد من الدوريات الفكرية المتخصصة، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية، ونال عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والبحثية منها هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف،  والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والمعهد العالي للفكر الإسلامي ..

 

وقد  اتسمت كتابات الدكتور عمارة –رحمه الله-  وأبحاثه التي أثرى بها المكتبة العربية والتي وصلت إلى (200) مؤلفاً بالأصالة والعمق العلمي والفكري ووجهات نظر تجديدية وإحيائية، والإسهام في المشكلات الفكرية، ومحاولة تقديم مشروع حضاري نهضوي للأمة العربية والإسلامية في المرحلة التي تعيش فيها ..

 

وينتمي العلاَّمة الدكتور عمارة – رحمه الله-  إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، فيقول عنها إنها "الوسطية الجامعة" التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفاً جديداً مُغايراً للقطبين المختلفين، ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي، بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نُبصر حقيقة الإسلام، وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرية الإسلامية. والفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشرعية الثابتة والواقع المتغير، أو يجمع بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع، ومن هنا فإنَّ الله جعل وسطيتنا جَعْلاً إلهيا: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ..

رحم الله أستاذنا الدكتور محمد عمارة الذي كان حصناً منيعاً من حصون الإسلام وقلاعه العتيدة في مواجهة خصومه الملحدين والرافضة والعلمانيين والصهاينة والطائفيين الصليبيين وغيرهم من الأعداء المتربصين  .. رحمك الله يا دكتور عمارة .. وجزاك الله عنًّا وعن الإسلام وعن كُل ما قدمته للأمة خير الجزاء .. ولا نقول إلاَّ ما يُرضي ربنا، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون  ..