تفسير المنار للعلامة الشيخ محمد رشيد رضا – بقلم العلاَّمة الشيخ محمد الحديدي الطير

تفسير المنار للعلامة الشيخ محمد رشيد رضا – بقلم العلاَّمة الشيخ محمد الحديدي الطير

 

 

كان الشيخ محمد رشيد رضا من تلاميذ الإمام محمد عبده، وأشدهم تأثرًا بأفكاره في "تفسير القرآن الكريم" وغيره من أمور الدين ..

وقد ولد سنة 1865م في بلدة "القلمون" من القرى الشامية، ثم تلقى العلم على شيوخ طرابلس الشام، ثم جلس على كرسي الأشياخ لإرشاد الناس ..

 

وفى يوم وصلت إليه نسخة من جريدة "العروة الوثقى" التي كان يصدرها المصلحان جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده في باريس، للدفاع عن الإسلام، ومحاربة الاستعمار، فأُعجب بهما، ورغب في لقائهما، وتحقق بعض رغبته، بالاتصال بالإمام محمد عبده، في رجب سنة 1315ه ولازمه ثم اقترح عليه تفسيرًا للقرآن، فاستجاب وجعل يفسره في دروس بالجامع الأزهر، كان يلقيها على الطلاب والمريدين، وطفق الشيخ رشيد يسجل ما سمعه، ثم ينشره على الناس في مجلة "المنار"، بعد مُراجعة الإمام محمد عبده وتنقيحه لما سجله ..

 

وبلغ من تأثره بأفكار الإمام محمد عبده أن قال عنه: "صاحب المنار تُرجمان أفكاري"، وقال أيضًا: "إنه مُتَّحد معه في العقيدة والفكرة والرأي والخُلق والعمل". ..

 

وقد ترك الشيخ رشيد (تفسير القرآن الحكيم) الذى اشتهر بـ(تفسير المنار)، نسبةً إلى مجلته، وهو يبدأ من أول القرآن، وينتهى عند قوله تعالى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ الأَرْضِ أَنتَ وَلِى فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) [يوسف: 101]، واخترمته المنية، فلم يفسر بقية القرآن، وهذا القدر من التفسير مطبوع في اثنى عشر مجلدًا، ينتهى آخرها عند الآية (53) من سورة يوسف، ثم أكمل الأستاذ بهجت البيطار سورة يوسف، وطبع تفسير السورة كلها في كتاب مستقل منسوب إلى الشيخ رشيد ..

 

منهج رشيد رضا في تفسيره:

منهجه فيه كأستاذه الإمام محمد عبده، فهو يقول في الجزء الأول من تفسير المنار: (إن حاجة الناس صارت شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن، على الوجه الذى يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه وما أُنزل لأجله؛ من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح)، ويقول في الجزء الرابع منه: (إنَّ قصدنا من التفسير بيان معنى القرآن، وطرق الاهتداء به في هذا الزمان) ..

 

وقد سلك مسلك أستاذه في تجريد تفسيره من الإسرائيليات والخرافات والأحاديث الموضوعة، وتنحية الحشود الزاخرة من مباحث الفنون عنه، وعدم تطبيق النص على نظريات العلوم القابلة للنقض بنظريات أخرى ..

ولهذا كله كان يشرح القرآن مُستعينًا بآيات القرآن المناسبة لما يشرحه منه، وبالسُّنَّة الثابتة، وبما درج عليه وارتآه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وبلغة العرب، وسنن الله في خلقه، كما قال في الجزء السادس من تفسيره ..

 

ويمتاز تفسيره بالأسلوب السهل المترسل، والعناية بتوضيح المشكلات، ورفع الشبهات الموجهة إليه، وإبراز هديه، وحكم تشريعه، ومعالجة أمراض المجتمع في أثنائه، وإظهار سنن الله في كونه ..

وقد خالف منهج شيخه في أمور يقول فيها: (وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه- رحمه الله- بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواءً كان تفسيرًا لها أو في حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات، لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم في هذا العصر بهداية دينهم، أو بقوة حجتهم على خصومه، من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن إليه القلب، وتسكن إليه النفس) ..

 

موقفه من المفسرين:

وكان لا يأخذ من أقوال قدامى المفسرين إلا ما يقتنع به، ولا يقرؤها إلاَّ بعد أن يكتب ما فهمه، حتى لا يتأثر بها فهمه، وقد يرجع عما كتبه إن اتضح له الحق عند سواه ..

وكثيراً ما دفعه تحرره في الرأي إلى مخالفة الجمهور، كما فعل في تفسيره الآية (275) من سورة البقرة في أكل الربا: (وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، فقد ذهب في تفسيره إلى خلود آكله في النار إن لم يتب، إذ قال: (ومن عاد إلى ما كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه، فأولئك البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم، الذى لا ينهاهم إلاَّ عما يضر بهم في أفرادهم أو جمعهم- هم أهل النار الذين يلازمونها كما يلازم الصاحب صاحبه، فيكونون فيها خالدين) ..

 

وهذا هو رأى المعتزلة فإنهم قالوا بخلود أهل الكبائر في النار إن لم يتوبوا. والحق أن الآية هنا محمولة على من عاد إلى أكل الربا معتقدًا أن البيع مثل الربا، فأحلوه كالبيع؛ ولذا كان عقابهم الخلود في النار؛ لأنهم أحلوا حرامًا بالنص والإجماع؛ ويشهد لهذا التأويل ما جاء في صدر هذه الآية: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ..

 

موقفه من أستاذه محمد عبده:

وقد نجده يخالف شيخه في بعض الأمور؛ فشيخه نفى السحر عنه صلى الله عليه وسلم بمعناه المعروف نفيًا باتًا، وأنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك؛ أما هو فيقرها، ويصرف السحر إلى ما يتعلق بمباشرة زوجاته. فاقرأ ما قاله في تفسيره للفاتحة والسور الست القصار، فهو يقول: (وقد مَّحصْتُ هذه المسألة مرارًا، آخرها في الرد على مجلة (نور الإسلام) في زعمها المفترى أنني كذَّبت حديث البخاري في سحر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبينت أن الحديث الصحيح في هذه المسألة عن عائشة رضى الله عنها، تُوهِمُ بعض رواياته ما هو أعم من المعنى الخاص الذى أرادته، وهو مباشرة الزوجية بينه صلى الله عليه وسلم وبينها؛ فقولها كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، كناية عن هذا الشيء الخاص، لا عام في كل شيء؛ فلا يدخل فيه شيء من أمور التشريع، ولا غير غشيان الزوجية، من الأمور العقلية أو الأعراض البدنية، فضلاً عما كان يريد الذين يرمون الأنبياء بسحر الجنون؛ لأن أمورهم فوق المعقول عند أولئك الكافرين؛ فالمسألة محصورة فيما يسمونه حتى الآن (الربط أو العقد) أي عقد الرجل المانع من مباشرة زوجه فق ..

 

هذا ما قاله الشيخ رشيد رحمه الله، وقد أجاب القدامى من رجال الحديث بأن غاية ما تدل عليه أحاديث السحر، أنَّ ذلك السحر أثر في بدنه، دون روحه وعقله؛ فكان تأثيره من الأعراض الجسدية، التي لم يعصم منها الأنبياء ..

 

رأيه في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:

وكان الشيخ رشيد لا يرى معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم سوى القرآن، أما ما ثبت من المعجزات الكونية التي ظهرت على يديه صلى الله عليه وسلم، فيجعله من باب الإكرام من الله لنبيه، وليس من قبيل المعجزة أو الحجة على صدق دعوته؛ ويستدل لذلك بنحو قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ) [الإسراء: 59]، ويحتج أيضًا بنحو قوله صلى الله عليه وسلم من إخراج الصحيحين وغيرهما: ((مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ..

 

ونحن نقول تعقيبًا على ذلك: إن النبي صلى الله عليه وسلم كما أيده الله بالوحي القرآني أيده أيضًا بالمعجزات الكونية، ومنها انشقاق القمر الذى ثبت بالقرآن والسنة الصحيحة، ومنها حنين الجذع الذى كان يخطب إلى جواره، ثم تركه ليخطب على المنبر الذى صنع ليخطب الناس من فوقه، فحنّ الجذع لفراقه صلى الله عليه وسلم وأنَّ، وسمع الصحابة صوته كصوت الناقة حنينًا لفصيلها، فلما التزمه النبي صلى الله عليه وسلم سكن، ومنها نبع الماء من بيد أصابعه. وأما الآية التي ساقها لمنع كون ذلك معجزة له، فإنها لا تدل لما ذهب إليه؛ إذ إن معناها: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي طلبوها إلا أن كذب بمثلها الأولون فأُهلِكوا، ونحن لم نرد إهلاكهم كما أهلكنا من قبلهم؛ فلهذا لم نجبهم إلى ما طلبوه من تفجير الأرض ينابيع، وإسقاط قطع العذاب من السماء، وغير ذلك مما طلبوه تعنتًا لا طلبًا لأسباب الهداية؛ فإنَّ الله تعالى قد أيده من المعجزات بما فيه الكفاية لمن أراد الاهتداء، من القرآن العظيم وسائر المعجزات. وأما حديث: ((وإنما كان الذى أوتيته وحيا))، فالمراد منه أنه هو العماد الأول في تأييده صلى الله عليه وسلم، وبه امتاز على من سبقه من الأنبياء، بعد أن ساواهم في المعجزات الكونية ..

 

وعلى الرغم من الهنات التي حسبت على الشيخ رشيد رضا، فإنَّه من العلماء الغيورين على الإسلام، الذائدين بحرارة وإخلاص عن حماه، وما دفعه إلى تأويلاته التي ذهب إليها إلاَّ ظنَّه أنَّ ذلك يخدم الدين ويدفع عن الشبهات التي يمكن أن توجه إليه ..

 

_________________

* - بقلم الشيخ: مصطفى محمد الحديدي الطير

عضو لجنة إعداد "التفسير الوسيط" بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف .. تغمده الله بواسع رحمته ..