عيدٌ .. بأيِّ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ؟! - (1) - بقلم الدكتور احميدة سالم القطعاني ..

عيدٌ .. بأيِّ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ؟! - (1) - بقلم الدكتور احميدة سالم القطعاني ..

عيدٌ .. بأيِّ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ؟! - (1) - بقلم الدكتور احميدة سالم القطعاني ..

 

[1]

يأني عيد الفطر المبارك هذا العام في ظلِّ أجواء صعبة يعيشها المسلمون في شتَّى بقاع الدُّنيا، ويعيشها العالم كُله بسبب الانتهاكات الصهيونية المستمرة للمسجد الأقصى ومُحاولة الاستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية في تسريع تنفيذ المخططات الصهيونية الخبيثة تجاه المسجد الأقصى، وهذا التسجيل المروع الذي نشرته صحيفة "الغارديان" (the Guardian) البريطانية عن مجزرة حي التضامن بالعاصمة السورية دمشق، مع استمرار المذابح والإجرام الروسي الإيراني النصيري الطائفي في حرب الإبادة العبثية الموجههة ضد أهلنا في سُوريا المنكوبة وغيرها من المآسي والآلام والنَّكبات التي يمرُّ بها العالم الإسلامي ..

فلو نظرنا إلى حال وواقع بلاد المسلمين وما يحدث فيها من المآسي والآلام التي تعيشها الأمة في أكثر من مكان، فإننا نرى العجب العُجاب من مظاهر التغريب والبعية لأعداء الإسلام، ومظاهر الفرقة والتشرذم والانقسام مع تعمد إشاعة العداوة والكراهية والبغضاء بين الشُّعوب المسلمة، وتشجيع مظاهرالانحلال والتحلل الأخلافي والبُعد عن الدِّين، وتشجيع الإلحاد والهجوم الإعلامي المُمنهج على ثوابت الدين ومقدساته ورموزه، والإفساد المُنظم للشُّعوب المسلمة بهذا الكم الهائل من الأفلام والمسلسلات والأغاني الهابطة التي تُثير الغرائز والشذوذ وتُشجع الفسق والفجور والرِّبا والزِّنا والحرام بكُل صنوفه وألوانه، فضلاً عن تنحية الدين وفصله عن سائر ميادين الحياة، ومُحاربة المُتدينين الملتزمين بالإسلام الذين يُريدون تطبيق الإسلام وشريعة الله المطهرة في جميع مناحي الحياة؛ ما لو رآه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأدرك كم ظهر الفساد في بلاد المسلمين، وكم غيَّر النَّاس وبدَّلُوا بعده صلى الله عليه وسلم! ، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله ..

والحال نفسه ظاهر سواء في قلب العالم الإسلامي أو في أطرافه حيثُ تجد سيْراً حثيثاً إلى تنحية الإسلام العظيم -دين الله الحقّ في الأرض والسَّماء- عن حياة النَّاس ..

مع حربٌ ضروس شعواء همجية يشنّها إعلام مأجُور يقوم عليه أفَّاقُون دجَّالون ينعقون صباح مساء بالتحريض على تنحية الدِّين، والسُّخرية من شعائره ورموزه، وإقصاء المُتديِّنين وإبعاد العلماء المؤثرين عن منابر المساجد والإعلام ..

 

[2]

قنوات وفضائيات ومنابر إعلامية تبثُّ السُّموم من كراهية الإسلام وشعائره وتشجيع الإلحاد والملحدين على المُجاهرة بإلحادهم، والترويج للفسق والفُجور والخلاعة والمجون .. قنواتٌ وفضائيات وأدوات إعلامية مُتنوعة تُحرض على إشاعة الفاحشة والرَّزيلة وبث الفتن والعداوات بين المسلمين، وإثارة الكراهية والنَّزعات العرقية والقومية والخلافات القبلية والمناطقية لتقسيم بلاد المسلمين ..

قنوات وفضائيات مع سيل جرَّار مُتدفق من وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة تعمل على تزييف الوعي وتمرير العديد من الشُّبهات والقُمامات الفكرية والدِّعايات المسمومة ضد الإسلام، والترويج للتطبيع مع الكيان الصُّهيوني في الوقت الذي يُواصل فيه اعتداءاته الغاشمة على المسجد الأقصى ومُقدسات المسلمين وهلنا في فلسطين المحتلة؛ وذلك عبر كم هائل من المواد الإعلامية من لقاءات ومقالات وبرامج وحوارات ومسلسلات وأفلام مشبوهة وحلقات تنضح بالكذب والفجور والصهينة مع تمرير هذه القُمامات الفكرية التي يُريد هؤلاء المنهزمون نفسيّاً وحضاريّاً أن يُمرروها ..

 

[3]

عيدٌ .. بأيِّ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ؟! ..

وهذه المؤامرات والفتن والمكائد التي يصنعها بعض (الأعراب) المتصهينين في بلاد الإسلام على أشُدِّها من حصار لدُول وشُعوب، وزرع الفتن، والاقتتال بين أبنائها، وإقامة كيانات إعلامية وسياسية وعصابات ومليشيات عسكرية لتكريس الكراهية والاقتتال والانقسام بين أبناء هذه الدُّول المستهدفة من هؤلاء (الأعراب) خدمة للاستعمار العالمي؛ وصدق الله العظيم؛ إذ يقول في شأن هؤلاء وأمثالهم: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98). [التوبة: (97 – 98)] ..

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: " أخبر تعالى أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، (وَأَجْدَرُ)، أي: أحرى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ..."

 وأخبر تعالى أن منهم (مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ) أي: في سبيل الله (مَغْرَمًا) أي : غرامة وخسارة، (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات، (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) أي: هي منعكسة عليهم والسوء دائر عليهم، (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان" . .

 

أموال رهيبة تتدفق هُنا وهُناك، وجهود شاقة تُبذل لإحداث الفتن وإشعال الحُروب في العديد من دول العالم الإسلامي؛ ورغم أن الله جلَّ وعلا قال عن اليهود الغادرين وأشباههم من المنافقين المفسدين: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚوَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚوَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).[المائدة: (64)]؛ إلاَّ أنَّ هؤلاء الأعراب كانوا أكثر صهينة، وأشد إجراماً من اليهود أنفسهم؛ بعد أن قذف الله في قلوبهم الرُّعب من حركة الصحوة والمد الإسلامي الذي عمَّ أرجاء المعمورة، وما صاحبه من حالة وعي كبيرة لدى المجتمعات الإسلامية بالحقوق والحُرِّيَّات التي سلبها منهم هؤلاء الطواغيت الظلمة، وبات هذا المُنجز الحضاري والثقافي والتوعوي الذي أحدثته حركة الصحوة والمد الإسلامي العالمي حديث العالم، ورقماً مُهمِّاً وصعباً في حياة هذه المجتمعات الإسلامية؛ لذا راح أعداء الإنسانية والحقوق والحُريَّات من هؤلاء الأعراب يُنفقون الأموال ويُجيشون الجُيوش ويصنعون الفتن والمؤامرات والمكائد لضرب صحوة المسلمين بخسة ونذالة وشراسة ..

  • (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4).[سورة المنافقون] ..

 

  • (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ..).[سورة النساء] ..

_____________

  • للمقال -صلة وتكملة- بمشيئة الله تعالى.
  • - المقال: بقلم: الدكتور احميدة سالم القطعاني؛ الأستاذ بالجامعات الليبية ..