القُرآن والسًّلطان .. بقلم المفكر أ. د. أحمد القديدي، الَّسفير التُونسي الأسبق بالدَّوحة (وفَّقَهُ الله) ..

القُرآن والسًّلطان .. بقلم المفكر أ. د. أحمد القديدي، الَّسفير التُونسي الأسبق بالدَّوحة (وفَّقَهُ الله) ..

 

القُرآن والسًّلطان .. بقلم المفكر أ. د. أحمد القديدي، الَّسفير التُونسي الأسبق بالدَّوحة (وفَّقَهُ الله) ..

 

أثارت قضية الفصل الأول من الدستور التونسي هذه الأيام مسائل مُعقدة وشديدة التأثير في الجدل الفكري والعقائدي في المجتمعات العربية والمسلمة، وهو ما يُؤكد أن تمسك شُعوب الأمة بدينها وحضارة دينها يبقى مُحَرِّكاً للحياة السياسية والثقافية لدينا، وهذا في حد ذاته مكسب ثمين، وتذكرت حكمة تُنسب إلى الخليفة عثمان رضي الله عنه، وهي: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، لكن حين نعود للتاريخ نجد أنَّ أول التصادمات بين الإسلام والأديان الأُخرى تم أثناء الفتوحات الإسلامية التي اعتمد فيها الفاتحون عموما آليات الإقناع ونشر العلوم وتنوير الأفكار، ثم كانت الصدمات القاسية أثناء الحملات الصليبية السَّبع التي انطلقت من كاتدرائية (كليرمون) بفرنسا بخطاب عنصري مُتعصب للبابا ((يوربان الثاني)) جند فيه الجيوش الصليبية من كل أوروبا بقيادة فرنسا بتعلة "تحرير أكفان السيد المسيح من أيدي الكفار!"،  يقصد المسلمين. وبدأت المجازر مع تخريب بيت المقدس ثم احتلال الشام، وتواترت الحروب إلى أن انتهت عام 1270م بموت ملك الصليبيين ((لويس التاسع)) الملقب بالقديس في قرطاج بتونس ..

 

 ثم أعيدت ((حملة صليبية/ ثامنة)) في شكل مغامرة ((نابليون بونابرت)) في مصر والشام عام 1799م وانتهت بهزيمته بعد ثلاثة أعوام، وهروب بونابرت إلى باريس ليستولي على حكم فرنسا، ثم باغتيال ((الجنرال كليبير)) نائبه على يدي ((سليمان الحلبي)) الفدائي رحمه الله ثم اعتناق قائد الحملة الأخير ((مينو)) للإسلام وزواجه من مصرية مسلمة وبقائه في مصر ..

 

 وبعد ذلك حلَّ الاستعمار التنصيري العُنصري، وتعاقبت المواجهات وحركات المقاومة إلى أن تحررت الشعوب المسلمة، لكن ظل الاستعمار الفكري مُهيمناً على جزء من النخب مسلوبة الهوية ..


وكان أحد غلاة الاستعمار ((فكتور دو كارنيار)) يكتب: "لا تخرجوا أيها المستعمرون من الحقول إلا بعد أن تستوطنوا العقول!"، ثم كما نعلم تعاقبت حركات المقاومة السلمية والمسلحة وانتصرت تقريباً، وفازت دول المسلمين باستقلالها لكنه طبعا ظل استقلالا منقوصاً؛ لأنَّ الاستعمار التنصيري بالفعل سكن العقول بعد مُغادرة الحقول، وكانت تركيا تاريخياً المختبر الأصدق للصراع المشروع بين الأمة المحافظة على هُويتها وبين الاستكبار الصليبي الذي يريدها أمة منزوعة الدَّسم أي الروح والعقيدة ..


 

وجاء مصطفى كمال ((أتاترك)) ليجهز على رمز وحدة الأمة آخر ((خلافة عثمانية)) وأتم عملية تتريك تركيا وعزلها كأمة مذيلة للغرب شكلاً ومضموناً ولغة وتقاليد، لكن تركيا حافظت على روحها الإسلامية سراً كما فعل قبل قُرون ((المسلمون الأندلسيون)) ضد ((محاكم التفتيش والصلب والحرق)) إلى أن جاء زعيم تركي هو ((عدنان مندريس)) رحمه الله فأراد انتزاع الدستور المارق من الجيش ولكنه فشل، حيث شهدت تركيا قبل 62 عاماً، يوماً من أسوأ الأيام في تاريخ ديمقراطيتها، إذ انقلب الجيش على رئيس الوزراء، ((عدنان مندريس)) رحمه الله عام 1960م حين نفَّذ جنرالات وضباط وضعوا أياديهم على السلطة في البلاد آنذاك ((انقلاباً عسكرياً)) على حكومة ((عدنان مندريس)) رحمه الله، وسيطر هؤلاء الضباط على الحكم بالقوة، واعتقلوا رئيس الوزراء ((عدنان مندريس)) (1950: 1960م)، ورئيس الجمهورية ((جلال بايار))، وغالبية أعضاء "الحزب الديمقراطي" الحاكم، وكبار المسؤولين في الدولة بعد أن اتخذ ((مندريس)) رحمه الله عدة قرارات، أهمها: رفع الحظر عن الأذان في اللغة العربية، وقام بإعادة مادة التربية الدينية إلى المناهج التركية بعد حظرها بسبب حجة علمانية الدولة ..

 

وقد وقعت أحداث واحتجاجات بين الطلاب جراء أخبار كاذبة تناقلها الإعلام. وفي صباح 27 مايو 1960م قامت مجموعة من ((الضباط الانقلابيين))، بالانقلاب على حكومة ((الحزب الديمقراطي)) المنتخب من قبل الشعب، وتم تشكيل لجنة مكونة من ((38 ضابطاً)) أطلقت على نفسها اسم ((لجنة الوحدة الوطنية)) برئاسة ((الجنرال جمال غورسيل))، وألقوا القبض على ((مندريس)) رحمه الله، وتم تنفيذ حكم الإعدام للوزيرين: ((فطين رشدي زورلو)) وزير الخارجية، و ((حسن بولاتكان)) وزير المالية، رحمهما الله في 16 سبتمبر 1961م، فيما أُعدم ((عدنان مندريس)) رئيس الوزراء رحمه الله، يوم 17 سبتمبر/ 1961م في جزيرة ((ياسي أدا)) في بحر مرمرة  ..


وأتذكر شخصيّاً أنَّني في ذلك الأسبوع اقتنيت كعادتي ((مجلة (المصور) المصرية)) وعلى غلافها صورة ((مندريس)) رحمه الله يتدلى من حبل المشنقة، ومعه عنوان كبير هو ((القومية العربية انتصرت، ورأت الخائن مندريس في حبل المشنقة))!!، وكنت يافعاً لكني تأثرت جدّاً بنفاق الصحافة المصرية وخداعها ومُناصرتها لكل ظالم! ..

 

 وُيعيد ((انقلاب 1960م)) إلى أذهاننا ((مُحاولة الانقلاب الفاشلة 15 يوليو 2016م)) التي شهدتها تركيا والتي نفذتها مجموعة من أتباع ((منظمة غولن الإرهابية)) داخل الجيش التركي حاولوا خلالها السَّيطرة على أهم مُؤسسات الدولة، إلا أنَّ مُحاولة ((انقلاب 15 يوليو)) كانت مختلفة تماماً بسبب تصدي جُموع الشَّعب التركي لها باحتجاجات شعبية عارمة في مُعظم المدن والولايات التركية، وقاموا بإفشال تلك المحاولة الانقلابية وهو نصر للهُوية ضد الانسلاخ ..

______________

* - المقال بقلم: المفكر الإسلامي، أ. د. أحمد القديدي، أستاذ الإعلام، البرلماني المتمرِّس، وسفير تُونس الأسبق بالدَّوحة ((وفَّقَهُ الله، ومتَّعه بالصِّحة والعافية)) ..

* -  جريدة الشرق – الدُّوحة/ قطر ..