رمضان موسم الخير – بقلم: فضيلة العلاَّمة الشيخ إبراهيم أبو النصر، (رحمه الله) – نُشر المقال سنة 1373هـ / 1954م ..

رمضان موسم الخير – بقلم: فضيلة العلاَّمة الشيخ إبراهيم أبو النصر، (رحمه الله) – نُشر المقال سنة 1373هـ / 1954م ..

 

نفحةٌ من الجلال القُدسي، وقبس من الجمال الإلهي، وارتقاء بالبشر إلى درجة الملك، وكبح لجماح الشهوات، وكف عن المُضي في لذائذ الحس، واستغراق للروح في عالم المُثُل الرفيعة، والمعاني السامية، ذلكم هو الصِّيام؛ فالصِّيام تهذيب للنَّفس، أو تزكية للرُّوح، وسبيل قاصدة لاحترام الإنسان لنفسه، والسُّمو بها إلى أرفع الدرجات: أدب رفيع، وخُلق رحيم، وهدى من الله كريم، إنَّه العصمة من الزَّلل، والوقاية من الخَطَل، ينصرف الصائمون فيه عن المادة وأوضارها، والشَّهوة وآصارها، فيُصبح الإنسان فيه، وقد سيطرت الرُّوح على حِسِّهِ؛ فهو يَسبح في عالم الأسرار والأنوار ..

 

 

استمع إلى هذا الحديث النَّبوي الكريم، وعَطِّر لِسَانَك وَمَجْلِسك بذلك الأدب العظيم: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))، ويقول الله في الحديث القدسي عن الصائم: ((يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1795)، و صحيح مسلم؛ برقم: (1151)] ..

 

 

إذًا فالصَّوم ليس مُجرد إمساك عن الطَّعام والشَّراب والشَّهوة، وإنما هو دروس قيِّمة، وعِظات كريمة، وحِكَم بالغة، ولا عجب فهو يُعلِّمنا الإحساس بما يلقاه الفقير من جهد الحياة، وما يُكابده من مرارة الحرمان وألم المَسْغَبَة؛ فهو لفتة ربَّانية وجَّه بها القادرين لرعاية العاجزين، أو مُواساة المحتاجين، والتَّخفيف عن البائسين والمكْرُوبين، وهو علاجٌ سماوي عالمي، عالَجَ الله به داءَ الشُّحِّ والأثرة والتَّكَبُّر على اختلاف الأزمان وتبايُن النَّاس، وفي جميع الأديان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]؛ فهو تذكرة للمسلمين بأعظم أمجادهم، وأنبل تُراثهم، وإيقاظٌ للمعاني الكريمة التي أضاء نورها في الخافقين، وَعَمَّ أثرها المبارك في العالمين: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185] ..

 

 

فالصَّوم تُقًى ونُور، ورحمة وبرٌّ، يعين الإنسان على كبح الشَّهوات، ومُقاومة المغريات، والقَصْدُ في تناول اللَّذات، يصل الإنسان بالله، فيغرق في عالم الجلال والجمال وَضِيءَ النَّفْس، مُشْرُق الرَّوح، صَافي القَلب، بعيدًا عن الأثَرة والأناني ..

 

 

ومتى أحسَّ الإنسان هذا الإحساس، سمَتْ إنسانيتُه، وارتفعتْ في نظره قيمته، وارتقى خُلُقه فبعُدَ عن الهُجْرِ والإسفاف، وكف عن الإثم والعدوان والزُّور والبهتان ..

 

 

ولا يكمُلُ صوم المسلم إلا بذلك الصفاء وهذا السمو؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1804)] ..

 

 

فرمضان موسم الصَّفاء الرُّوحي، والإشراق القلبي، والنُّور الإلهي، يتميز بالرحمة والإيثار، والجُود والسَّخاء، يَقْوى فيه بين الناس التراحمُ والتعاطف، والتواصل والتآخي والتآزر؛ روى الإمام البخاري عن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)) [صحيح البخاري؛ برقم: (1803)، و صحيح مُسلم؛ برقم: (2308)] ..

 

______________

 

* - المقال، بقلم: العلاّمة الشيخ إبراهيم أبو النَّصر – مُدير عام مساجد البحيرة/ مصر – (رحمه الله) ..

 * -  وقد نُشر المقال في: [مجلة (مِنبر الإسلام): العدد العاشر، من السنة الحادية عشرة، غُرَّة شوال، 1373هـ - 2 يونيه 1954م]  ..