.إفحام من زعم أنّ بالقُرآن الكريم أخطاء لُغوية -(1) - بقلم: فضيلة الشيخ د. سر الختم عكاشة
logo

.إفحام من زعم أنّ بالقُرآن الكريم أخطاء لُغوية -(1) - بقلم: فضيلة الشيخ د. سر الختم عكاشة

.إفحام من زعم أنّ بالقُرآن الكريم أخطاء لُغوية -(1) - بقلم:   فضيلة الشيخ د. سر الختم عكاشة

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) [الكهف: 1]، وأشهد أن لا إله إلا هُو وحده لا شريك له، القائل في مُحكم كتابه الكريم: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يُوسف: 2].

وقال جلّ شأنه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) [آل عمران: 7].

 

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وخليله، النّبي العربيّ الأمُّيّ الذي لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم: 4] صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فقد نزل القرآن الكريم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقت أن بلغ فيه العرب القمة في البيان والبلاغة والفصاحة وطلاقة اللسان، فنزل القرآن الكريم المعجزة الباقية الخالدة الدائمة بلسان عربي مُبين، يتحدّى هؤلاء البلغاء الفُصحاء أن يأتوا بسورة من مثله؛ قال تعالى في مُحكم التنزيل: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 23].

 

فوقف جهابذة العربية وأصحاب البيان أمام كلام الله عاجزين، بل قال قائلهم وهو -عُتبة بن ربيعة الذي قُتل هو وأخوه وابنه يوم بدر كافراً- حين سمع قول الحق عزو وجلّ: (حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)[سورة فُصّلت]. قال: " والله لقد سمعتُ قولاً ما سمعتُ مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة ... إلخ" (الرحيق المختوم؛ ص: 152).

فما استطاعوا أن يُعارضوا القرآن الكريم، ولو وجدوا فيه مُخالفة للعربية لانتهزوها فرصة يردُّون بها على ما جاء به مُحمد صلى الله عليه وسلم.

إذن فالقرآن الكريم عربي نزل بلغات العرب، ولا يُمكن إلاّ أن يحمل وجهاً من وجوه العربية، أو وجهاً من وجوه الإعراب، ومن يزعم أنّ في القُرآن العظيم أخطاء لغوية؛ فهو أحد اثنين:

الأول: إما أنّه قليل الحظ من العربية، أو لا حظّ له فيها إطلاقاً.

والثاني: إما أن يكون مُغرضٌ مُتطاول، يُحاول أن يحجب ضوء الشّمس بكفّه، أو يُطفئ نُور الله بفيه، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 8 – 9].

فقد اطلعت على ورقة قدّمها لي أحد الإخوة الكرام المهتمين بالقرآن الكريم وعلومه تحت عنوان: (الأخطاء اللغوية في القُرآن الكريم) مجهولة المصدر، ومجهولة الكاتب خشية ألاّ يفتضح أمر صاحبها، لأنه يعلم تماماً مدى كذب وبُطلان وتفاهة ما قام به، ولو كان لديه من الجرأة والشجاعة الأدبية لذيّل هذه الافتراءات باسمه، ولكنه خشي من الفضيحة فآثر أن تكون هذه الورقات التي كتبها مجهولة الاسم والمصدر، ولمّا قرأتها وجدتها من التفاهة والضحالة العلمية والجهل الفاضح بالقُرآن العظيم وقواعد لغة القرآن بمكان!، ثم بدا لي أن أكتب ردّاً مختصراً عليها درءاً للشبُهات الباطلة، ورداً على المزاعم المُفتراة الكاذبة، وإفحاماً لكاتبها المجهول، وذلك حتى لا يغتر بما فيها من الافتراءات والأكاذيب أحد ممن صلته بالثقافة الإسلامية والعلم الشرعي ضعيفة.

 

وقد رتبت الإجابة على هذه الشُّبهات الباطلة بحسب ترتيب سُور المصحف الشريف، فبدأتُ بالمسائل التي في سورة البقرة مُرتبة بحسب ترتيب الآيات، ثُمّ المسائل التي في سورة آل عمران، فالنساء .. وهكذا، ليسهل على القارئ الكريم الرجوع إليها بسهولة متى شاء، وقد ترتب على ذلك مخالفة تسلسل أرقام المسائل المُفتراة المزعومة التي وضعها الكاتب المجهول حيث جعلها هكذا خبط عشواء بدون ترتيب للسّور القرآنية.

وقد نقلت كل مسألة أو شُبهة من الشُّبهات المزعومة الباطلة كما جاءت في الورقة المشبوهة لهذا الكاتب المجهول بأخطائها، فبدأت بالتعليق على الأخطاء، ثم بعد ذلك نقلتُ أقوال العلماء ردّاً على كل شبهة، وعزوت كُلّ قول إلى قائله مُشيراً إلى مصدره.

هذا والفضل كله لله جلّ وعلا الذي يسّر لي بفضله وكرمه شرف الدفاع عن القرآن العظيم .. ثُمّ لأولئك العلماء الجهابذة الكبار الذين أحكموا سد كلّ منفذ يُمكن أن يتسلل منه شيطان مُغرض، رحمهم الله جميعاً ورضي عنهم، وجزاهم عنّا وعن الإسلام والقرآن العظيم خير الجزاء، ونفعنا بعلومهم في الدّارين.

 

وقد تعرّض القُرآن الكريم منذ نزل على النبي الأمين صلى الله عليه وسلم إلى مُحاولات عديدة من الدّس والطعن والتحريف، إلا ان كُل هذه المحاولات –ولله الحمد- باءت بالخيبة والخسران والفشل الذريع، ذلك أنّ الله تبارك وتعالى تَولّى حفظ كتابه الكريم، فقال جلّ شأنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].

فقد كان القُرآن الكريم وما يزال وسيظل بإذن الله تعالى محفوظاً بحفظ الله، ومُحاطاً برعاية الله جلّ وعلا، فقد جعله الله منارة يهدي بها إلى الحق وإلى الطريق المُستقيم:  

(قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15 - 16].  

 

وإنا لنأملُ أن يُقيض الله تعالى لهذا العالم أمة مُصطفاة تتخذه منهاجاً ودستوراً ليعم الدنيا السلام وينتشر بين ربوعها العدل، ويعيش سكان الأرض على اختلاف ألوانهم ولغاتهم ودياناتهم في أمن ومحبة ووئام كما جاء في القُرآن الكريم ..

لكن الذين أعمى الله عز وجل بصائرهم لا يزالون يستهدفون القُرآن ليجدوا فيه مما يزعمون كذباً ودجلاً اختلافاً!، وتتطور محاولاتهم بتطور الآلة الإعلامية ووسائل الاتصال، مُستفيدين من الإمكانيات التقنية والتكنولوجية الهائلة لبث أكاذيبهم ولنشر أباطيلهم وضلالاتهم، وهذا المجهول الفاشل الذي كتب هذه الورقة (الأخطاء اللغوية في القُرآن) وراح يُروج لها على الانترنت إنما يُحاول –فشلاً وعبثاً- أن يحجب ضَوْءَ الشّمس بشيء من الغبار، وإنه وأمثاله كمن ينحت في الصخر! ..

 

إن صياغة الاستفسارات أو الشُّبهات التي وردت في هذه الورقة المجهولة المصدر والاسم لتدل على خُبث النيّة وسوء الطويّة، فهي تهدف فيما تهدف إلى التشكيك في أن القرآن الكريم الذي هو كلام الله قطعاً وإيماناً ويقيناً، يُريد صاحبها الفاشل المجهول أن يقول عن القُرآن العظيم أنه من كلام البشر!، وليس هو وحي الله إلى نبيه الحبيب صلى الله عليه وسلم، لذلك يعتريه النقصُ ويطرأ عليه الخطأ، وخاب وخسر هو وأمثاله، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول في كتابه الكريم عن هؤلاء الدجّالين: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) [الكهف: 5].

وقد ردّ الله جلّ وعلا مزاعم وافتراءات أسلافهم؛ فقال سبحانه وتعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) [سورة الحاقة].

المفتريات والرد عليها:

افتتح هذا المتطاول على كتاب الله عزو وجل مزاعمه، بقوله: "يقول الكثير بأن القُرآن مُعجزة بلاغية، فلماذا نجد مثل هذه الأخطاء البسيطة التي لا يُمكن لأي إنسان أن يُنكرها؟!!

والتعليق على هذا الافتراء المحض:

– أنه ليس في كتاب الله –حاشا- أي خطأ، ولكن الشيطان ينفخ في أوداج الحاقدين، ويُزين لهم سُوء أعمالهم، فيعتقدون ببساطة أنهم يستطيعون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم .. ولكن هيهات .. (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8].

– إنه مع غلبة ظني أن كاتب هذه الاستفسارات -الشُّبهات-كما أسلفت من المشككين، إلا أنني أدعوا الله عز وجلّ له دعوة خالصة أن يهديه وأمثاله إلى الحق المبين، وأن يجعل في هذا الرد بركة واقتناعاً يُدخلهم إلى هذا الدين العظيم ويُنقذهم من عذاب الجحيم .. 

1- قول المتطاول: (جعل الضمير العائد على المُفرد جمع): في [سورة البقرة: 17]: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، فلماذا لم يجعل الضمير العائد على المفرد مُفرداً؛ فيقول الله: (ذهب الله بنوره) وليس ذهب الله بنورهم ..

الإجابة، وبالله التوفيق:

1 – فقد أخطأ المتطاول الذي ادّعى بأخطاء لغوية في القرآن، وكلامه مليء بالأخطاء!، منها: قوله: (جعل الضمير العائد على المفرد جمع)؛ وهذا خطأ، والصواب: (جمعاً).

2 – ولمّا كان الإعراب فرعٌ عن المعنى، فسأقوم بإعراب الألفاظ الواردة في الآية الكريمة لتوضيح المعنى:

- اعلم أن (الذي) اسم ناقص يُعبر به عن الواحد والجمع. (التبيان في إعراب القُرآن؛ للعُكبري: (ج2/ص650).

- قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، الباء متعدية للفعل، كتعدية الهمزة له، والتقدير: (أذهَبَ اللهُ نورهم)، وقد تأتي (الباء) للحال، كقولك: (ذهبت بيزيد)، أي ذهبت ومعي يزيد .. (تركهم) بمعنى صيَّرهم، يتعدّى إلى مفعولين، وليس بمعنى الإهمال.

- قلنا: أن (الذي) في لغة العرب يقع للواحد، ويقع للجمع، قال الشاعر:

وإن الذي حانت بفلج دماؤهم  *** هُم القوم كُلّ القوم يا أمَّ خالدٍ

- قال  العلماء: في قوله تعالى: (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ..) حمل أوّل الكلام على الواحد وآخره على الجمع، وقيل وحَّد (الذي) و (استوقد)؛ لأن المستوقد واحد من جماعة تولى الإيقاد لهم، فلمّا ذهب رجع عليهم جميعاً. (الجامع لأحكام القرآن، للقُرطبي: (ج1/ص 212).

- هذا، وللعلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله كلام نفيس في غاية الجمال؛ إذ يقول: "جمعُ الضمير في قوله تعالى: (بِنُورِهِمْ) مع كونه بلصق الضمير المفرد في قوله (مَا حَوْلَهُ) مُراعاة للحال المشبه، وهي حال المنافقين، لا الحال المشبّهة بها، وهي حال المستوقد الواحد، على وجه بديع في الرجوع إلى الغرض الأصلي .. إلى أن قال: فهذا إيجاز بديع، كأنه قال: فلما أضاءت ذهب الله بناره، فكذلك يذهب الله بنورهم، وهو أسلوبٌ لا عهد للعرب بمثله، فهو من أساليب الإعجاز". (التحرير والتنوير، لابن عاشور: (ج1/308).    

2 – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المتطاول: قوله: (أن القرآن أتى بجمع الكثرة حيثُ أريد القلة)، في [سورة البقرة: 80]: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً)، لماذا لم يجمعها، جمع قلة، حيث أنهم أرادوا جمع قلة، فيقول: (أياماً معدودات .. وليس أياماً معدودة) ؟.

والإجابة على هذا:

- و (المعدودة) "هي المحصورة العدد القليلة، وكُني (بالمعدودة) عن القليلة، لمَّا أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصور القليل متيسر العدد والكثير متعسره، فقالوا: شيء معدود- أي قليل- وغير معدود- أي كثير-" (روح المعاني، للعلامة الألوسي رحمه الله: (ج1/ص479).

- وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله: "إنما جمع قلة هُنا؛ لأن المراد بالمعدود الذي يعدُّه النّاس إذا رأوه أو تحدّثوا عنه" (التحرير والتنوير، لابن عاشور: (ج1/508).

- وقيل: جمعها قلة إشارة إلى أنهم الذين يُقللونها غُروراً أو تغريراً.

 

 3 – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المتطاول: قوله: (نصْبُ الفاعل)، في [سورة البقرة: 124]: (وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، لماذا لم يرفع الفاعل؛ فيقول: (لا ينال عهدي الظالمون .. وليس الظالمين)؟

والإجابة على هذا:

- أن الوجه الصحيح لإعراب الآية الكريمة، هو على النحو التالي:

* (قال): فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو) يرجع إلى ربّ العزة جلّ وعلا.

* (لا): نافية.

* (ينالُ): فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة على آخره.

* (عهدي): فاعل مرفوع و (الياء) مُضاف إليه.

* (الظالمين): مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مُذكر سالم. (الجدول في إعراب القُرآن وصرفه، للأستاذ محمود صافي: (ج1/215).

- وقد قُرئت: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ)، والمعنى في الرفع والنصب واحد، لأن (النيل) مُشتملٌ على (العهد) وعلى (الظالمين)، والقراءة الجيّدة هي نصبُ (الظالمين) (معاني القُرآن وإعرابه، للزجاج: (ج1/ص205).

 

4 – ومن الأمور الذي اختلطت على فهم المتطاول: قوله: (أتى باسم الفاعل بدل المصدر)، في [سورة البقرة: 177]: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)، فلماذا قال: (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّه) أليس في هذا خطأ في التركيب، والأصوب أن يقول: (ولكن البر أن تؤمنوا بالله)، لأن البر هو الإيمان لا المؤمن ..

والإجابة على هذا:

أولاً: سنتجاوز –قليلاً- عن سفاهته وسوء أدبه مع الله عز وجل، فليس بعد الكفر ذنب .. ونقول لهذا المتطاول الجهول: يا هذا إن القُرآن العظيم بحر زاخر، لا قبل لك ولأمثالك من الجهلة المغرورين بالخوض فيه، ناهيك عن الغوص في أعماقه.

ثانياً: كلمة (آمن) فعل ماض، وليس اسم فاعل كما زعم هذا المفتري الجهول، وإنما اسم الفاعل من هذه المادة (مؤمن).

ثالثاً: قال العلماء: البرُّ اسمٌ جامعٌ لمعاني الخير .. والتقدير (وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ – برُّ - مَنْ آمَنَ) فحذف المضاف، وقد قال النحويون: " يجوز أن يُحذف ما عُلم من مُضاف أو مُضافِ إليه". (أوضح المسالك، لابن هشام: (ج3/ص149).

"فإن كان المحذوف المضاف، فالغالب أن يخلفه في إعرابه المضاف إليه نحو (وجاء ربُّك) أي أمر بك .. (أوضح المسالك، لابن هشام: (ج3/ص149 - 150).

ومن ذلك قولهم: (فإنما هي إقبال وإدبار)، أي ذات إقبال وإدبار، وقال النابغة:

(وكيف تواصل من أضحت خلالته كأبي مرحب)

أي: كخلالة أبي مرحب، وأبو مرحب كنية الظل عند العرب. (الجامع لأحكام القُرآن، للقُرطبي: (ج2/ص 238 – 239).

رابعاً: (البِرّ) "في أول الآية قُرئ بالرفع، وقُرئ بالنصب، فمن رفعه جعله (اسم ليس)، ومن نصبه جعله (خبرها)؛ ذلك أنّ ليس وأخواتها إذا جاء بعدها معرفتان كُنت مُخيّراً فيهما. وإذا جاء بعدها معرفة ونكرة، كان الاختيار أن تجعل المعرفة الاسم والنكرة الخبر".   (الحُجّة في القراءات السبع، لابن خالويه: (ص: 92).

وللموضوع صلة بمشيئة الله تعالى ...   

* - بقلم: الشيخ د. سر الختم عكاشة حفظه الله ..