في الذكرى الحادية عشر لوفاة أستاذي العلاّمة القُرآني أ. د حسن المعايرجي (1 – 2) - بقلم: د. حمدي أبو سعيد
logo

في الذكرى الحادية عشر لوفاة أستاذي العلاّمة القُرآني أ. د حسن المعايرجي (1 – 2) - بقلم: د. حمدي أبو سعيد

في الذكرى الحادية عشر لوفاة أستاذي العلاّمة القُرآني أ. د حسن المعايرجي (1 – 2)  - بقلم: د. حمدي أبو سعيد

إحدى عشر عامّاً مرّت على رحيل أستاذي العلامة الكبير خادم القرآن الكريم الأستاذ الدكتور حسن المعايرجي تغمده الله بواسع رحمته، وقد تزامنت هذه الذكرى مع مرور اثنين وتسعين عاما على ميلاده، أسأل الله العلي القدير أن يتقبله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا ..

إحدى عشر عامّاً مضت على رحيل أستاذي المعايرجي، ومازالت كلماته –رحمه الله- مُتدفقة حيّة تجوب مجالس ومدارس أهل القرآن والمتخصصين في ترجمات تفسيره .. وتتحرك نَشِطَةً بين تلاميذه ومُحبيه الراغبين في تبليغ رسالة القرآن إلى العالمين كافة، تُعلم الأجيال .. كيف يخدمون القرآن العظيم؟ ..

 

وما زالت جُهوده المقدرة في السعي لنشر رسالة القرآن، وجمع التفاسير والترجمات القرآنية التي كتبها علماء أهل السنة والجماعة الكرام من شتى أرجاء العالم لمُراجعتها وتدقيقها وتنقيحها وطباعتها ونشرها تُرشد وتُوجه طلبة القرآن كيف يعملون على نشر نور القرآن العظيم ورسالته بين العالمين؟ ..

 وما زالت مواقفه الطيبة القوية في فضح مُؤامرات القساوسة والرهبان المُنصرين، وتعرية افتراءات المندسين بين صفوف المسلمين من -الشيعة والقاديانيين- حول القرآن العظيم مُلهمة لأهل القرآن كيف يُدافعون عن القرآن العظيم؟ ..

 وما زالت نداءاته بأهمية تبليغ رسالات الله، من خلال نشر التفاسير الصحيحة للقرآن الكريم بجميع اللغات العالمية الحيّة إلى الناس كافة تَدْوي في الآفاق، ومازال شعاره الذي رفعه، وجعله برنامجاً ومِنهاجاً -((مُصحفٌ لكُلّ إنسان، وتفسيرٌ بكُل لسان))- يأخذ بالألباب، ويشحذ الهمم والعزائم للتقرب إلى الله –جلّ في عُلاه- بالعمل على خدمة القرآن العظيم، ورفع رايته عالية خفاقة في العالمين، والدفاع عنه بكل السُّبل الإعلامية والقانونية المتاحة، وخدمته وخدمة علومه تعلماً وتعليماً ودعوة ودفاعاً وتبليغاً؛ فرحمك الله أستاذي الدكتور حسن المعايرجي؛ وطبت حيّاً وَمَيْتاً، وجزاك الله عن أبناءك وتلاميذك ومُحبيك وعن القرآن وأهله خير الجزاء ..

 

إن أُمتنا الإسلامية، أمة عظيمة تزخر بالعظماء المغمورين الذين خدموا الإسلام في مجالات كثيرة عاشوا حياتهم في هُدوء ورحلوا في صمت، لم يعرفهم الكثير من أبناء جيلهم، لانشغال هؤلاء الأعلام بما ينفع أمتهم من مشاريع كبيرة لخدمة القرآن ورسالة الإسلام العظيم؛ بعيداً عن صخب الإعلام وضجيجه وانحيازه وتلميعه للكثير من معدومي الموهبة والعطاء!! ..

والإعلام المنحاز –أبدا- في بلاد المسلمين انحيازاً واضحاً ضد الإسلام وعلماءه ورموزه، لا يُمكن أن يُسلط الضوء على أمثال هؤلاء العظماء، في بلاد تُحارب الفضيلة وتُحاصرها، وتعمل على شرعنة الجهل والتسطيح والتخلف وإشاعة الفاحشة والرزيلة وسوء الأخلاق ..

أما أرباب العلم والفكر والثقافة والمعرفة على اختلاف فروعها من المسلمين الغيورين على دينهم وأمتهم؛ فليس لهم موطئ قدم في مثل هذه الوسائل التي تتنكر لهم ولجهودهم، وتحتفي بأنصاف المتعلمين والجهلة ممن يرفعون أصواتهم الخبيثة المنكرة بالعداء للإسلام وتاريخه وثقافته وحضارته وهُوية أمته، ومن هؤلاء العلماء العظماء الذين عاشوا في هدوء ورحلوا في صمت، أستاذي العلامة الكبير الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله-، والرجل أحسبه من الأتقياء الأخفياء، الذين يُريدون الله والدّار الآخرة، ولا أزكيه على الله تعالى ..

 

فقد كان يعمل ويسعى ويتحرك في كل مكان لخدمة القرآن العظيم، لا يبتغي بذلك جزاءً ولا شُكوراَ، ولا ينتظر كلمة مدح أو ثناء من أحد من الناس، والرجل كان من طراز فريد نادر من الرجال الكبار؛ كان -رحمه الله- نسيج وحده، سديد الرأي، واسع الثقافة والمعرفة والاطلاع، يتمتع بالأخلاق الفاضلة الكريمة، والمواقف القوية والشجاعة في الحق، وبالمحبة الجميلة لكل من عرفه، كان رجلا فِطْرِّيّاً سَمْحاً سَهْلاً بسيطاً، متين الدين والخلق، يملك الكثير من العلاقات مع المسلمين وغيرهم في مشارق الأرض ومغاربها، له قدرة كبيرة على كسب الناس ومحبتهم، والتواصل معهم؛ فقد كان كبيراً بكل ما تعنيه الكلمة ..

وكان –رحمه الله- بحاثَّة دقيقاً في بحثه، وكاتباً أنيقاً في كلماته وعباراته، وأديباً رشيقاً في حُسن بيانه وحديثه، كان صاحب هم وهمة عالية في خدمة القرآن العظيم، كان يجوب الأرض شرقاً وغرباً بحثاً عن ترجمة صحيحة لتفسير القرآن لينشرها، ويُرشد المسلمين إليها، أو ترجمة مُحرفة صنعها بعض المتعصبين من القساوسة والرهبان أو المستشرقين الحاقدين ليُحذر المسلمين منها، كان رجلاً كبيراً –رحمه الله- بكل ما تعنيه الكلمة، والرجال من أمثاله قليل!، ومع كل هذا فقد كانت له حال طيبة مع الله جلّ وعلا من الذكر والاستغفار والطاعات والقُربات، مع غَيْرة كبيرة على الإسلام والقرآن ونبي الإسلام؛ وكان –رحمه الله- معجوناً بحب القرآن والعمل للإسلام؛ وهكذا الشأن بأولياء الله الصالحين وعباده المقرّبين من أهل القُرآن الصادقين ..

 

كان أستاذي –رحمه الله- مُنظماً دقيقاً في كل أموره، حريصاً على وقته، مُجتهداً لا يعرف الكلل والملل، يعمل بجد واجتهاد وتفانٍ واتقان في تخصصه العلمي، وفي دراساته حول القرآن العظيم وترجمات تفسيره؛ ارتبط منذ سن مُبكرة بالقرآن العظيم؛ وراح يعمل بصمت وبدون إعلانات أو ضجيج على خدمة كتاب الله العزيز، حيث تفرغ لمشروعه الكبير الذي بذل له كل غال ونفيس من وقته وجهده وصحته وماله وحياته كلها –رحمه الله-، ومع أن المشروع بتفاصيله الدقيقة وطموحه الكبير لم يرى النور في حياته، ولكنه سار سريان النور في الظلمات يخط طريقه بكل ثقة وحُسن ظن بالله وتوكل عليه سبحانه وتعالى؛ كي يخرج للعالمين بأبهى حُلة وأحسن صورة ..

كان مشروعه –رحمه الله- يقوم على أهمية تبليغ القرآن العظيم بجميع اللغات واللهجات العالمية الحية التي يتحدث بها البشر، وتبلغ أكثر من (أربعة آلاف لغة)، إلى الناس كافة؛ -فيا له من طموح كبير، و يا لها من همة عالية في خدمة القرآن والعمل للإسلام ..

كان –رحمه الله- يسعى إلى إقامة صرح عالمي كبير لخدمة القرآن العظيم، صرح يرفع راية القرآن عالية خفَّاقة فوق ربوع الدنيا كلها، ينشر رسالة القرآن بين العالمين كافة، ويُدافع عن القرآن العظيم، ويرد غارات الملحدين، ويصد مؤامرات الباطنيين المتدثرين بعباءة الإسلام، ويتصدى لجحافل الصليبيين الجُدد والمنافقين المتربصين بكتاب الله العزيز؛ وذلك بإقامة هيئة عالمية للقرآن الكريم، تقوم بهذه المهمة الجليلة؛ فيا لها من همة عالية لا يقوم بها إلاّ أفذاذ الرجال من أمثال أستاذنا الدكتور المعايرجي، رحمه الله ..

 

رحلة العلم .. وحياة حافلة بالعلم والمعرفة:

ولد أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي في يوم الخميس 29 من شهر شعبان عام 1345هـ الموافق 3/3/1927م، بمديرية الشرقية في المملكة المصرية آنذاك، ودرس كعادة أبناء مصر أول ما درس في كتاتيب تحفيظ القرآن الكريم التي كانت ولا تزال بفضل الله تعالى مُنتشرة تُؤدي دوراً كبيراً في محو الأمية القُرآنية، وتنشر نور القرآن وبركة القرآن في ربوع مصر المحروسة، وقُراها الطيبة الوادعة، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدينة الزقازيق، ولرغبته الشديدة في التخصص العلمي الدقيق في دراسة الزراعة، وما يتعلق بها من علوم ومعارف مُهمة؛ وكانت "الزراعة" و"الحقوق" أيامها من الكليّات الكبيرة التي كان يعتبرها كثير من النّاس في مصر كُليات قمّة حسب تعبيرهم! ..

 فقد التحق بكلية الزراعة، بجامعة فؤاد الأول –جامعة القاهرة- حاليا، وتخرَّج منها عام 1949م، ثم واصل دراساته العليا في مصر وخارج مصر حيث حصل على الدبلومات العليا المتخصصة في العلوم الزراعية والكيميائية من ألمانيا الغربية سنة 1965م، وحصل - أيضاً - على الدكتوراه من ألمانيا الغربية سنة 1967م، وكان عنوان أطروحته العلمية للدكتوراه: (التأثير البيولوجي للمواد المطهرة الكيميائية والفيزيائية في وجود مواد متعددة):
Die biologische wirkung von chemischen und physikalischen
desinfektionsmitteln in Abhangigkeit von Begleitstoffon

وكان أستاذنا المعايرجي –رحمه الله- يُجيد ثلاثة لغات بطلاقة، هي: (الانجليزية، والفرنسية، والألمانية) كتابة وتحدثا وترجمة منها وإليها، وقد عمل في سلك التدريس والبحث العلمي الذي أحبَّه وأجاده وأتقنه في: مصر، وليبيا، والأردن، وقطر التي عاش فيها واستقر بها إلى أن لقي ربه جلّ وعلا، بعد أن لقي من حكامها وأهلها الكرام كل حفاوة وتقدير واحترام ..

 

وفي دولة قطر قدّم أعمالاً كبيرة وانجازات كثيرة؛ فقد أسس أول مدرسة ثانوية بالدوحة عام 1956م، وعمل مديرا لمدرسة القصر التي عُرفت بمدرسة (الأنجال) والتي كانت تضم نُخبة من أمهر المعلمين المصريين وغيرهم لتدريس أبناء الأسرة الحاكمة بقطر، وفي هذه المدرسة تخرج بعض أمراء دولة قطر ووزرائها ورجالها الذين تولوا مناصب عديدة في الدولة، وإلى جانب هذا كان يعمل مُستشاراً مُقرباً من أمراء دولة قطر السابقين؛ وكلهم كان يحترم أستاذنا الدكتور حسن المعايرجي ويُقدره لمكانته المرموقة وشخصيته الفذة وعلمه الغزير وثقافته الموسوعية ..

وقد أوكل إليه أمير قطر الأسبق –ثقة فيه- مع أعماله الكثيرة مهمة الإشراف العلمي على تعليم أبناء الأمير والأسرة الحاكمة في المراحل التعليمية المختلفة، وخاصة في جامعات مصر والمملكة المتحدة في الفترة من: (1967ـ 1978م)، وعندما تأسست جامعة قطر، انتدب إلى العمل فيها خبيراً عام 1978م، ثم بدا له أن يُؤسس كياناً علمياً مرموقاً يرتبط بجامعة قطر، يكون له سمعة ومكانة علمية عالمية كبيرة، على أفضل ما تكون المعايير العلمية الدولية؛ فأسس في عام 1979م (مركز البحوث العلمية والتطبيقية، بجامعة قطر)، وقد تولي أمانة المركز بتاريخ 28/3/1979م، وبذل جهوداً كبيرة في وضع برامج ومشروعات خطة عمل المركز البحثية، وقدم في هذا الإطار أبحاث ودراسات علمية مُحَكَّمَة وفق المعايير العلمية العالمية، وعمل على الإســـــهام ببحوثه ودراساته المتخصصة في العلوم البيولوجية والكيميائية ضمن نشـــاطات مشروعات البحوث التي قدمها المركز، وحتى يستفيد المجتمع من أعمال المركز وإنجازاته في مجال البحوث العلمية والتطبيقية، أسس اللجــــان المشــتركة بين المركز والوزارات والمؤسسات المعنية بالدولة ..

 

وقد سعى أستاذنا المعايرجي –رحمه الله- لوضع المركز ببحوثه وانجازاته العلمية المتميزة على خارطة الساحة العلمية الدولية؛ فراح يُشارك من خلال أنشطة المركز الخاصة في علاقات وشراكات مع العديد من مراكز البحوث والروابط والاتحادات العلمية العربية والدولية؛ مثل: اتحاد مجالس البحث العلمي العربية، والمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلـوم، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)؛ وظل أستاذنا –رحمه الله- على رأس المركز، يُدير شؤونه، ويُقدم انجازات علمية مرموقة مع فريق العلماء والباحثين بالمركز، في عطاء علمي متواصل حتى تقاعده في عام 1996م.

وللأستاذ الدكتور حسن المعايرجي –رحمه الله- إسهامات وإنجازات علمية كثيرة قدمها في حياته التي كانت حافلة بالعطاء والتميز، وكانت له مشاركات علمية في المحاضرات والندوات والمؤتمرات والورش والدروات التدريبية للباحثين وغيرها بجامعة قطر، والجامعة الأردنية، وجامعة بغداد، وعدد من الجامعات الأمريكية والأوروبية، وغيرها من الجامعات ومراكز البحوث العلمية المشهورة في العالم، رحمه الله رحمة واسعة، وتقبله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ..

* - والمقال –موصول- بمشيئة الله تعالى ..

* -  بقلم: د. حمدي أبو سعيد