قرأتُ القُرآن .. فعلمتُ مدى عُمق الصلة الربّانية بين القُرآن الكريم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - (4) – بقلم الدكتور وديع أحمد فتحي (رحمه الله) ..
logo

قرأتُ القُرآن .. فعلمتُ مدى عُمق الصلة الربّانية بين القُرآن الكريم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - (4) – بقلم الدكتور وديع أحمد فتحي (رحمه الله) ..

قرأتُ القُرآن .. فعلمتُ مدى عُمق الصلة الربّانية بين القُرآن الكريم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - (4) – بقلم الدكتور وديع أحمد فتحي (رحمه الله) ..

 

إن أهم شاهد علي صدق سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم هو أنه نقل إلينا كتاب الله كما هو بالحرف، وخاصة فيما يختص به هو شخصياً، فتجد في القرآن أن الله يأمر سيدنا محمد وينهاه: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 66]، يأمره بالإسلام، وينهاه عن الشرك في العباده، ومحمد صلي الله عليه وسلم يُبلغنا هذا بالحرف كما أُمِرَ به ..

 

 

وهذه الآية تشرح معني ((لا إله إلا الله))، ويأمره الله بالصبر حتي يتوفاه، فهو في جهاد إلي آخر عمره؛ قال تعالي: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [غافر: 77]، وهو ليس إلاَّ عبد من عباد الله الخاضعين لسلطان الله سبحانه وتعالي ..

 

 

حتي أنَّه يذكر ما كان المشركون يَسُبُّون به النبي صلي الله عليه وسلم، قال تعالي: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) [الصافات: 36]، وأنَّهم اتهموه بأنَّه هو كاتب هذا القرآن، وأنَّه تعلمه من رجل أعجمي، أي من أهل الكتاب، وجاء الردُّ الإلهي علي هذه الفرية ببلاغة عظيمة كالعادة قال تعالي: (قُل نَزَّلَهُ روحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذينَ آمَنوا وَهُدًى وَبُشرى لِلمُسلِمينَ) [النحل: 102]..

 

 

وتجد في هذا القرآن أنَّ الله عز وجل عَاتَبَ نبيه محمداً صلي الله عليه وسلم في عدة آيات منها: قال تعالي: (عَفَا اللَّـهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذينَ صَدَقوا وَتَعلَمَ الكاذِبينَ) [التوبة: 43]، وقال تعالي: (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذينَ آمَنوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشرِكينَ وَلَو كانوا أُولي قُربى مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحابُ الجَحيمِ) [التوبة: 113] ..

 

 وقال تعالي: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكونَ لَهُ أَسرى حَتّى يُثخِنَ فِي الأَرضِ تُريدونَ عَرَضَ الدُّنيا وَاللَّـهُ يُريدُ الآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزيزٌ حَكيمٌ * لَولا كِتابٌ مِنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فيما أَخَذتُم عَذابٌ عَظيمٌ) [الأنفال: 67-68] ..

 

 وقال تعالي: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا) [الأحزاب: 37] .. وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1] ..

 

 

 

وينهاه أيضاً في: (وَلا تَقولَنَّ لِشَيءٍ إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا) [الكهف: 23]، قال تعالي: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56] ..

 

 

والقرآن يُخالف النبي صلي الله عليه وسلم فيما ينويه أحياناً،  مثل قال تعالي: (وَإِن عاقَبتُم فَعاقِبوا بِمِثلِ ما عوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصّابِرينَ * وَاصبِر وَما صَبرُكَ إِلّا بِاللَّـهِ وَلا تَحزَن عَلَيهِم وَلا تَكُ في ضَيقٍ مِمّا يَمكُرونَ) [النحل: 126-127]، حين كان النبي صلي الله عليه وسلم ينوي الانتقام من قاتل عمه وحبيبه حمزة رضي الله عنه، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، فخضع وعفا عن القاتل ..

 

 

وفي القرآن يَمُنُّ الله سبحانه وتعالي علي عبده محمد صلي الله عليه وسلم بالمغفرة لأنَّه عبد الله المحتاج للمغفرة مثل باقي البشر؛ قال تعالي: (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [الفتح: 2]، قال تعالي: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا اللَّـهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد: 19]؛ لئلاَّ يظن أي مسلم في أي عصر أنَّ النبي صلي الله عليه وسلم أكبر من إنسان كما يفعل النصارى مع عيسي ابن مريم ويفعل اليهود مع العُزَيز ..

 

 

حتي إنك تجد أن الله سبحانه وتعالي يُعاتب نبيه وحبيبه محمداً صلي الله عليه وسلم بأسلوب شديد اللهجة أحياناً، مثلما جاء في قوله تعالي: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى *  كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) [عبس: 1-11] ..

 

وقال تعالي: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: 145] ..

وقال تعالي: (وَإِن كانَ كَبُرَ عَلَيكَ إِعراضُهُم فَإِنِ استَطَعتَ أَن تَبتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرضِ أَو سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَو شاءَ اللَّـهُ لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدى فَلا تَكونَنَّ مِنَ الجاهِلينَ) [الأنعام: 35] ..

 

 

حتي وصل الأمر إلى التهديد علي أمر لم يحدث؛ ليُبين الله لكل الدنيا أن محمداً صلي الله عليه وسلم ليس فوق العدل الإلهي؛ قال تعالي: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة: 44-47]، وهي تعني أيضاً أن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، وإلا لأصابه هذا العقاب ..

 

وقال تعالي: (وَإِن كادوا لَيَفتِنونَكَ عَنِ الَّذي أَوحَينا إِلَيكَ لِتَفتَرِيَ عَلَينا غَيرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذوكَ خَليلًا * وَلَولا أَن ثَبَّتناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِم شَيئًا قَليلًا * إِذًا لَأَذَقناكَ ضِعفَ الحَياةِ وَضِعفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينا نَصيرًا) [الإسراء: 73-75] .. وفيه التهديد لمن يتكلم علي الله سبحانه وتعالي بغير ما قاله الله، فلا يُمكن أن يكون محمد صلي الله عليه وسلم هو صاحب هذا الكتاب، بل هو كتاب الله سبحانه وتعالي خالق محمد صلي الله عليه وسلم ..

 

 

***

هذا هو الذي قُلْتُهُ لنفسي وأنا نصراني، حين قَرَأْتُ هذه الآيات في القرآن، فقد وجدت أن الله لم يُنزل هذا القرآن تبعاً لرغبة محمد صلي الله عليه وسلم، ولا ليُعطيه شيئاً يتمناه، بل ليقرر الدين الخاتم فقط ..

                                                                     

***

 

 

فتجد أنه كان يتيماً بلا مأوي، فآواه الله؛ قال تعالي: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) [الضحى: 6]، فجعل (جَدُّهُ) أشرف أشراف مكة يُحبُّه حُبّاً كبيراً، ولا يُفارقه حتي مات، فأخذه عمه الشريف في قريش أيضاً، ورباه حتي صار رجلاً ..

 

 

 ويَمُنُّ الله عليه أنه كان لا يعرف الدين، فعرّفه له قال تعالي: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) [الضحى: 7]، وكان فقيراً فأغناه الله؛ قال تعالي: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) [الضحى: 8], فيَذكُر محمد كل هذا للصحابة، ولا يُخفي شيئاً، وينهاه الله، وينهي المسلمين في شخص نبيهم عن التكبر علي أي مخلوق، وخاصة اليتيم والسائل، وأن يتحدث مع الناس بما أنعم الله عليه؛ قال تعالي: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 9-11]، فيفعل ..

 

 

ولو كان محمد صلي الله عليه وسلم تاركاً شيئاً من القرآن لترك ما يختص ببيته وزواجه وزوجاته، ولكنه لم يفعل فهو مأمور، ويُطيع الأوامر بالحرف، وهذا القرآن ليس كتاب محمد صلي الله عليه وسلم، بل هو كتاب الله سبحانه وتعالي، فكان إخباره بهذه الأمور هو من الأدلة علي صدقه، وعلي نبوته صلي الله عليه وسلم، وهذا واضح في قوله تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّـهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّـهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّـهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) [التحريم: 1-5] ..

 

 

 وقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّـهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 28-35] ..

 

 

فكانت التوجيهات الإلهية لزوجات النَّبي صلي الله عليه وسلم هي توجيهات لنساء المسلمين إلي يوم القيامة، ويتضح أيضاً أن النساء شقائق الرجال في الأحكام, وهذا هو قمة العدل الذي لم يرد في كتاب سابق، وقال تعالي: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 35] ..

 

 

وبدأ الله سبحانه وتعالي في الشرائع المُخالفة لأحكام الجاهلية بتطبيقها علي النبي صلي الله عليه وسلم نفسه، وأهمها شريعة تحريم التبنيّ، وتحليل الزواج من مُطلقه المتَبنيَّ للتأكيد على إلغاء التبني الذي ابتدعوه، ولم يكن في شريعة أي نبي سابق، وكانوا يستكبرون أن يتزوجوا من مُطَلَّقة المتبني، لأنه عندهم أقل منهم حَسَباً ونسباً؛ قال تعالي: (مَّا جَعَلَ اللَّـهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّـهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّـهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّـهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) [الأحزاب: 4-6] ..

 

 

وقال تعالي: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا * مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّـهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ وَكَفَى بِاللَّـهِ حَسِيبًا * مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: 36-40]، فقطع الله بهذا الزواج لنبيه، أي حرج علي أي مسلم في ذلك الأمر الذي ابتدعوه ..

 

 

 

ونجد أن الله يبدأ في بعض الأوامر بالنبي صلي الله عليه وسلم، وهي أوامر للمؤمنين عامَّة، قال تعالي: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّـهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [الشورى: 15] ..

 

 

وقال تعالي: (فَاستَقِم كَما أُمِرتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلا تَطغَوا إِنَّهُ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ) [هود: 112]، يأمره بالاستقامة على الشرع، والدَّعوة إلى عبادة الله، وعدم اتباع أهواء أهل الكتاب، ويأمره بالعدل أيضاً .. فكيف لا يكون هذا الكتاب هو كتاب الله؟ ولا يكون محمد هو رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ..

 

 

فإن الله لم يَرْفَع محمداً صلى الله عليه وسلم في القرآن فوق البشر؛ بدليل أنه يأمره بالتوحيد والاستغفار؛ قال تعالي: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا اللَّـهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد: 19]، وإنما يصفه الله بصفات الأفاضل من البشر، فيقول عنه: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الفتح: 8]..

 

 

 وأنه سبحانه وتعالى أرسله شاهداً علي قومه، يُبشر المؤمنين بالخير، ويُنذر الكافرين بالعقاب، ويصفه هو وأصحابه معاً بالشدة علي الكفار، والرحمة فيما بينهم، وأنهم يُكثرون من الركوع والسجود لله، قال تعالي: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29] ..

 

 

ويقول الله عن أخلاق النبي محمد صلي الله عليه وسلم قولاً جامعاً، قال تعالي: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، وقال تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات: 4-5] ..

وكان النبي صلي الله عليه وسلم لا يرفض طلب من يُناديه وهو في داخل بيته، بل يخرج إليه مُسرعاً، ولا يُعاتبه إذا كرر النداء بدون صبر ..

 

 

ويأمره الله، ويأمر كل المؤمنين معه أن يدفع السيئة بما هو أحسن منها، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالي: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) [المؤمنون: 96-97] ..

 

 

ويُعلن الله في القرآن أن سيدنا محمداً صلي الله عليه وسلم لا يطلب من أحد أجراً علي الدعوة، فهو القدوة للدعاة المسلمين من بعده؛ قال تعالي: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [سبأ: 47] .. فمن الذي يقول أن محمداً كتب القرآن بيده، ليتمتع بمباهج الدنيا؟!! ..

 

 

* - وللموضوع – صلة – بمشيئة الله تعالى ..

 

* - بقلم الدكتور الطبيب الداعية وديع أحمد فتحي (رحمه الله)

الشّمَّاس الكبير، ومُدرس اللغة القبطية بمدارس الأحد بالكنيسة المصرية –سابقا- وقد تُوفي رحمه الله في (24 ربيع الأول 1440هـ - 2/12/2018م) تغمّده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته .. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون ..