تفاصيل المقال

الترجمات اللاتينية الأولى للقُرآن الكريم – (2) – بقلم العالم الجليل أ. د حسن المعايرجي (رحمه الله) ..

الترجمات اللاتينية الأولى للقُرآن الكريم – (2) – بقلم العالم الجليل أ. د حسن المعايرجي (رحمه الله) ..

مشروع بطرس الكلوني لدراسة الإسلام ومهاجمته [14]

ومن المناسب هنا قبل الحديث عن الكتب التي اختارها "بطرس الكلوني" لتترجم وتكون قاعدة لهجومه على الإسلام، التحدث عن مدرسة للترجمة والنقل من العربية إلى اللاتينية أقامها "القس رايموند" في كنيسة بطليطلة في عام 1125- 1151م ، أي بعد سقوط المدينة في يد "ألفونس السادس" بعد أن عاشت حوالي أربعة قرون تحت ظل الإسلام والمسلمين - من عام 712م حتى عام 1085 - وكانت مركزاً حضارياً وثقافياً، واعتبرت نقطة انطلاق للشُّعلة الحضارية الإسلامية إلى أوروبا.

فقد قامت هذه المدرسة بترجمة كتب المسلمين بعد أن غادروها. وكان النَّقل يجري من العربية إلى اللاتينية. وعمل التراجمة أزواجاً لإنجاز الترجمات الكثيرة التي قامت بها هذه المدرسة.

 وكان كثير من التراجمة من اليهود المتنصرين والنصارى المستعربين، وكانت اللغات المنتشرة في إسبانيا في ذلك الوقت هي:

أ -   العربية الفصحى للمراسلات الديوانية والدراسات.

ب - العربية العامَّية للمحادثات والاستعمال اليومي.

ج - الرومانس (الإسبانية أو الكاستيللان).

د -  اللاتينية في الكنائــس.

 

ومن أشهر التراجمة في هذه المدرسة "دومنجو جونزاليس"، و "جون الأشبيلي"  وقد ترجما مؤلفات الفرغاني في الفلك، والفارابي في الفلسفة، وابن سينا والغزالي. ثم مترجمون آخرون أمثال "هيج" من سانتالا، و "بلاتو" من تيفولي، و "إبراهام رحيَّا" و "جيرارد" من كريمونه. وكان إنتاجهم يقرب من 71 ترجمة تشتمل على ترجمات: إقليدس - جالين - هيبوقريطس (أبو قراط) - أرسطاطاليس " أرسطو " - الفارابي وغيرهم [15].

      

عند زيارة "بطرس الكلوني" لإسبانيا كانت المدرسة قد أخرجت الكثير من الترجمات رغم حداثة سنها. وكان يعمل بها كثير من التراجمة، وبعد أن نمت وترعرعت اختيرت في عام 1250م مدرسة للدراسات الشرقية.

وعندما بدأت في الاضمحلال في القرن الثالث عشر كانت قد أنجزت نقل أكثر الأعمال الرئيسية للعرب واليونان في العلوم الرئيسة والفلسفة إلى اللغة اللاتينية، ويمكن القول بأنه لم يوجد في أوروبا كلها مركز واحد لم يتأثر بترجمات هذه المدرسة.

 

المهم هنا أن مؤسس هذه المدرسة للترجمة – "القس رايموند" - قد تقابل مع "بطرس الكلوني" في يوليو عام 1142م في سلامانكا. ولابد أن مشروع الترجمة الذي موَّله الكلوني قد نوقش في هذا اللقاء، كما أن مدرسة طليطلة للترجمة لابد وأن تكون قد أفادت من مشروعه بطريق غير مباشر.

كلف "بطرس" خمسة تراجمه بترجمة ما سمي "بمجموعة طُليطلة" التي حُفظت بعد ذلك في "دير كلوني" لمدة أربعمائة سنه، حتى اخترعت الطباعة ونشرت لأول مرة في "بازل" في 11 يناير 1543م.

 

والتراجمة الخمسة هم [16].

1 -  المعلم بطرس الطليطلي ( Peter of Toledo ) وكان يُتقن العربية، وكان    على معرفة بالعادات العربية والإسلامية.

وهو من عائلة نصارى مُستعربين (Mozarabs)، وساهم في ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية. ولعله قام بمراجعتها بعد الترجمة، وقد يكون هو الذي اختار مجموعة الكتب التي تُرجمت مع القـرآن الكريم لتنفيذ "مشروع بطرس الكلوني"، ويمكن اعتباره عميد فريق المترجمين.

وقد قام بترجمة أحد كتب المجموعة وهو "كتاب الرسالة" لعبد المسيح بن إسحق الكندي (Epistola Saraceni et Rescripum)، وهذا  الكتاب هو رسالة من "عبد الله بن إسماعيل الهاشمي" إلى "عبد المسيح بن إسحق الكندي"، ورسالة الكندي ردًّا على الهاشمي، وفيها دفاع حارُّ عن عقيدة التثليث. وقد لاقت هذه الرسالة اهتماماً كبيراً من المنصّرين، وتُرجمت إلى التركية والإنجليزية علاوة على اللاتينية.

وهذه الرسالة عبارة عن  كتاب من مُسلم في عصر المأمون مُوجه إلى نصراني يدعوه فيها إلى الإسلام، وردَّ النصرانيّ عليه.

ويُقال إن المأمون استمع إلى الرسالتين. ويُظنّ أن الرسالتين من خيال المؤلف النصراني، وهو حوار مسيحي مُتطرف، طالما فرح به المنصرون حتى أيَّامنا هذه.

 

2 -  روبرت الكيتوني (Robert of Ketton) وهو إنجليزي الأصل، قام  برحلات كثيرة قبل أن يستقر في برشلونه عام 1136م لدراسة الفلك والهندسة وكان مولعاً بهما، وكان يُشارك "بلاتو" من تيفولي - أحد تراجمة مدرسة طُليطلة- في ترجمة كتب المسلمين في الفلك والهندسة.

وهـو المترجم الرئيس للقرآن الكريم إلى اللاتينية. وقد مُنح منصب "أرشيدوق بامبللونا" بعد الانتهاء من الترجمة، وهو منصب كنسي رفيع، مما يدل على أن "روبرت" كان قسيساً.

 

وفي عام 1144م ترجم كتاباً في الكيمياء، وفي السنة التالية انتهى من ترجمة "الخوارزمي" في الجبر، وكانت هذه الترجمة بداية علم الجبر في أوروبا. وأستُعمل الكتاب استعمالاً واسعاً ككتاب دراسي للجبر، ويُقال إنه عاد بعد ذلك إلى لندن، حيث راجع كتاباً عن الإسطرلاب في عام 1150م، ورتب  جداول فلكية لخط الطول لمدينة لندن، بُنيت على أسـاس دراسات " البتاني" و "الزراكلي" [17]، كما راجع جداول الخوارزمي، وكان صديقاً حميماً لمترجم آخر يُدعى "هرمان الدلماطي".

 

كتب "روبرت" عن ترجمته للقرآن الكريم يقول:    "لقد كشفت بيدي قانون المدعو محمد، ويَسَّرت فهمه وضممته إلى كنوز اللغة الرومانية لمعرفة أسس هذا القانون حتى تتجلى أنوار الربِّ على البشرية، ويعرف الناس حجر الأساس يسوع"!.

وكتب يقول: "لقد رأت كنيسة كلوني في "بُطرسها" ما رآه السيد المسيح في رفيقه "بطرس"، ويجب أن يُشكر - أي "بطرس الكلوني" - لتعريض مبادئ الإسلام للضوء بعد ما سمح الدَّارسون في الكنيسة لهذا الكفر أن يتسع ويتضخم وينتشر لمدة خمسمائة وسبعة وثلاثين عاماً !.

وقد وضَّحت في ترجمتي في أي مُستنقع آسن يُعشش مذهب السراسين (المسلمين) مُتمثلاً في عملي جنديَّ المشاة يشق الطريق لغيره !.

لقد قشعت الدخان الذي أطلقه محمد، لعلك تُطفئه بنفخاتك[18] ، أي (بطرس الكلوني).

 

هذه هي الروح التي سيطرت على مُترجم القرآن إلى اللغة اللاتينية في خطاباته إلى مُستَأْجِره. وقد استغرقت الترجمة إلى اللاتينية مدة سنة فقط. وكانت روح الاستهزاء والسُّخرية تظهر بوضوح في كتابات "روبرت" وترجمته للقرآن الكريم وخصوصاً في تسميته للسُّور، ثم في خطاباته إلى "بطرس الكلوني".

وجاء على لسانه أنه عانى صعوبات كثيرة في ترجمته للقرآن، وأنه قد تصرَّف بحرية مع النص حتى أنجز العمل. فمثلاً سورة البقرة قسمها إلى ثلاث سور، وأتبع هذه القاعدة في أماكن أخرى من القرآن الكريم، لذلك فقد انتهى بعددٍ لسور القرآن يزيد (تسع سور) عن النَّص الأصلي!.

 

3 -  بطرس من بواتييه (Peter of Poitiers وكان راهباً في دير كلوني يعمل    سكرتيراً لرئيس الرهبان "بطرس الكلوني"، وقد نمت صداقة قوية بينهما، واختير رئيساً للرهبان في (دير سانت مارتيال) في ليموج، وكان ذلك قبل "بطرس الكلوني" في عام 1156م، ويبدو أنه قام بما يُشبه رئاسة التحرير للمجموعة الطليطلية، التي اعتبرت من ذخائر الدير، والتي عكف عليها الرهبان 400 سنة يتدارسونها، ويستنبطون محاور الجدل والنقد والدحض والافتراء.

فهو الذي قام بترتيبها عدة مرات، وبتحريرها، ووضعها في صورتها النهائية، ورتب فيها كتاب "الرسالة" للكندي، وكتاباً آخـر كتبه "بطرس الكلوني" سمَّي الخلاصة (Summa) بنى عليه ما استخلصه مما جاء في المجموعة الطليطلية، وقد كتب "بطرس" من بواتييه إلى "بطرس الكلوني" يقول: "لقد رتبت الآن المجموعة ترتيباً أفضل من السابق، فإن رضيت عنها كان بها، وإلا فلك مطلق الحرية في تصحيح ما تشاء. فأنت وحدك الذي مَزَّق أعداء المسيحية الثلاثة بسيف الكلمة المقدسة، وأعني بهم: اليهود، والوثنيين، والسراسين (المسلمين) [19] .... إلى أن كتب يقول:    "ويجب علينا أن نكون شاكرين لعدم رغبة "برنارد" من كليرفو أن يُسخرّ نفسه لهذا العمل (أي كتابة وجمع المجموعة الطليطلية كنقطة هجوم على الإسلام والمسلمين)".

 

4 -  هرمان الدلماطي (Herman of Dalmatia)، المتوفي عام 1172م عاش في إسبانيا، وكان على صداقة حميمة مع "روبرت الكيتوني" إذ كانا يدرسان سوياَّ وبطريقة سرية لدفع الشبهة عن نواياهم. و "للدلماطي" - غير ترجماته في مجموعة    طليطلة - عدة ترجمات أخرى منها واحدة في الفلك لسهل بن بشير ، وجداول فلكية للخوارزمي وأبي معشر وللمجريطي وغيرهم.

لقد استغل القوم الحرية والأمن في ظل الإسلام، فعكفوا على ترجمة علوم المسلمين إلى اللاتينية فيما يشبه في عصرنا الحاضر محاولات السوفييت نقل تكنولوجيا الغرب، ومحاولات الغرب نقل ما توصل إليه الشرق، وغالباً ما كانت عملية النقل هذه تتم سراً وفي الكنائـس بأيدي الرهبان والقُسس.

 

أما دوره في "مجموعة طُليطلة"، فقد قام بترجمة (Liber generationis Mahumet)، وقد استكمل ترجمته في ليون (Leon) عام 1142م. ويُقال إن "بطرس الكلوني" كان قد أرسله إلى الشام لتعلم العربية والعبرية.

 

وبقى بها ثلاثة عشر عاماً تلقى فيها علوم النحو والصرف وعاد إلى الأندلس مدرساً للغة العربية في مدرسة الآباء النصارى في رتينا (Rettina). وإن  كانت هذه الواقعة تحتاج إلى تواتر أو لعله "هرمان" آخر. وكتاب (Liber gener ationis Mahumet) كسابقه مملوء بالأساطير والإسرائيليات،  ويعتقد أن أصله في العربية هو كتاب نُسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أخبار كعب الأحبار، وسعيد بن عمر. والكتاب يركز على مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، والنور الذي انتقل من عهد آدم عليه السلام جيلاً بعد جيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

5 -  وهناك شـخصية غامضة باسم محمد ورد ذكرها مرة واحدة على هامش أحد الكتب الخمسة المترجمة، والتي تُكوَّن "المجموعة الطُليطلية"، ولعل دور محمد هذا كان إعطاء المترجمين المعنى الدقيق للفظ العربي والمدلول الديني، ولعله كان يساعد "روبرت" و "هيرمان" في ذلك.

أما إذا كان قد قام بإمداد المترجمين بنسخة من القرآن الكريم، فإنه يكون بذلك قد ارتكب إثماً، لأنَّ القرآن الكريم يجب أن يُصان من الوقوع في أيدي غير المسلمين، ولعلَّه كان مخدوعاً في أهداف مشروع الترجمة، وظنَّ أنَّه يُساهم في التقارب الإسلامي النَّصراني، وما أكثر المخدوعين، حتى في عصرنا هذا. والاحتمال الأكبر هو أنه شخصية وهمية. فقد دأب القوم على وصف بعض الكتب بأن مؤلفها مُسلم ارتد إلى المسيحية لإعطاء الكتاب توثيقاً أكبر، وتلك حيلة طالما استعملوها - وخصوصاً عند ترجمة القرآن الكريم - فكثيراً ما كانوا يدَّعون أن الترجمة عن النَّص العربي في الوقت الذي لا يعرف فيه المترجم اللغة العربية !!.

 

المجموعة الطليطلية (Toledan Collection)  والترجمة اللاتينية الأولى للقرآن الكريم:

وهي مجموعة الترجمات التي نفِّذت لحساب "بطرس الكلوني". ولعلَّ التسمية نسبة إلى "بطرس الطليطلي". وقد احتوت على ترجمات لمسائل أبي الحارث عبد الله بن سلام، وكتاب نَسَب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن عمر، وكتاب مجهول الأصل والاسم في تاريخ الأنبياء وقَصَصهم، و الرسالة لعبد الله بن اسماعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحق الكندي، علاوة على "ترجمة للقرآن الكريم"، وكتابات "بطرس الكلوني" للرد على المسلمين.    

وكتاب "المسائل" لأبي الحارث عبد الله بن سلام هو كتاب بُني على أساس مائة سؤال مُوجهة من أربعة من اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يزعم صاحبه، يحتوي على كثير من الأساطير والتصورات اليهودية والإسرائيليات والأسئلة والأحاجي.

 

وهذه بعض الأمثلة من الأسئلة التي ذُكرت في هذا الكتاب تدل على مدى ضحالة المصادر التي اعتمد عليها "بطرس الكلوني" في محاجَّة المسلمين.

سأل اليهودي الرسول صلى الله عليه وسلم(كذا): من هو الابن الذي هو أقوى من أبيه؟، فكان جواب الرسول صلى الله عليه وسلم: هو الحديد الذي هو أقوى من الخام المأخوذ منه، والنار التي هي أقوى من الحديد، والماء الذي هو أقوى من النار، والرياح التي هي أقوى من الماء.

 

 ولعلَّه يُلمح إلى الابن الذي هو أقوى من الأب عند المسيحيين، أو إسرائيل الذي صارع الرب وصرعه كما ورد بالعهد القديم!!

سؤال آخر: ما هي الأرض التي رأت الشمس مرة واحدة ولن تراها إلى آخر الزمان؟، الجواب: قاع البحر الأحمر. (تنويهاً بعبور موسى عليه السلام!).

 

سؤال: من هي المرأة التي وُلدت من رجل، والرجل الذي وُلد من عذراء ؟، الجواب: حواء خُلقت من ضلع آدم، والمسيح ولد من عذراء. (وبما أن السائل يهودي، فأي مسيح يقصد ؟).

 

سـؤال: ماذا يوجد تحت الأرض السابعة ؟، جواب: ثور يقف على حجر أبيض، والحجر على جبل، وتحت الجبل أرض وبحار وسمك !! ..

هذا مثال لأحد الكتب التي نُقل عنها الإسلام إلى أوروبا في هذه المجموعة التي تعاونت عليها أيدي اليهود المتنصرين والنصارى المستعربين والقساوسة الحاقدين والتراجمة المأجورين، ليبلغوا رسالة رب العالمين إلى الناطقين باللاتينية في الأديرة والكنائس، وسمي الكتاب باللاتينية (Doctrina Mahumet).

 

أما كتاب نَسَب الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كسابقه مملوء بالأساطير والإسرائيليات، ويُعتقد أن أصله في العربية هو كتاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أخبار كعب الأحبار وسعيد بن عمر.

 والكتاب يُركز على مولد الرسول صلى الله عليه وسلم والنور الذي انتقل من عهد آدم جيلاً بعد جيل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وباللاتينية سُمي الكتاب (Liber generationis Mahumet et nutritia eius).

  

أما كتاب تاريخ الأنبياء المسمى باللاتينية (Fabulae Saracenorum )   فلم يُعرف له أصل عربي، وقد تكلم عن آدم وخلق الإنسان وعدد الأنبياء ، والرسل وأنهم بلغوا 120 ألف نبي ، منهم 315 رسولاً، منهم خمسة من اليهود، وخمسة من العرب، واعتبر موسى عليه السلام أول الخمسة اليهود وعيسى عليه السلام آخرهم، ويقول الكتاب: إنه أُنزل على الأنبياء (104 كتاب)، وإنَّ العرب والفُرس والرومان واليهود هم أكثر شعوب الأرض حكمة، وأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أن عمر العالم هو سبعة آلاف سنة، وإنه بُعث في الألف السادسة، ثم سرد لسيرة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - ومن سياق السرد يُمكن للإنسان أن يستشف اليد غير المسلمة التي تُؤرخ والتي تكتب!!.

 

هذه عينة الكتب التي جمعها "بطرس الكلوني" وترجمها، علاوة على ترجمة "روبرت الكيتوني" للقرآن الكريم إلى اللاتينية. وقد رأينا كيف أنه أطلق ليده العنان، فهو لم يترجم ترجمة أكاديمية ملتزمة في حدود ما يسمح به الاختلاف الشديد بين اللغتين العربية واللاتينية.

فاللغة السامية الرفيعة للقرآن الكريم كانت ولاشك مُشكلة كبيرة لمن لا يُحسن العربية ولمن لا يعرف الإسلام، وكان علاج "روبرت" لهذه الصعوبة - وكما كتب بنفسه إلى "بطـرس الكلوني" - هو التضحيـة بالدقة لحسـاب المعنى الإجمـالي، وكما يقول " كريتزك": فإنه بهذا التحرر من النَّص قد وصل إلى نتائج تكاد أن تكون فُكاهية !!.

 

وهو - كما ذكرنا سابقاً - لم يلتزم بترتيب السور كما جاءت، بل قَسَّم بعض السور إلى أكثر من سورة، كما أنَّه لم يلتزم بالآيات، فقد دمجها كما أراد، وغيرّ صيغ الكلام علاوة على الأخطاء الفاحشة في ترجمة المعاني نفسها.

ويبدو أن ترجمة كتابه "الرسالة" لعبد المسيح بن إسحق الكندي كانت أكثر الترجمات دقة؛ لأن الكتاب هو دفاع عن النصرانية ومَحَاجَّة للمسلمين بالأسلوب الذي تعرفه النصرانية، مما سهَّل الترجمة.

 

 وأضاف "بطرس الكلوني" بعد ذلك عدة كتابات ورسائل إلى هذه المجموعة، وهي كتابات تنقـض وتحاج المسلمين بما سمي (Refutation)  - أي النقض – ورسـائل موجهـة إلى "برنارد" من  "كليرفو"  يشرح له ما وصل إليه مشـروعه في نقـل أفكـار المسـلمين ومذهبهـم وكتاباتهم إلى اللاتينية.

 

فكتب ما سـمي بالخلاصة:Summa tatius haeresis Saracenorum )، وكتب رســالة سميت:(Epistol Petri Cluniacensis ad Berardum Claravallis)، وكتاباً ضد الإسلام بعنوان:  (Libre contra sectam sive haeresim Saracenorum ، وحفظت هذه المجموعة ومن ضمنها ترجمة القرآن الكريم بالصورة التي ذكرنا، في دير كلوني، ووضعت تحت تصرف الدَّارسين من الرهبان وبقيت سرّاً بينهم لا يطلع عليها غيرهم خشية التأثر بتعاليم القرآن الكريم، وظلت في صورة مخطوطة حوالي 400 سنة حتى اخترعت الطباعة.  

 

* - للموضوع –صلة- بمشيئة الله تعالى ..

الدراسة بقلم: العالم القُرآني الجليل أ. د حسن المعايرجي (طيّب الله ثَراه)

___________

[14] - حفظ العرب حضارة اليونان مترجمة ومزيدة إلى العربية، ومن طليطلة اطلع الغرب على الحضارتين الإسلامية واليونانية، وأيقظ المسلمون أوروبا عندما ترجمت كتبهم إلى اللاتينية. اعتمدت على أعمال "كريتزك" في كتابة "مشروع بطرس الكلوني" والتراجم الخمسة وأعمالهم.

[15] - حفظ العرب حضارة اليونان مترجمة ومزادة إلى العربية، ومن طليطلة اطلع الغرب على الحضارتين الإسلامية واليونانية. وأيقظ المسلمون أوروبا  عندما ترجمت كتبهم إلى اللاتينية.

[16] - ج. كرتيزك - بطرس والإسلام ، بربنستون 1944م.

[17] - لعلها ليست مصادفة أن يكون خط صفر يمر بطليطلة وجرينتش الواقعة خارج لندن. فهل نقل كيتون صفر طليطلة الى أقرب قرية من لندن فكانت جرينتش؟، وهل يُمكن أن نقول توقيت طُليطلة، وليس توقيت جرينتش؟! .. الأمر يحتاج إلى بحث.

[18] – قال الله جلّ شأنه: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[التوبة: 32-33]، وقال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [الصف: 8-9].

[19] - دأب الأوروبيون على تحاشي كلمة إسلام ومُسلمين، وأطلقوا تسميات كثيرة أشهرها: (سراسين، ومحمديون، ومورو، وأتراك)، لكن الاسم الحقيقي مرفوض عندهم لسمو معناه. ولعلّ مصدر كلمة "سراسين" من كلمة " شرقيين "؛ بمعنى المسلمون القادمون من الشرق.

 



مقالات ذات صلة