تفاصيل المقال

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(14)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

تفسير آيات الصيام من (التحرير والتنوير) –(14)- لإمام أهل المغرب، العلاّمة الطاهر بن عاشور، شيخ جامع الزيتونة (رحمه الله) ..

قال تعالى:

(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة: من الآية: (187)]  ..


عطف على (بَاشِرُوهُنَّ)، والخيط سلك الكتان أو الصوف أو غيرهما، يلفق به بين الثياب بشده بإبرة أو مخيط، يُقال خاط الثَّوب وخيطه...، والخيط هنا يُراد به الشعاع الممتد في الظلام، والسواد الممتد بجانبه قال أبو دؤاد من شعراء الجاهلية:

فَلَمَّا أَضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ  *** وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا


وقوله: (مِنَ الْفَجْرِ"من" ابتدائية أي: الشُّعاع الناشئ عن الفجر، وقيل: بيانية. وقيل: تبعيضية. وكذلك قول أبي دؤاد: من الصبح؛ لأنَّ الخيط شائع في السلك الذي يُخاط به فهو قرينة إحدى المعنيين للمشترك، وجعله في (الكَشَّاف) تشبيهاَ بليغاَ، فلعلَّه لم يثبت عنده اشتهار إطلاقه على هذا المعنى في غير بعض الكلام، كالآية، وبيت أبي دؤاد، وعندي أنَّ القُرآن ما أطلقه إلاَّ لكونه كالنَّص في المعنى المراد في اللُّغة الفُصحى دون إرادة التشبيه؛ لأنَّه ليس بتشبيه واضح ..


وقد جيء في الغاية (بحتى)، وبالتبين للدلالة على أن الإمساك يكون عند اتضاح الفجر للناظر وهو الفجر الصادق، ثم قوله تعالى(حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ) تحديد لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق، وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن الصوم، إذ ليس في زمان رمضان إلاَّ صوم وفطر، وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر، فكان قوله: (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) بياناً لنهاية وقت الصيام، ولذلك قال تعالى(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام)، ولم يقل: (ثُمَّ صُومُوا)؛ لأنَّهم صائمون من قبل ..


و (إِلَى اللَّيْلِ) غاية اختير لها (إِلَى) للدِّلاَلة على تعجيل الفطر عند غُروب الشَّمس؛ لأن (إِلَى) تمتد معها الغاية بخلاف (حَتَّى)، فالمراد هُنا مُقارنة إتمام الصيام باللَّيْل ..

 
واعلم أنَّ (ثُمَّ) في عطف الجمل للتراخي الرُّتْبِيِّ، وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار؛ لأنَّ ذلك كالبشارة لهم، ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخبَّاز السمرقندي من قُدماء الحنفية من الاستدلال بـــ (ثُمَّ) في هاته الآية على صحة تأخير النية عن الفجر احتجاجاً لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الضحوة الكبرى ..


بناء على أن (ثُمَّ) للتراخي، وأنَّ إتمام الصِّيام يستلزم ابتداءه، فكأنَّه قال: ثُمَّ بعد تبيين الخيطين من الفجر صُوموا أو (أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)، فينتج معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر، وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى دلالة الإشارة الخفيفة - غفلة عن معنى التراخي في عطف (ثُمَّ) للجمل . 

هذا وقد رُوِيَت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية، وفي نزولها مفرقة، فروى البخاري ومسلم، عن عدي بن حاتم  رضي الله عنه، قال: ((لما نزلت، (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)، عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في اللَّيْل، فلا يستبين لي الأبيض من الأسود، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ وِسَادَك لعريض))، وفي رواية: ((إنَّك لعريض القَفَا، وإنَّما ذلك سَواد اللَّيل وبياض النَّهار)) ..

 
وَرَوَيَا عن سهل بن سعد  رضي الله عنهما، قال: ((نزلت، (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ)، ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى تتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعد (مِنَ الْفَجْرِ).)) ..

 

فيظهر من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، أنَّ مثل ما عمله عدي بن حاتم رضي الله عنه، قد كان عمله غيره من قبله بمدة طويلة، فإنَّ عَدِيّاً أسلم سنة تسع أو سنة عشر، وصيام رمضان فرض سنة اثنتين، ولا يُعقل أن يبقى المسلمون سبع أو ثماني سنين في مثل هذا الخطأ، فمحل حديث سهل بن سعد  رضي الله عنه على أن يكون ما فيه وقع في أوَّل مُدَّة شُرع الصيام، ومَحْمَل حديث عدِّي بن حاتم  رضي الله عنه، أنَّ عَدِيّاً وقع في مثل الخطأ الذي وقع فيه من تقدَّمُوه ..

 

فإنَّ الذي عند مُسلم عن عبد الله بن إدريس، عن حُصين، عن الشعبي، عن عدي رضي الله عنه، أنَّه قال: ((لمَّا نزلت، (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)  إلخ))، فَهُوَ قد ذكر الآية مُستكملة، فيتعين أن يكون مُحمل حديث سهل بن سعد  رضي الله عنه على أنَّ ذلك قد عمله بعض النَّاس في الصَّوم المفروض قبل فرض رمضان؛ أي: صوم عاشوراء، أو صوم النَّذر، وفي صوم التطوع، فلما نزلت آية فرض رمضان، وفيها (مِنَ الْفَجْرِ) علموا أنَّ ما كانوا يعملونه خطأ، ثم حدث مثل ذلك لعدي بن حاتم رضي الله عنه ..

 _____________

* - للموضوع -صلة وتكملة بمشيئة الله تعالى- ..

 

 

 



مقالات ذات صلة